قانون مجلس الشيوخ المصري: تجربة برلمانية جديدة أم عودة لممارسات الماضي؟


2020-07-13    |   

قانون مجلس الشيوخ المصري: تجربة برلمانية جديدة أم عودة لممارسات الماضي؟
الصورة منقولة عن جريدة المال

أصدر رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي[1] في 02-07-2020 قانون تنظيم مجلس الشيوخ الجديد رقم 141 لسنة 2020، والذي جاء إعمالاً للتعديلات الدستورية المستحدثة مؤخراً على أحكام دستور 2014 في 2019[2]. فقد استحدث المُشرع بموجب هذه التعديلات بابا جديدا مكونا من 7 مواد (المواد من 248 إلى 254) تضع القواعد الدستورية لعودة مجلس الشيوخ مرة أخرى إلى الحياة النيابية المصرية. ونذكر هنا أن لجنة الخمسين التي كانت مُكلفة بكتابة أحكام دستور2014 كانت قررت إلغاءه لسببين رئيسين: الأول، التاريخ الطويل لفساد مجلس الشورى منذُ نشأته في عام 1980[3] حيث اعتادت السلطة التنفيذية استغلال نفوذها السياسي لتخصيص عدد كبير من مقاعد المجلس كمجاملات للموالين للنظام[4]. والثاني، أن مناقشات لجنة الخمسين حول بقاء غرفة مجلس الشيوخ تزامنت بوقت قصير مع الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون تنظيم أول انتخابات لمجلس الشورى بعد ثورة يناير2011 وتقرر حل المجلس لبطلان تشكيله وهو ما أثر في أراء أعضاء اللجنة وقتئذ وتقرر برأي الأغلبية الاكتفاء بنظام البرلمان ذي الغرفة الواحدة[5].

ولكن بحسب اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، أظهرت التجربة العملية أهمية وجود غرفة ثانية للسلطة التشريعية بهدف معاونة مجلس النواب على إنجاز العملية التشريعية وسنّ القوانين بطريقة تضمن الشفافية والاستفادة من الخبرات الوطنية وسماع أكبر قدر من الآراء المجتمعية، خاصة وأن الدول التي تعمل بمبدأ ثنائية البرلمان أظهرت نجاحاً عملياً في أداء العملية التشريعية مثل فرنسا، والبرازيل[6]. وهو ما أدى إلى التعديل في عام 2019، كما ذكرنا أعلاه.

وعليه نصّت الأحكام الدستورية المُنظمة لإعادة مجلس الشيوخ ألا يقل عدد أعضاء مجلس الشيوخ عن 180 عضو[7]، وأن يكون انتخاب أعضائه بنسبة ثلثي الأعضاء بالاقتراع العام والثلث الباقي يعينه رئيس الجمهورية على أن تكون مدة العضوية خمس سنوات[8]. هذا فضلاً عن اقتصار دور المجلس على تقديم الاقتراحات والدراسات الكفيلة بتعميق النظام الديمقراطي[9].

وقد أثار هذا التعديل تحفظ بعض الأعضاء الراغبين في منح مجلس الشيوخ المزيد من الاختصاصات التشريعية والرقابية لمعاونة مجلس النواب، وعدم العودة إلى تجربة مجلس الشورى الاستشاري في ظل دستور 1971[10]. ولكن رأت لجنة الشؤون التشريعية أن طبيعة نظام الحكم المختلط يجعل من المناسب أن تقتصر وظيفة الغرفة الثانية على تقديم المشورة في المسائل التي يرى رئيس الجمهورية أو مجلس النواب استطلاع رأيها فيها. واتفق على أن يأخذ رأي المجلس في مقترحات تعديل النصوص الدستورية وإقرار مشاريع القوانين المكملة له، وكذلك في المعاهدات المتعلقة بحقوق السيادة أو الموضوعات ذات الصلة بسياسات الدولة العامة داخلياً وخارجياً أسوة بالاتجاه الغالب في النظم الدستورية التي تأخذ بنظام الازدواج البرلماني[11].

إن تجربة مجلس الشعب خلال السنوات القليلة الماضية تجعلنا ننظر بعين من القلق إلى إعادة مجلس الشيوخ إلى الحياة البرلمانية؛ خاصة وأن النظام الانتخابي قد يؤدي إلى إنتاج مجلس غير متوازن، دون معارضة حقيقية. وهو ما قد يجعل البرلمان بغرفتيه امتدادا لسياسة السلطة التنفيذية دون أي رقابة حقيقية عليها.

بين القوائم المطلقة المغلقة والنظام الفردي:

هل حقق القانون مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين؟

بالنظر إلى نصوص قانون مجلس الشيوخ الجديد، نلاحظ أن المُشرّع حرص على الالتزام بالقيود والضوابط التي حددها التعديل الدستوري في 2019 فيما يخص الأحكام الخاصة بمجلس الشيوخ ومنها الالتزام بالنصاب الدستوري لعدد أعضاء المجلس واختصاصاته، وطريقة انتخاب أعضائه في الانتخابات القادمة. وهو ما يعني أن القانون جاء يتوافق من الناحية الشكلية مع القواعد الدستورية التنظيمية الخاصة بتكوين المجلس الجديد. ولكن التزام المُشرع بهذه القواعد لا يعني بالضرورة أن القانون يتوافق مع الأغراض التي سُن من أجلها.

فمن خلال قراءة نصوص القانون بتمعن، نجد أن هناك بعض الإخفاقات التشريعية أو الإغفال التشريعي في الأمور التي أحال الدستور للمُشرع القانوني أمر تنظيمها بممارسة سلطته التقديرية بعبارة “وفقاً لما ينظمه القانون”.

فعلى سبيل المثال، لم تنص المادة 250 من الدستور على نسبة محددة من إجمالي عدد المقاعد لتمثيل المرأة داخل الغرفة الثانية. وإعمالاً لسلطة المُشرع التقديرية جاء القانون الجديد يعصف بحقوق النساء في تمثيل عادل داخل المجلس المزمع إنشاؤه؛ حيث خصص القانون نسبة 10% فقط من إجمالي عدد المقاعد للنساء[12]، وهي نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بنسبة المقاعد المخصصة للنساء داخل مجلس النواب والتي أصبحت بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة تمثل ربع إجمالي عدد المقاعد[13].

وهنا نتساءل حول إمكانية تحقيق “ترسيخ مبادئ الديمقراطية” دون تمثيل عادل للمرأة، حتى وإن لم ينص الدستور على نسبة محددة لتمثيل المرأة داخل مجلس الشيوخ. فممارسة المشرّع لسلطته التقديرية في تنظيم وتحديد نسب تمثيل النساء داخل البرلمان يجب أن تكون مقيدة بضوابط وأحكام بقية الوثيقة الدستورية ومنها ما نصت عليه المادة 11 من ضمان حق المرأة في تمثيل عادل داخل المجالس النيابية. وهو الأمر الذي لم يتحقق بهذه النسبة الضئيلة التي تعكس نظرة المُشرع التقليدية والرجعية في تقديره لحق ممارسة المرأة لحقوقها السياسية، ومن ثم يحط من مكانتها المجتمعية، ويبشر بمجلس غير متوازن اجتماعياً.

من ناحية أخرى استخدم المُشرع القانوني سلطته التقديرية مرة ثانية في تنظيم وتوزيع نسبة ثلثي مقاعد مجلس الشيوخ المخصصة بموجب المادة 250 من الدستور للاقتراع السري العام[14]. حيث نصّت المادة الأولى من القانون أن يكون عدد إجمالي أعضاء مجلس الشورى الجديد 300 عضو. وقسمت المادة الثانية المقاعد المخصصة للاقتراع العام السري مناصفة بين النظام الفردي ونظام القوائم الحزبية المغلقة المطلقة بواقع 100 نائب لكل نظام مع جواز الترشّح للأحزاب السياسية والمستقلين على كل منهما[15]، وذلك درءاً لشبهة عدم دستورية للقانون في المستقبل كما حدث مع قانون انتخاب مجلس الشورى السابق[16].

ونظام القوائم المغلقة المطلقة يعني أن القائمة الحاصلة على الأكثرية المطلقة من أصوات الناخبين تحصل على كل المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية، وهو النظام الانتخابي المعمول به حالياً بموجب قانون مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014[17]. ويقلّل هذا النظام من فرص مزاحمة وتنافس الأحزاب السياسية الصغيرة أو تحت التأسيس. فعلى سبيل المثال، يضم مجلس النواب بتشكيله الحالي 19 حزبا سياسيا، بالإضافة إلى أكثر من 100 حزب سياسي تحت التأسيس أغلبهم من الشباب.

لن تكون أغلبية هذه الأحزاب قادرة على المنافسة بماراثون انتخابات مجلس الشيوخ القادمة سواء بصفتهم مرشحين على نظام القوائم أو المرشحين بالنظام الفردي، ومن ثم سوف تهيمن الأحزاب السياسية ذات الموارد المالية الكبيرة أو أصحاب الأعمال الراغبون في الحصول على الحصانة البرلمانية على أغلبية مقاعد المجلس.

وقد اعترض ائتلاف 25/30 خلال مناقشات اللجنة التشريعية بالبرلمان على نظام القوائم المغلقة المطلقة الذي اختاره المُشرع المصري مقترحا اعتماد نظام القائمة النسبية بدلا عنها، بحيث تحصل كل قائمة حزبية على عدد من المقاعد مناسب لنسبة الأصوات التي جمعتها بما يسمح للأحزاب السياسية الصغيرة المشاركة في العملية الانتخابية والحصول على مقاعد داخل المجلس، ويمنع من سيطرة الحزب الواحد على قوائم انتخابات مجلس الشيوخ ولكن لم يؤخذ بهذا الرأي.

أما فيما يتعلق بالنظام الفرديّ، فلم يفرض القانون الجديد أي قواعد لتخصيص جزء من إجمالي عدد المقاعد المخصصة للنظام الفردي لأصحاب الخبرات أو الكفاءات في المجالات المتعددة إعمالاً للهدف الذي أنشئ المجلس من أجله.

لذا، نرى أن النظام الانتخابي الذي وافق عليه المٌشرع القانوني وإن جاء متسقا في ظاهره مع أحكام الدستور، بتوزيع عدد المقاعد بين النظامين بالتساوي، إلا أنه في باطنه يؤدي إلى هيمنة بعض الفئات الموالية للنظام السياسي الحالي على المجالس النيابية، وبالتطبيق العملي سوف يهدر مبدأي التمثيل العادل بالمجالس النيابية وتكافؤ الفرص بين المرشحين في إطار قواعد عادلة ومنصفة تسمح بالتعددية الحزبية وممارسة الحق الدستوري بالانتخاب والترشح[18].

على جانب آخر، في خطوة إيجابية لضمان أن يكون تشكيل مجلس الشيوخ بالشكل الذي يتناسب مع دوافع تكوينه كمجلس استشاري يضم خبراء من كافة المجالات. أضاف المُشرع لأول مرة شرط الحصول على مؤهل جامعي للترشح لعضوية المجلس، وهو شرط مستحدث لم يكن موجوداً قبل ذلك حيث كان يشترط سابقاً لقبول المترشح أن يجيد القراءة والكتابة فقط[19].

ضوابط تعيين رئيس الجمهورية أعضاء المجلس: ضوابط كافية لردع ممارسات الماضي؟

لطالما كان لرئيس الجمهورية الحق في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشورى سواء بموجب دستور 1971 أو بالتعديلات والإعلانات الدستورية اللاحقة لثورة يناير أو دستور 2014 المعمول به حالياً؛ فهذا الحق يتمتع به رئيس الجمهورية منذُ نشأة المجلس، ولكن لم يجرؤ من قبل المُشرع على وضع ضوابط لهذا التعيين. وبسيطرة رئيس الجمهورية على مجريات العملية السياسية داخل النظام المصري، فإنه اعتاد تخصيص هذه النسبة من المقاعد لتعيين صفوة المواليين والمقربين لنظام الحكم وكبار أصحاب الأعمال. وفى خطوة تبدو إيجابية لتقييد سلطات رئيس الجمهورية، نصّت المادة 28 من القانون الجديد على بعض الضوابط الواجب على رئيس الجمهورية اتباعها في قرار تعيين نسبة ثلث أعضاء المجلس مثل: حظر تعيين عدد من الأشخاص المنتمين للحزب الواحد بما يؤثر على الأكثرية النيابة داخل المجلس، وعدم تعيين أحد أعضاء الحزب السياسي الذي كان ينتمي إليه الرئيس سابقاُ. هذا بالإضافة إلى الشروط العامة الواجب توافرها بأي عضو مرشح كالسن والمؤهل وتأدية الخدمة العسكرية. وبالرغم من إيجابية هذا النص المستحدث، إلا أنه كان على المُشرع وضع المزيد من القيود الموضوعية في طريقة اختيار الأعضاء المعينين بأن يحدد بعض التخصصات المطلوب تمثيلها بشكل ضروري، على سبيل المثال، أن يتضمن المعينون خبراء قانونيين ودستوريين. فإطلاق الحق لرئيس الجمهورية بالتعيين في إطار شروط شكلية لا يمكن اعتبارها خطوة رادعة لإنهاء ممارسات النظام السابق الذي كان يستغل نفوذه السياسي ويخصص هذه المقاعد كمجاملات للموالين لنظامه السياسي وسياسات الحزب الوطني مما أفقد المجلس قيمته كغرفة تشريعية ثانية آنذاك.

خاتمة

قد تكون عودة نظام السلطة التشريعية ذات الغرفتين خطوة مهمة نحو تطوير أداء السلطة التشريعية بأكملها، ولكن من الملاحظ أن المُشرع المصري تبنى فلسفة تشريعية لا تتناسب مع الواقع السياسي والاجتماعي الذي نعيشه وغير قادرة على تحقيق الأهداف التي جاء مجلس الشيوخ لتحقيقها، مما قد ينذر بعودة ممارسات الماضي. فالقانون جاء ليخدم في المقام الأول الأحزاب السياسية الكبيرة وأصحاب رؤوس الأموال على حساب الأحزاب السياسية الصغيرة التي لن يكون لها نسبة تمثيل حقيقية، وأغفل أي تمثيل حقيقي للمرأة. وبذلك يكون هذا القانون قد انحرف عن مقاصده في تطوير سياسات الدولة وأعمال السلطة التشريعية.


[1] محمد نابليون، السيسي يصدر قانون مجلس الشيوخ (نص كامل)، جريدة الشروق، 02-07-2020.

[2] للمزيد من المعلومات حول التعديلات الدستورية، راجع: عادل رمضان، تعديل الدستور المصري: من قواعد عامة مجردة إلى قواعد خاصة ذات أهواء، المفكرة القانونية، 17-04-2019، ومحمد عواد، مقترح تعديل الدستور المصري: العصف باستقلال السلطة القضائية، المفكرة القانونية، 28-02-2019.

[3] بموجب التعديلات الدستورية التي أدخلت على دستور 1971

[4] محمد شعبان، قرار إلغاء مجلس الشورى المصري يثير انقسامات، موقع العربية الاخباري، 08-11-2013.

[5] راجع حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 03-06-2013 في الطعن رقم 112 لسنة 34 قضائية دستورية والمُقضي بعدم دستورية بعض أحكام قانون انتخابات مجلس الشورى وفقاً للتعديلات التي طرأت عليه، وبطلان تشكيله. 

[6] راجع تقرير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية عن التعديلات الدستورية لدستور 2014 لسنة 2019. النسخة الإلكترونية متاحة على موقع اليوم السابع بتاريخ 16-04-2019.

[7] راجع نص المادة 250 من دستور 2014 المُعدل لسنة 2019

[8] راجع المرجع السابق

[9] راجع نص المادة 248 من دستور 2014 المُعدل لسنة 2019

[10] راجع تقرير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية عن التعديلات الدستورية لدستور 2014 لسنة 2019. النسخة الإلكترونية متاحة على موقع اليوم السابع بتاريخ 16-04-2019.

[11] راجع المرجع السابق

[12] راجع نص المادة الأولى من قانون مجلس الشيوخ رقم 141 لسنة 2020.

[13] راجع نص المادة 102 من دستور2014 المُعدل لسنة 2019.

[14] راجع نص المادة 250 من دستور 2014 المُعدل لسنة 2019.

[15] راجع نصوص المواد من 1 إلى 3 من قانون مجلس الشيوخ رقم 141 لسنة 2020

[16] راجع حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 03-06-2013 في الطعن رقم 112 لسنة 34 قضائية دستورية والمُقضي بعدم دستورية بعض أحكام قانون انتخابات مجلس الشورى وفقاً للتعديلات التي طرأت عليه، وبطلان تشكيله.

[17] راجع نص المادة 3 من القانون رقم 46 لينة 2014 بشأن قانون مجلس النواب

[18] راجع نص المادة 87 من أحكام دستور 2014 والتي تكفل حق الانتخاب والترشح لكل مواطن، وايضاً المادة 11 من الوثيقة ذاتها والتي تكفل مبدأ المساواة في ممارسة الحقوق السياسية وكفالة التمثيل العادل. واخيراً نص المادة 5 من الدستور والتي تكفل التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة.

[19] راجع نص المادة 9 من قانون رقم 141 لسنة 2020 بشأن مجلس الشيوخ الجديد

انشر المقال

متوفر خلال:

البرلمان ، المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، دستور وانتخابات ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *