قانون مجلس النواب الجديد في مصر: عصف بالتعددية الحزبية وتمثيل مجحف للمواطنين


2014-06-23    |   

قانون مجلس النواب الجديد في مصر: عصف بالتعددية الحزبية وتمثيل مجحف للمواطنين

أصدر رئيس الجمهورية السابق عدلي منصور في 5-6-2014 قانون مجلس النواب الذي ستجرى بمقتضاه الانتخابات البرلمانية المقبلة. واللافت أن القانون تم اصداره دون أن يحظى بنقاش مجتمعي، ودون عرضه على الأحزاب السياسية لابداء رأيها فيه. وقد حصل ذلك بعد اعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية وقبل تسليم السلطة للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بثلاثة أيام فقط، وهو ما يدعو للتساؤل اذا كان الرئيس الأسبق عدلي منصور قد أخذ على عاتقه تحمل الانتقادات التي تنتظر هذا القانون، من باب تجنيب الرئيس المنتخب أي اتهام بالعصف بالحياة الحزبية في مصر.
يجب الاشارة الى أن مجلس النواب القادم يعد من أهم المجالس التشريعية التي مرت في تاريخ مصر، طالما ان عليه أن يصدر حزمة من التشريعات الهامة جدا، وابرزها القوانين المكملة للدستور، وفي مقدمها قانون تنظيم وبناء الكنائس[1]. كما ينتظر أن يصدر هذا المجلس القانون الخاص بتنظيم قواعد ندب القضاة وأعضاء الجهات والهيئات القضائية بهدف الغاء الندب الى الجهات والهيئات غير القضائية[2]. بالاضافة الى ذلك، فان القوانين التي تم اصدارها في الفترة السابقة، يقتضي عرضها على مجلس النواب للموافقة عليها واقرارها أو يتم الغاؤها طبقا للمادة 156 من الدستور؛ وهو الأمر الذي قد يعد مناسبة هامة لاعادة النظر في القوانين التي سببت تجاذبات في الفترة السابقة مثل قانون التظاهر.

لذلك، يجب أن يمثل مجلس النواب القادم كل فئات الشعب المصري، كل طوائف المجتمع وكل الأفكار السياسية حتى تتم المناقشة بصورة سليمة لوضع قواعد تشريعية مكملة للدستور.

فهل ضمن القانون تمثيل كافة طوائف المجتمع؟ وهل أخذ القانون بعين الاعتبار الأجندة التشريعية الهامة للمجلس القادم؟
نتناول في هذا المقال أهم السلبيات التي طالت القانون، كما نقوم بابراز أهم ايجابياته والتي تتمثل في تقييد حق تعيين الرئيس لنسبة من أعضاء المجلس.

اختيار النظام الفردي لانتخاب أكثر من 70% من أعضاء البرلمان: هل يحقق تمثيلا مناسبا للأحزاب، المرأة، الأقليات والفئات المهمشة؟

اختيار النظام الفردي ونظام القوائم المغلقة المطلقة: عصف بالحياة الحزبية في مصر
نص القانون على أن يتكون البرلمان من 540 عضو[3]، على أن يتم انتخاب 420 نائب وفقا للنظام الفردي و120 نائب وفقا لنظام القائمة المغلقة المطلقة. والمقصود بالقائمة المغلقة المطلقة هو أن القائمة الحاصلة على الأكثرية المطلقة من أصوات الناخبين تحصل على كل المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية . وهي تتميز عن القائمة المغلقة النسبية التي عرفها التشريع المصري في انتخابات 2012 حيث تحصل كل قائمة على عدد مقاعد متناسب مع نسبة الأصوات التي حصلت عليها. ويحقق النموذج الثاني، المعروف بنظام القوائم المغلقة النسبية، تمثيل لكل الأحزاب والأطراف السياسية وفقا للنسبة التي حصلوا عليها في الانتخابات؛ على عكس نموذج القوئم المغلقة المطلقة، الذي اختاره المشرع المصري، والذي، يعزز النظام الأكثري ومن ثم لا يضمن تمثيل مناسب لكل الأحزاب والأطياف السياسية.

وبذلك، وتحت غطاء ابقاء نظام القوائم الذي اعتمده المشرع في أعقاب الثورة لتقوية الحياة الحزبية في مصر بالنسبة الى انتخابات 2012، آل النص من خلال تعديل تقني بسيط الى الغاء النظام النسبي بالكامل لتصبح جميع المقاعد النيابية مخصصة لمن يحوز على الأكثرية، سواء في الدوائر الفردية أو الدائرة المخصصة للقوائم. والجدير بالذكر أن الانتخابات النيابية السابقة الحاصلة في 2012، تمت طبقا للنظام المختلط بواقع ثلثى المقاعد بنظام القوائم الحزبية المغلقة النسبية، وثلث المقاعد وفقا للنظام الفردي.

ولتفادي الحكم بعدم دستورية القانون، كما حصل مع القانون السابق[4]، نص القانون بأحقية ترشح الأحزاب والمستقلين في كل من الدوائر المخصصة للنظام الفردي وتلك المخصصة للقوائم المغلقة المطلقة[5].

وقد اعترضت الأحزاب المصرية المختلفة على القانون. فقد علقت د.هالة شكر الله-رئيسة حزب الدستور- على القانون واصفة اياه بانه “يقضي على التكتلات السياسية التي تستطيع محاسبة الحكومة ومراقبة أدائها كما انه يقضي على الحياة الحزبية في مصر ويشجع على امتلاء مجلس النواب المقبل برجال الأعمال”[6]، كما صرح خالد داوود المتحدث الرسمي لحزب الدستور بأن بعض الأحزاب طالبت بالنص على القوائم المغلقة النسبية ولكن المشرع لم يستجب لها[7]. كما علق القيادي بحزب التجمع حسين عبد الرازق على نظام القوائم المغلقة المطلقة واصفا اياه بانه “اسوأ نظام قائمة على مستوى العالم، وأن دول العالم المختلفة اتجهت الى اقرار القائمة النسبية غير المشروطة”[8].

كما رفض حزب النور السلفي، والداعم للرئيس السيسي، هذا القانون معتبرا أن البرلمان سيكون “برلمان رجال الأعمال ويقضي تماما على الأحزاب السياسية”[9].

الجدير بالذكر أن المادة 5 من الدستور المصري نصت على “يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية”، فهل نشهد في الأيام القادمة طعنا بعدم دستورية قانون مجلس النواب لاطاحته بالحياة الحزبية في مصر؟

تمثيل مجحف للمرأة، الأقليات والفئات المهمشة
وفي هذا المجال، تقتضي الإشارة الى أمرين:
أولا، ان دستور 2014 لم ينص على “كوتة” العمال والفلاحين، والتي كان نصف مقاعد البرلمان يعود بموجبها لهؤلاء، وهي كوتا اعتمدت في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وقد نص الدستور في المادة 243 على سبيل التعويض لهؤلاء من جراء فقدان الكوتا، على ضرورة أن تعمل الدولة على تمثيلهم تمثيلا “ملائما” في أول مجلس نواب يتم انتخابه بعد اقرار الدستور.
ثانيا، أن المشرع فرض قواعد حمائية لتمثيل فئات عدة من خلال نظام القوائم المعتمد منه، فيما لم يعتمد أي كوتا أو قواعد تمييزية بالنسبة الى الدوائر الفردية.

وعليه، من اصل 120 مقعدا مخصصا لنظام القوائم، تم تخصيص 24 منها للمسيحيين و16 لكل من فئتي العمال والفلاحين (فئة واحدة) والشباب و8 مقاعد لكلا من فئتي ذوي الاعاقة والمصريين المقيمين في الخارج. كما خصص المرأة ب56 مقعدا مع الإشارة صراحة الى أن النساء المعينات ضمن كوتا الفئات المذكورة في هذه الفقرة يدخلن لاحتساب المقاعد المخصصة للنساء. وتجدر الاشارة، الى ان المشرع لم يشر الى ترتيب معين لهذه الفئات على القائمة، طالما أنه من شأن نظام القوائم المغلقة المطلقة أن يؤدي الى فوز جميع أعضائها بمعزل عن ترتيبهم. كما نص القانون في المادة 27 على أن تكون نصف المقاعد التي يقوم بتعيينها رئيس الجمهورية للنساء (أى بواقع 13 أو 14 مقعد).

نتيجة لذلك، يكون المشرع قد ضمن مقاعد قليلة جدا لهذه الفئات لا ترقى لنسبتهم في المجتمع، ولا يمكن أن تعتبر”تمثيلا مناسبا” لهم كما نص الدستور. فأن تحوز المرأة على 69 او 70 مقعد (مع اضافة المقاعد التي يعينها رئيس الجمهورية) من أصل 540 أى بنسبة 12.7% او 12.9% لا يرقى أبدا لنسبتها ودورها في المجتمع، ولا نتصور أن المرأة ستكون مرشحة على المقاعد المخصصة للنظام الفردي، واذا كانت مرشحة ستكون المنافسة صعبة جدا نظرا لأن النظام الفردي يعتمد أكثر على انفاق الأموال وتقديم الخدمات وليس على البرنامج السياسي؛ كذلك الأمر بالنسبة للمسيحيين الذي خصص لهم المشرع 4.4% فقط من المقاعد، ويسري الأمر على باقي الفئات المهمشة.

والجدير بالذكر أن جمعية نظرة للدراسات النسوية، بالاضافة الى منظمات وأحزاب أخرى، كانت قد رفضت مشروع القانون بمسودته الأولى قبل اقراره[10]، وطالبت بتطبيق النظام المختلط بحيث يكون 50% نظام فردي و50% نظام قوائم نسبية مغلقة، على أن تطبق المناصفة على المقاعد الفردية لتحصل النساء على 50% منها، وتكون القوائم تراتبية (أى رجل، امرأة، رجل، امرأة..الخ)، وذلك لضمان تمثيل عادل للنساء في البرلمان القادم. وكما أوضحنا لم تتم الاستجابة لهذا الطرح، أو لجزء منه، فجاء القانون ظالما للمرأة المصرية.

المصريين بالخارج
نص القانون، لأول مرة، على تمثيل للمصريين بالخارج على القوائم بواقع 8 مقاعد كما أوضحنا أعلاه. وقد عرف القانون المصري المقيم في الخارج كما يلي: “كل من جعل اقامته العادية خارج جمهورية مصر العربية بصفة دائمة، بأن حصل على اذن بالاقامة الدائمة في دولة أجنبية أو أقام في الخارج مدة لا تقل عن عشر سنوات سابقة على تاريخ فتح باب الترشح. ولا يعتبر مقيما في الخارج في تطبيق أحكام هذا القانون الدارس أو المعار أو المنتدب في الخارج.”

وقد نص القانون في المادة 8 منه أن من يترشح لعضوية مجلس النواب يجب أن يكون متمتعا “بالجنسية المصرية منفردة”، وبذلك منع مزدوجي الجنسية من الترشح؛ وهو ما اعتبره البعض[11] تناقضا مع التعريف الخاص بالمصري المقيم في الخارج اذ ان الذي يقيم في الخارج أكثر من 10 سنوات يحصل على جنسية الدولة التي يقيم فيها، ويكون بذلك مزدوج الجنسية.

بالاضافة الى ذلك، لا تعتبر ال8 مقاعد تمثيلا مناسبا للمصريين في الخارج، كما ان القانون لم ينص على طريقة توزيعها بحيث تضمن تمثيل جميع المصريين المقيمين في الخارج. على سبيل المثال، النص على عدد مقاعد معين لتمثيل المصريين في الخليج، وعدد آخر للمصريين في أمريكا وكندا، ومقاعد أخرى للمصريين في أوروبا، وافريقيا، وآسيا، والدول العربية الأخرى…الخ، وأن تكون عدد المقاعد المخصصة لكل عدة بلدان أو قارة تتناسب مع عدد المصريين المقيمين فيها لضمان تمثيل عادل للمصريين في الخارج.

ارتفاع مبلغ التأمين: منع أصحاب الدخل المحدود من الترشح
“السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ويصون وحدته الوطنية، التي تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين”؛ كذلك نصت المادة 4 من الدستور المصري. وفي مخالفة لمبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه، نصت المادة 10 من قانون مجلس النواب على الزامية ايداع مبلغ ثلاثة آلاف جنيه من قبل المترشح كتأمين من المستندات اللازمة لقبول طلب الترشح.

مبلغ الثلاثة آلاف جنيه ليس مبلغا مبالغا فيه، ولكنه كذلك ليس مبلغا صغيرا وليس في متناول جميع فئات الشعب أن تقوم بدفعه، ويكون بذلك القانون وضع قيودا على ترشح محدودي الدخل والفقراء للمجلس، اذا كانوا غير مدعومين من أحزاب، وحتى الأحزاب الصغيرة التي ترغب في ترشيح أكثر من فرد، سيكون صعبا عليها أن تدعم كل مرشح بمبلغ 3 آلاف جنيه، الى جانب مبالغ الدعاية الانتخابية. فهل يتطلع المشرع الى تمثيل طبقة بعينها دون غيرها في مجلس النواب القادم (وهى الطبقة فوق المتوسطة والغنية التي تستطيع دفع هذا المبلغ)، والاطاحة بمحدودي الدخل والفقراء (والذي يمثلون النسبة الأكبر من الشعب المصري) خارج مجلس النواب؟

ضوابط تعيين رئيس الجمهورية لأعضاء مجلس النواب: التعلم من حقبة مبارك
طبقا لدستور 1971[12] والتعديل الدستوري في مارس [13]2011، كان لرئيس الجمهورية الحق في تعيين 10 أعضاء من مجلس الشعب، وثلث اعضاء مجلس الشورى. وقد تم الغاء مجلس الشورى في الدستور الجديد، كما تم زيادة عدد مقاعد مجلس النواب، وحدد الدستور في مادته ال27 أن رئيس الجمهورية من حقه تعيين 5% من أعضاء مجلس النواب (أى بواقع 27 مقعد)، ولكنه حدد ضوابط لهذا التعيين، وهو ما لم يكن محدد في السابق، في خطوة ايجابية لتقييد صلاحيات رئيس الجمهورية.

أولا، نصت المادة على ضرورة أن يكون نصف هذه المقاعد للنساء (اى بواقع 13 أو 14 مقعد)، كما نصت أن يستخدم الرئيس هذه النسبة “لتمثيل الخبراء، اصحاب الانجازات العلمية والعملية في المجالات المختلفة، والفئات التي يرى تمثيلها في المجلس وفقا لأحكام المادتين 243، 244 من الدستور[14] في ضوء ترشيحات المجالس القومية، والمجلس الأعلى للجامعات، ومراكز البحوث العلمية، والنقابات المهنية والعمالية ومن غيرها”، ويكون القانون بذلك قد قيد اختيار الأشخاص بناء على ترشيحات المجالس المذكورة في المادة، وهو ما يقلل من امكانية الاتكال على الواسطة أو تعيين من هم من ذوي القربة. بالاضافة الى ذلك، قيدت المادة التعيين بضوابط أخرى، فنصت انه يجب”1-أن تتوفر فيمن يعين ذات الشروط اللازمة للترشح لعضوية مجلس النواب”، كذلك، لا يجوز لرئيس الجمهورية تعيين 2-“عددا من الأشخاص من ذوي الانتماء الحزبي الواحد، يؤدي الى تغيير الأكثرية النيابية في المجلس”، 3-“ألا يعين أحد أعضاء الحزب الذي كان ينتمي اليه الرئيس قبل أن يتولى الرئيس مهام منصبه”، 4-“ألا يعين شخص خاض انتخابات المجلس في ذات الفصل التشريعي، وخسرها”.

وبناء على ذلك، لا يجوز للرئيس تعيين أحد الوزراء في المجلس أو المحافظين أو غيرهم من التابعين للسلطة التنفيذية أو القضائية طالما يحتفظون بوظائفهم لأن المادة 11 من القانون تمنعهم من الترشح، وتمنع المادة 45 جمعهم بين المنصبين. كذلك ضمنت المادة، أن يتم احترام ارادة الشعب بعدم تغيير الأكثرية التي اختارها، وعدم تعيين شخص رفضه الشعب عن طريق الانتخابات. كما ضمنت المادة ألا يقوم الرئيس بتغيير الأكثرية النيابية لتكون متفقة أكثر مع قناعته وأجندته السياسية، أو محاباة أحد أعضاء الحزب الذي ينتمي اليه فكريا. ونستشف من ذلك، أن المشرع تفادى الأخطاء والتجاوزات التي كانت تتم أثناء حكم الرئيس الأسبق مبارك حيث كان يجمع الوزراء والمحافظين بعضوية مجلس الشعب ووظائفهم، الى جانب تعيين بعض المقربين من الرئيس وكانت التعيينات تتم من داخل الحزب الوطني الذي كان يترأسه مبارك، مما أخل بالتوازن بين السلطتى التشريعية والتنفيذية.

الدعاية الانتخابية لمرشحي مجلس النواب
لا ينص قانون مجلس النواب على معايير للدعاية الانتخابية، ولكنه يشير الى ضرورة الالتزام بمبادئ الدستور، ويحيلنا الى قانون مباشرة الحقوق السياسية؛ حيث تخضع الدعاية الانتخابية للفصل الرابع منه[15]؛ وسنقوم في هذه الفقرة بمناقشة أهم ما جاء في هذا الباب فيما يخص انتخابات مجلس النواب.

تحديد حد أقصى لتلقي التبرعات من الأحزاب: عن أى حياة حزبية نتحدث في مصر؟
في هذا المجال، انتهج المشرع المصري نفس النهج الذي اتخذه في قانون الانتخابات الرئاسية فيما يخص تمويل المرشحين، مع رفع نسبة مساهمة الأحزاب في تمويل الحملات الانتخابية. ففي حين وضع قانون الانتخابات الرئاسية أن نسبة 2% من الحد الأقصى المقرر للدعاية الانتخابية هي الحد الأقصى للتبرعات العينية والنقدية التي يمكن للمرشح على رئاسة الجمهورية تلقيها من الأشخاص الاعتباريين المصريين (بما فيها الاحزاب المصرية)، حدد قانون مباشرة الحقوق السياسية هذه النسبة  ب5%[16]. والجدير بالذكر ان المادة 25 من القانون حددت الحد الأقصى للدعاية الانتخابية في النظام الفردي ب500 ألف جنيه مصري للمرحلة الأولى، على أن يكون الحد الأقصى 200 الف جنيه مصري لمرحلة الاعادة؛ في حين يتم مضاعفة الحدين السابقيين لكل 15 مرشحا تجمعهم قائمة واحدة (أى بواقع مليون جنيه مصري لكل 15 مرشح في قائمة واحدة في الجولة الأولى، و400 الف جنيه في جولة الاعادة). وتعد هذه المبالغ مرتفعة جدا، وتخدم رؤوس الأموال في مواجهة السياسيين الناشطين بعد الثورة، والأحزاب المنشأة حديثا، وكذلك المرشحين من الطبقة المتوسطة والفقيرة الذين لا يقدرون على انفاق هذه المبالغ.
ورغم ارتفاع نسبة تلقي تبرعات من الاشخاص الاعتبارية بما فيها الأحزاب عن تلك المنصوص عليها في قانون الانتخابات الرئاسية، ولكنها تظل غير مناسبة وغير مفهومة في الوقت نفسه. فمجلس النواب هو مجال تنافس الأحزاب لتحقيق برامجهم الانتخابية. ومن المتعارف عليه، ان المرشحين على مقاعده ينتمون لأحزاب، فكيف لا تقوم هذه الأحزاب بدعمهم للفوز بالانتخابات؟ وبأى وسيلة يستطيع مرشح فردي توفير ما يقارب ال500 الف جنيه للانفاق على الدعاية الانتخابية؟ أو المليون جنيه لمرشحي القوائم؟

وبذلك، يكون القانون داعما لرؤوس الأموال ولأصحاب النفوذ وعلى نحو لا يراعي الطبقات المتوسطة والفقيرة للشعب، وغير ضامن لتمثيل مناسب لهم. ويكون بذلك قد أكمل مثلث “برلمان رؤوس الأموال”، فالنظام الفردي والقوائم المغلقة المطلقة، وتحديد مبلغ مرتفع كحد أقصى للدعاية الانتخابية مع تحديد نسبة محدودة لتلقي التمويل من الأحزاب يصب مباشرة في دعم النظام الأكثري، ودعم رؤوس الأموال وأصحاب النفوذ للوصول للبرلمان؛ لأنهم هم وحدهم من يكون والحالة تلك قادرا على انفاق هذه المبالغ الكبيرة دون تلقي تبرعات أو مع تبرعات محدودة.
ويترتب على ذلك ضربة أخرى للحياة السياسية والتعددية الحزبية في مصر، لأن الصراع بذلك قد تحول من كونه صراعا سياسيا بين احزاب وبرامج انتخابية الى صراع على “من يدفع اكثر” ليحصد الأصوات.

على جانب آخر، حظر القانون في المادة 35 تلقي المساهمات والدعم العيني والنقدي من الأشخاص الاعتبارية المصرية (عدا الأحزاب)، الاشخاص الطبيعية والاعتبارية الأجنبية، الدول، الجهات والمنظمات الدولية، وأى كيان يساهم في رأسماله شخص مصري أو اجنبي طبيعي أو اعتباري أو أى جهة أجنبية أى كان شكلها القانوني.

ولضمان تطبيق هذه الضوابط، نص القانون على انشاء لجنة مراقبة من خبراء مستقلين لكى تقوم بمراقبة المخالفات التي تقع للضوابط التي حددها الدستور والقانون فيما يخص الدعاية الانتخابية. وتقوم برفع تقريرها الى اللجنة العليا للانتخابات التي تستطيع تحويل مرتكبي المخالفة الى النيابة العامة.

استخدام وسائل اعلام الدولة: حق لكل المرشحيين دون ضوابط واضحة
تنص المادة 29 من قانون مباشرة الحقوق السياسية على ان للمرشح الحق في استخدام وسائل الاعلام المملوكة للدولة “في حدود المتاح فعليا من الامكانات” دون تحديد أى امكانات يقصد المشرع: هل هى الامكانات اللوجستية أم الوقت المتاح على التليفزيون والراديو أو المساحة المتاحة في الجريدة وما الى ذلك، مما يتيح الفرصة لتفسيرها لاحقا كما ترى الجهة التنفيذية مما قد يفتح الباب لمعاملة تمييزية. بالاضافة الى ذلك، لم يقم المشرع بتحديد الضوابط والاطر التي تسمح بهذا الاستخدام بل ترك الأمر للجنة العليا للانتخابات بشرط أن تحقق تكافؤ الفرص وعدم التمييز بين المرشحين. وكان من الأحرى أن يقوم المشرع بتحديد بعض الضوابط التي لا يجوز تخطيها أو يجب الالتزام بها لضمان تحقيق تكافؤ الفرص وعدم التمييز.

على الجانب الأخر، وضع القانون معايير وضوابط واضحة للتغطية الاعلامية من جانب وسائل الاعلام المرخص لها بالعمل في مصر(سواء مملوكة للدولة أو خاصة)، وكذلك ضوابط لاستطلاعات الرأى التي تقوم بها[17]. كما قام بالنص على لجنة لمراقبة الأداء الاعلامي والنص على التدابير المتخذة في حالة ثبوت مخالفة[18]، ولكنها تدابير “شكلية” اذ لا ينص القانون على أى غرامة مالية ويكتفي بالزام الوسيلة الاعلامية بنشر نقد لسياستها التحريرية أو منعها من نشر أى تغطية للانتخابات؛ وهو أمر لا يشكل رادعا للوسيلة الإعلامية المعنية.

الخلاصة
كخلاصة، أمكن القول أن المشرع المصري بدا من خلال القانون المذكور منحازا للنظام الأكثري ولرؤوس الأموال دون أن يضمن تمثيلا مناسبا لفئات الشعب المختلفة. ولم يتدارك الأمر بأى صورة في تنظيمه للدعاية الانتخابية في قانون مباشرة الحقوق السياسية، بل زاد الأمر سوءا فرجح كفة رؤوس الأموال وأصحاب النفوذ. وقد بدا من خلال ذلك وكأنه استخدم أحد أهم إصلاحات الثورة (ادخال نظام القوائم النسبي في قانون الانتخابات) بعد تحويره، لارجاع مصر سنوات الى الوراء، الى حقبة مبارك، حيث سيطرة رؤوس الأموال، واستحواذ فصيل واحد على السلطة، والسعى للأكثرية واقصاء الأخرين. وبذلك لن يساهم القانون في بناء حياة حزبية سليمة في مصر، والتي تعد مقوم من المقومات الأساسية لضمان تداول سلمي للسلطة.

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا


[1] راجع المادة 235 من الدستور المصري.
[2] راجع المادة 239 من الدستور المصري.
[3] مادة 1 من القانون.
[4] أصدرت المحكمة الدستورية العليا في 14-6-2014 حكما بعدم دستورية قانون مجلس الشعب مستندة على عدة أسباب منها أحقية الأحزاب بالترشح على المقاعد المخصصة للنظام الفردي الى جانب المستقلين، مع حصر المقاعد المخصصة لنظام القائمة على المنتمين للأحزاب فقط.
[5] مادة 3 من القانون.
[6]راجع الموقع الالكتروني جريدة الشروق بتاريخ 8-6-2014.
[7] راجع الموقع الالكتروني لجريدة الشروق بتاريخ 4-6-2014.
[8] راجع الموقع الالكتروني لجريدة الشروق بتاريخ 2-6-2014.
[9] راجع الموقع الالكتروني لجريدة الشروق بتاريخ 5-6-2014.
[10] راجع” نتيجة لغياب الحوار المجتمعي مع كافة الأطراف المعنية حول قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون مجلس النواب: تمثيل مجحف للنساء في مجلس النواب القادم”، نشر على الموقع الالكتروني لنظرة للدراسات النسوية بتاريخ 25-5-2014.
[11] راجع تصريحات حزب المصريين الأحرار في هذا الشأن.
[12] راجع المواد 87 و197 من دستور 1971.
[13] راجع المواد 32 و35 من الاعلان الدستوري الصادر في مارس 2011.
[14] هم العمال والفلاحين، المسيحيين، الأشخاص ذوي الاعاقة، والمصرين المقيمين في الخارج.
[15] راجع المادة 19 من قانون مجلس النواب.
[16] راجع المادة 26 من قانون مباشرة الحقوق السياسية.
[17] راجع المواد 32 و33 من قانون مباشرة الحقوق السياسية.
[18] راجع المادة 37 من قانون مباشرة الحقوق السياسية.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية