قانون لحماية المناطق المتضررة بنتيجة إنفجار المرفأ يمرّ من خارج جدول الأعمال: التفرغ عن ملكية العقارات في المنطقة المتضرّرة وقف على إذن إداري مسبق

قانون لحماية المناطق المتضررة بنتيجة إنفجار المرفأ يمرّ من خارج جدول الأعمال:   التفرغ عن ملكية العقارات في المنطقة المتضرّرة وقف على إذن إداري مسبق

عقد مجلس النواب جلسة تشريعية في 30 أيلول 2020 وكان على جدول أعمالها 40 بنداً أبرزها اقتراح قانون العفو العام، والذي أفضى عدم التوصّل إلى توافق بشأنه إلى إجهاض نصاب الجلسة وإرجائها للمرة القادمة، تماما كما حصل في جلسة 28 أيار. 2020 وقد صادق المجلس خلال جلسة أمس على قانون “حماية المناطق المتضررة بنتيجة الإنفجار في مرفأ بيروت ودعم إعادة إعمارها”، وهو بند أدرج من خارج جدول الأعمال إلى جانب اقتراحين آخرين وهما “الدولار الطلابي” الذي صدّق أيضاً واقتراح لدعم المدارس الخاصة والرسمية والذي لم يتم إقراره. وكان قد تقدّم باقتراح القانون كل من النوّاب جورج عقيص وعماد واكيم وفادي سعد (كلّهم من كتلة “الجمهورية القوية”) في 24/8/2020 أي بعد 3 أسابيع على كارثة انفجار مرفأ بيروت.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الاقتراح كان قد أُقرّ معدّلاً (مع الإقتراحين الآخرين) في اللجان النيابية المشتركة في 29/9/2020، أي قبل يوم واحد من انعقاد الجلسة، ولم يوزّع على النواب إلا مع بدء الجلسة التشريعية مع العلم أن النظام الداخلي لمجلس النواب يفرض تبليغ النواب نسخة عن الاقتراحات والمشاريع قبل 24 ساعة على الأقل من الجلسة. وعليه، لم نتمكن من التعليق عليه أو مناقشته في إطار أعمال المرصد البرلماني-لبنان في “المفكّرة القانونية”.

وبالطبع، إن كانت مفهومة بعض توجّهات المبادرين إلى وضع القانون بالنظر إلى ضرورة حماية أصحاب العقارات المتضرّرة من استغلال حاجاتهم تبعا للإنفجار وحماية الإرث التراثي لمدينة بيروت، إلا أنه تم صياغته بشكل متسرّع ومن دون أي نقاش مجتمعي فاحتوى تاليا العديد من الثغرات.

ضعف التشاركية في وضع التشريع

نسارع إلى القول أنه من غير المفهوم التسرّع بوضع وتمرير قانون بهذه الأهمية والخطورة، دون أن يتسنَّى لا لأصحاب الإختصاص (من قانونيين وخبراء في التنظيم المدني وإعادة الإعمار) ولا للمجتمع أو النوّاب حتى الإطلاع عليه.

أبعد من ذلك، يبدو عدم إشراك أصحاب الحقوق من متضرّرين (وهم بدأوا بجهود لتنظيم صفوفهم) أو أقلّه ممثّلين عنهم وعن المجتمع الأهلي الذي أخذ على عاتقه بشكل رئيسي عملية إعادة الإعمار، عاملاً قد يضعف الثقة في المسار الذي أطلقه القانون، وفعاليته.

 

إنشاء لجنة لمسح الأضرار

أهم ما جاء في الإقتراح في نسخته الأساسية تشكيل لجنة تضم ممثلين عن عدّة وزارات (الدفاع الوطني، الداخلية، الأشغال العامة – المديرية العامة للتنظيم المدني، المالية – المديرية العامة للشؤون العقارية، الثقافة) وقيادة الجيش، وبلدية بيروت، ونقابتي المهندسين والمقاولين، والهيئة العليا للإغاثة. تكون مهمة اللجنة، وفي مهلة شهر من تشكيلها، مسح كل الاضرار الناجمة عن إنفجار 4 آب وتوثيقها، على أن تتخذ اللجنة إجراءات مختلفة يحدّدها القانون من معاينة وتلقي الطلبات والوثائق المتعلقة بالأضرار وتخمين كلفة إعادة الإعمار وتقدير التعويض المناسب لكل عقار. وترفع اللجنة تقريراً بنتائج هذا المسح إلى رئاسة مجلس الوزراء. ومن اللافت إقصاء أي جهة قد تمثّل أصحاب الحقوق والمتضررين من عضوية هذه اللجنة، مما كان ليعزّز الشفافية والتشاركية الضروريتين تحديداً بعد انهيار ثقة المجتمع بالمسارات الرسمية مع انتفاضة 17 تشرين والمطالبات بتغيير جذري للمنظومة الحاكمة.

اعتبار منطقة الإنفجار “قيد الدراسة” وقيود على الحق بالتصرف بالعقارات المتضررة، ولكن لأي منفعة عامة؟

يضع القانون قيوداً على الحق بملكية الأبنية المتضرّرة من جهة، والأثرية من جهة أخرى. ونسارع إلى القول أنه يقتضي درس كيفية توافق هذه الآليات والصلاحيات المنشأة مع الأخرى المنظمة في قوانين أخرى مرتبطة بالتصدي للكوارث، خصوصاً مع تداخل نظامي التعبئة العامة والطوارئ القائمين في مدينة بيروت اليوم.

  • بالنسبة للأبنية المتضرّرة:

الأخطر على الإطلاق هو منح المديرية العامة للتنظيم المدني (بواسطة المديرية العامة للشؤون العقارية) صلاحية وضع إشارة إحترازية على جميع الصحائف العينية للعقارات الواقعة في المناطق المتضررة تفيد عن دراسة الأضرار ضمن العقار، وذلك لمدة سنة قابلة للتجديد مرة واحدة. ويخضع تجديد المهلة لآليات المادة 9 من قانون التنظيم المدني (أي آليات وضع منطقة تحت الدرس لوضع التصاميم والأنظمة التوجيهية لها). بمعنى آخر، توضع المنطقة المتضرّرة من الإنفجار “تحت الدرس”.

خلال مدة وضع الإشارة تجمّد كافة عمليات البيع والتفرّغ والأعمال القانونية التي ترتّب حقوقاً عينية ناقلة للملكية. كما تسري عليها القيود المحددة في المادة 9 من قانون التنظيم المدني (أي منع منح رخص بناء أو إجازة إفراز أو ضم وفرز، أو قطع الأحراج والغابات وتغيير الأوضاع الطبيعية للمنطقة). ويقطع القانون الطريق أمام أصحاب العقارات للمطالبة بالعطل والضرر الناجم عن وضع هذه الإشارة عليها.

كما يعتبر القانون “جميع وكالات البيع أو الوعد بالبيع أو عقود البيع الممسوحة بين تاريخ 5/8/2020 وتاريخ نفاذ القانون (المتناولة أي عقار ضمن المنطقة قيد الدرس) بحكم الملغاة”، وتوضع إشارة بذلك على الصحيفة العينية للعقار. ويبقي القانون عقود الإيجارات في الأبنية المتضررة والخاضعة لقانون الإيجارات 2/2017 قائمة ومنتجة لمفاعيلها حتى لو هلك المأجور، ويحفظ حقوقهم بهذه العقود، على أن تتمّ – بحسب القانون – تسوية أوضاعهم بموجب قانون خاص، أو قانون تعديلي للقانون 2/2017.

ويربط القانون هذه القيود ب”المنفعة العامة المتمثّلة بمسح الأضرار والتعويض عنها”. ومن المستغرب جداً تعريف المنفعة العامة في المسألة الراهنة كذلك، حيث أن “مسح الأضرار والتعويض عنها” لا يمكن أن يبرّر وحده تقييد الحق بالملكية الدستوري، والذي يجب أن ترتبط القيود عليه بمبدأي الضرورة والتناسب. وكان بالحري ربط المنفعة العامة بما لوّحت إليه الأسباب الموجبة وهو هدفي حماية “معالم بيروت التراثية وهويتها التاريخية” وحماية المواطنين من أي غبن وإستغلال الأزمة الإقتصادية وحاجة أصحاب الأبنية المتضرّرة للسيولة لحملهم على بيع أملاكهم بأسعار بخسة.

والخطير أنه، وخلال فترة التجميد، لا يمكن لصاحب العقار المتضرّر التحرّر من هذه القيود الموضوعة على حقه بالملكية إلا من خلال إذن يستحصل عليه من اللجنة المزمع إنشاؤها وذلك للتصرّف بعقاره. وينيط القانون باللجنة مهمة التأكد من عدم وجود حالة غبن أو سوء نية أو تحايل على القانون لا سيما من خلال الاستماع إلى من تراه مناسباً. ولكن لا يضع القانون أية معايير أو شروط يقتضي اتباعها لمنح الإذن، أو موجباً لتعليل قرارها. بالمقابل، يمكن للجنة رفض الطلب بقرار معلّل يقبل الطعن أمام القضاء الإداري. وعليه، تمّ ربط التحرّر من القيود على الحق بالملكية بقرار إداري ومنح اللجنة هذه السلطات الواسعة والاستثنائية دون أي معايير تضمن استقلالها أو ضوابط أو إشراك المتضررين في اتخاذ القرار ولا حتى وضع معايير لإعطاء الموافقة أو حجبها. وكلها عوامل تحمل على الخشية الموضوعية – خصوصاً في ظل المحاصصة التي ترافق تشكيل جميع اللجان والهيئات الرسمية في لبنان – من إمكانية تغليب اعتبارات أخرى لتجميد التصرف بالعقارات المتضررة في بيروت، منها الطائفية، والتي نشهدها في بعض المناطق اللبنانية بنيّة الحفاظ على “الهوية الطائفية” لبعض المناطق الجغرافية ولكن أيضا (وهذا أمر لا يقل خطورة) خدمة مصالح بعض المتعهدين الكبار وتمكينهم دون سواهم من شراء عقارات في هذه المناطق بما قد يمهد لمشاريع عقارية كبرى. واللافت في هذا الإطار حرص القانون – بالنظر إلى الكتلة النيابية التي قدّمته – على أن يشمل مناطق محدّدة من بيروت واعتبار صراحة أن “مناطق الأشرفية والصيفي والمدوّر والرميل واقعة حكماً تحت الدراسة” (وهي مناطق من لون طائفي واحد في المجمل)، وخاضعة بالتالي للإشارة الإحترازية الموضوعة. والأخطر هو أن العديد من أحياء هذه المناطق ليست أصلا متضررة.

  • بالنسبة للأبنية الأثرية:

نسارع إلى القول أنه من غير الواضح ما إذا كانت البنود المرتبطة بهذه الأبنية تضاف إلى تلك التي تنظّم وضع الأبنية في منطقة الإنفجار “قيد الدرس”، أم إن كانت تضع نظاماً موازياً لها.

هنا، يمنح القانون الصلاحية لوزارة الثقافة لوضع خطة لإعادة الإعمار و/أو الترميم، كما تمنع إعادة البناء في هذه المجال دون إذن من هذه الوزارة “تراعى فيه المواصفات نفسها والشكل الخارجي نفسه” للبناء المهدم أو المتضرّر.

ولكن اللافت هو اكتفاء القانون بالتأكيد على أنه وبالنسبة للأبنية الموضوعة على لائحة جرد الأبنية الأثرية، “يمنع منعاً باتاً ترتيب أي حق عيني من أي نوع كان (عليها) إلا بعد مراجعة وزارة الثقافة”.

ومن غير المعروف إن كانت ستفسّر هذه “المراجعة” كامكانية الاكتفاء بإعلام الوزارة، أو إن كان ضرورياً الاستحصال على موافقتها. ولا يتضمّن القانون أي معيار أو قيد على قرار الوزارة. وتعتبر إذاً آلية حماية الأبنية الأثرية وإعادة إعمارها التي يضعها القانون – خصوصاً إن كانت موازية لنظام حماية منطقة الإنفجار – جد هشة.

ونشير أخيراً إلى أنه وبعد انقضاء مهلة التجميد وسقوط الإشارات، تعود وتتحرّر حقوق الملكية وسائر الحقوق العينية، على أن تراعى لدى كتاب العدل وأمانة السجل العقاري عند إبرام العقود بشأنها “موجبات عناية إضافية” للتأكد من انتفاء أي غبن أو استغلال وتحايل على القانون، لا يحدّد القانون ماهيتها ولا يعطي أي إيضاح بشأنها كما لا يرتب اي نتائج عليها.

 

إعفاءات من بعض الضرائب والرسوم

يعفي القانون جميع أعمال الترميم وإعادة الإعمار من الضريبة على القيمة المضافة، والعقارات والأبنية المتضررة من الرسوم البلدية ومن الرسوم المالية والغرامات من أي نوع، طوال المدة اللازمة لإعادة الترميم، وهذه نقطة جدّ إيجابية.

على صعيد الحق بالتعويض

على صعيد الحق بالتعويض، ينصّ القانون على موجب مجلس الوزراء التعويض على كل صاحب حق بواسطة اللجنة المزمع إنشاءها خلال مهلة شهرين من تاريخ مصادقته (أي مجلس الوزراء) على قوائم الأضرار والتعويضات. ولكن لا يضع القانون أية مهلة ملزمة يتعين على مجلس الوزراء المصادقة خلالها على هذه القوائم، مما يخشى معه أن تطول الفترة حتى يتم التعويض على المتضررين.

ويوضح القانون أن تمويل هذه التعويضات يكون من الهبات والمساعدات الدولية ومن اعتماد 1500 مليار ل.ل. يتم صرفه من قبل اللجنة وفق “الأولوية للفئات الأكثر فقراً بين مستحقي التعويض”، بحسب ما يكون قد رشح عن عملها التوثيقي. ويكون القانون قد تجاهل تماماً مطالبات المتضررين كما الرأي العام اللبناني وشروط الجهات المانحة بوضع آليات تضمن تمثيل أصحاب الحقوق في عملية تقدير ومسح الأضرار وتقرير التصرّف بالأموال المتوفّرة للتعويض، منعاً لتحويلها مزراباً إضافياً من مزاريب الفساد. كما يُطرح السؤال عما ستؤول إليه عملية مسح الأضرار حتى التشكيل الفعلي للّجنة وبدء عملها، إذ أن المجتمع اللبناني الأهلي قد بدأ بالفعل وبسرعة قياسية عملية مسح الأضرار والترميم في بعض أحياء العاصمة، بدعم أكيد من المجتمعين الرسمي والمدني الدوليين.

ويكتفي القانون بالايعاز إلى مجلس الوزراء وضع خطة تنفيذية لتلقي المساعدات الدولية والتنسيق مع الجهات الداخلية “الرسمية أو شبه الرسمية أو الخاصة” لكيفية إفادة المتضررين من الهبات التي تلقّتها أو ستتلقاها. ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه المادة ستفرض على هذه الجهات غير الحكومية التي تتلقى المساعدات التعاون الإلزامي مع اللجنة المزمع إنشاءها، أم لا.

انشر المقال

متوفر خلال:

البرلمان ، المرصد البرلماني ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، تشريعات وقوانين ، سياسات عامة ، لبنان ، مجزرة المرفأ



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *