قانون عفو عام بطعم الرشوة والعفو والذاتي: انهيار النظام القانوني

قانون عفو عام بطعم الرشوة والعفو والذاتي: انهيار النظام القانوني

من أبرز البنود الموضوعة على جدول أعمال الجلسة النيابية المزمع عقدها في 12 تشرين الثاني المقبل، هو اقتراح لمنح العفو لمجموعة من الجرائم. وفيما ورد هذا الاقتراح في برامج عدد من القوى السياسية قبل الانتخابات النيابية والبرنامج الحكومي للحكومة المنبثقة عن هذه الانتخابات وأيضا في الورقة الإصلاحية، فإنه من اللافت أن السلطة السياسية (في الحكومة كما في البرلمان) استعجلت وضع صياغته النهائية بعد قيام الانتفاضة. وفيما فشلت الحكومة عن لإقرار صيغته النهائية قبل إقراره، فإن النائبين ميشال موسى وياسين جابر (وكلاهما من كتلة التنمية والتغيير التي يرأسها رئيس المجلس النيابي نبيه بري) سارعا إلى تسجيل اقتراح قانون معجل مكرر في هذا الخصوص، بعدما استعادا الصيغة الأخيرة لمشروع الحكومة بعد إدخال عدد من التنقيحات الأساسية عليه، وخصوصا لجهة توسيع دائرة الجرائم والجهات المستفيدة من العفو، وفي مقدمتها الإسلاميين وتجار ومروجي ومزارعي المخدرات. ومن المعلوم أن هاتين الفئتين تعدان تباعا من جمهور تيار المستقبل في طرابلس وصيدا خاصة والثنائي الشيعي في البقاع، كما ثمة جماهير مستفيدة لأحزاب أخرى. بالمقابل، فإن مسألة العفو عن عملاء إسرائيل (وهي مسألة كانت من المطالب الرئيسية للتيار الوطني الحر) فبقيت خارج هذا القانون، علما أن وزارة العدل كانت عملت على مشروع مرسوم تطبيقا لقانون سابق يسمح لعائلات هؤلاء بالعودة إلى لبنان وفق شروط مرسوم تنفيذي لم يصدر حتى هذا التاريخ.

ويستدعي هذا القانون الملاحظات الآتية:

 

الأولوية للعفو العام وليس للمحاسبة؟

إن مجرد استهلال تطبيق الورقة الإصلاحية بدرس هذا المشروع وفي ظل تفاقم الأزمة الحالية، إنما يعكس ماهية توجهات القوى السياسية الحاكمة ومدى استهتارها في إدارة الشأن العام. فالأولوية اليوم ليست لمراجعة ما أمكن فعله على صعيد السياسات النقدية والمالية والاقتصادية والسياسية ولا حتى لمناقشة قانون تعديل الإثراء غير المشروع أو رفع السرية المصرفية أو استرداد الأموال المنهوبة، بل لاستعادة المكانة السياسية من خلال إعادة بناء علاقات الزبونية، كلا مع جمهوره. من هذه الزاوية، يشكل هذا الاقتراح وقودا جديدا للثورة ضد السلطة.

 

المبدأ هو العفو؟ قانون بخفايا كثيرة

من المسائل الخطيرة جدا في هذا الاقتراح هو اعتبار أن العفو هو المبدأ، بحيث تكون جميع الجرائم مشمولة به إلا ما استثني منها بنص صريح بموجبه.

وهذا الأمر يؤدي عمليا إلى توسيع العفو ليشمل جرائم لم يفكر أو لم يتثبت المشرع من وجود مبررات وجيهة لإعفائها. ومن أبرز هذه الجرائم، جرائم التهرب الضريبي المنصوص عليها في عدد من القوانين الضريبية، والجرائم البيئية المشمولة في قوانين حماية البيئة والمياه والهواء ومعالجة النفايات والصيد والمحميات الطبيعية (وغالبية هذه الجرائم ترتبط بشكل وثيق بجرائم الفساد ومنها جرائم تلويث الأنهار والمياه الجوفية واستثمار كسارات ومقالع بصورة غير قانونية على امتداد الجبل اللبناني…الخ) والجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والمخلة بسير السلطة القضائية أو تلك التي تمس بالواجبات العائلية ومن أبرزها حق النفقة وجرائم الخطف والاحتجاز القسري والتهديد والجنايات التي تشكل خطرا شاملا كالحرائق (ومنها الإهمال في جعل آليات إطفاء الحرائق غير صالحة) وجرائم التهويل والاحتيال والمضاربات غير المشروعة والإفلاس الاحتيالي والغش المرتكب إضرارا بالدائنين من خلال تهريب الأموال وجرائم التعذيب مثلا والجرائم المشمولة في قانون ديوان المحاسبة (وجلّها قضايا فساد) وقانون حماية الحيوان. كما ينتظر أن يؤدي هذا الاقتراح في حال إقراره إلى فتح بازار من الجدل القانوني أمام المحاكم حول ما يشمله أو لا يشمله العفو، وبخاصة على ضوء طابعه الشمولي والمفاهيم غير الدقيقة والحمالة للمعاني الواردة فيه، ومنها مفهوم جرائم التعدي على الأموال والأملاك العمومية، والذي لا نجد اي تعريف واضح ودقيق له.

كما سيسمح هذا الطابع (الشمولي) لغالبية النواب خلال المناقشات توسيع إطار العفو من خلال شطب أي سطر أو استثناء، وتاليا إلى توسيع حالات العفو الذاتي أو العفو الزبائني. وخير دليل على ذلك هو توسيع دائرة جرائم الإتجار بالمخدرات بعد تعديل الصياغة الحكومية. وهذا ما ينقلنا إلى الملاحظة التالية.

 

عفو 1991 الذاتي والأبيض إلى الأذهان مجددا

أن أي عفو عام يعيد إلى الأذهان العفو العام سيئ الذكر والذي صدر في 1991 والذي منح لجميع الجرائم السياسية مع بعض الاستثناءات، عفوا ذاتيا أبيض، أي من دون إلزامهم بأي قيد أو شرط للمستقبل، ولا حتى لجهة ترميم حقوق الضحايا الذين تعيّن عليهم آنذاك أن يرضخوا للأمر الواقع. وفيما يستشف من خطاب الأوساط الحكومية أن العفو العام سيستهدف بشكل خاص فئات اجتماعية تعتبرها أحزاب السلطة جزءا من "جماهيرها" كالناشطين الإسلاميين في طرابلس أو العاملين في سوق المخدرات في البقاع وبعلبك والهرمل، يبقى أن أي طرح لعفو عام يستدعي الكثير من التنبه. ففيما تستثني حاليا مسودة المقترح جرائم التعدي على المال العام والجرائم المخلة بواجبات الوظيفة والإثراء غير المشروع، فإنها تعفي بالمقابل عددا كبيرا من الجرائم التي يفترض ارتكابها من القوى النافذة والمقتدرة ماليا، ومن أبرزها الجرائم البيئية وجرائم التهويل والتهرب الضريبي وإهمال الإخبار أو ملاحقة جرائم والجرائم المشمولة في قانون ديوان المحاسبة وإطلاق النار واقتناء الأسلحة وتصنيعها وحيازتها والجرائم المشمولة في قانون القضاء العسكري. كما تجدر الإشارة إلى أن الاقتراح يشمل جميع الجرائم المرتكبة قبل 30/10/2019 وتاليا الجرائم المرتكبة من المجموعات التي اجتاحت وسط المدينة تاركة إصابات عدة بين صفوف المعتصمين في 29/10/2019.

هذا عدا عن المخاوف المشار إليها أعلاه لجهة امكانية توسيع دائرة العفو في أي لحظة خلال المناقشات. وما يعزز مخاوفنا هو آليات النقاش والتصويت والصياغة النهائية المعتمدة في المجلس النيابي والتي تمنح رئيس المجلس سلطة واسعة في إعلان الاتفاق على أمر معين أو حتى تعديل صيغته. وأكثر ما نخشاه أن يكون ثمة قوى تتهيأ لمواجهة الفترة الانتقالية التي قد تنجم عن الثورة الحاصلة، من خلال إعفاء ذواتهم، منعا لأي عدالة مستقبلية. مهما يكن، فإن مجرد التلويح بالعفو العام في موازاة الحديث عن المحاسبة، إنما هو من قبيل الحديث عن الأسود والأبيض، وفي الآن نفسه حزاما ناسفا للادعاءات الإصلاحية برمتها.

 

العفو العام، محاولة جديدة لشراء الذمم؟

أن مجرد إثارة العفو في هذه الظروف بالذات ووضعه على نار حامية، تماما كما حصل قبيل الانتخابات النيابية، يؤكد بحد ذاته أن الهدف منه ليس تصحيح أوضاع اجتماعية معينة، إنما تحقيق مكاسب سياسية، قوامها استرضاء الفئات الاجتماعية التي تعتبرها القوى السياسية جمهورا لها، وتخفيف حمأتها. فكما تم التلويح بالعفو من باب الرشوة الانتخابية، ها هو يلوح به من باب تهدئة الحراك الشعبي الحاصل في المناطق قاطبة. ومن هذه الزاوية، تبدو السلطة الحاكمة وكأنها تستمر في ممارستها الاعتيادية التي تقوم على شراء الذمم والزبائن، من خلال التخلّي عن الدفاع عن مصالح الدولة والحق العام. وهذا ما نتبينه في مجالات عدة، حيث تعوّض الدولة عن عجزها عن تأمين فرص عمل أو مجالات تنمية للمواطنين من خلال تمكينهم من مخالفة القانون على حساب الصالح العام وبشكل خاص البيئة. وهذا ما نتبينه في قطاعات واسعة أبرزها قطاعات المقالع والمرامل ولكن أيضا الصناعات غير المرخصة أو غير الخاضعة لأي رقابة جدية، فضلا عن شبكات الإتجار بالمخدرات. من هذه الزاوية، تأمل القوى الحاكمة أن تهدئ غضب شرائح من جماهيرها وخاصة في الهرمل-بعلبك وطرابلس، وأن تضعف تاليا أي توجه لمساءلتها. واللافت أن القوى الحاكمة قد استطاعت تحت ضغط الشارع هنا أيضا تجاوز تناقضاتها وثنائياتها وخصوصا بين (العمالة/ المقاومة) و(الإرهاب ومكافحة الإرهاب).

وتجدر الإشارة هنا إلى مسألتين:

  • الاهتمام الفائق بجرائم المخدرات من خلال تضمين الاقتراح فقرتين تحدثا عنه لتكرر أحيانا نفس المعنى بل أحيانا معاني متناقضة، علما أن الاقتراح وسع في هذا الخصوص الصيغة التي كانت أعدتها الحكومة ونشرتها "المفكرة" بتاريخ 21 تشرين الأول، إرضاء لفئات واسعة وبخاصة في البقاع وبعلبك- الهرمل. فالفقرة أولا (4) تحدثت عن جرائم التعاطي أو تسهيل تعاطي المخدرات أو تسهيل الحصول عليها أو ترويجها من دون أي نية ربحية أو أيضا زراعة النباتات الممنوعة. أما الفقرة أولا (6) فتأتي لتكرر العفو على هذه الجرائم من خلال الإحالة إلى المواد القانونية التي تعاقبها، مع إضافة عدد كبير من الجرائم الأخرى تشمل بالنتيجة القسم الأكبر والأخطر من جرائم إنتاج المخدرات والإتجار بها والترويج لها.
  • بخصوص الإسلاميين، وفيما يبدو أن الاقتراح يستثني منه جرائم قتل العسكريين والمدنيين إلا في حال حصولها في إطار التشاجر (وهذا يفتح بابا للاجتهاد والتحايل)، فإنه يمنحهم تخفيضات في العقوبة بحيث تستبدل عقوبة الإعدام بجريمة السجن لمدة 25 سنة وتستبدل عقوبة السجن المؤبد بعقوبة عشرين سنة سجن، فيما تخفض سائر العقوبات بمقدار النصف أو الثلثين (ورد الأمران في النص المقترح مما يؤشر إلى العجلة في وضعه). كما أنه يدخل امكانية الطعن بالأحكام، حتى المبرمة منها.  

 

الخلط بين الحق العام والحقوق الشخصية: نظام أولياء الأمر

من اللافت أن صيغة الاقتراح عدلت صيغة الحكومة من خلال إضافة أساسية تمثلت في اشتراط الاستفادة من العفو عن الجنح والجنايات غير المستثناة بالحصول على إسقاط الحق الشخصي، من باب حماية حقوق المجنى عليه (الضحية) بعدما ذهب المشرع إلى توسيع دائرة العفو إلى هذا الحدّ.

ومؤدى ذلك هو الخلط بين الحق العام الذي يعود للمجتمع والحق الشخصي الذي يعود للضحية، من خلال تمكين الضحية من حسم إسقاط الحق العام. ومن شـأن هذا الأمر أن يعيدنا إلى نظام تقليدي قوامه إعطاء عهدة العقاب لأولياء الأمر مع ما يولده ذلك من تمييز في أوضاع الأفراد المرشحين للاستفادة من العفو العام وفق استعدادات هؤلاء. ولا نسهو عما قد يولده هذا الاقتراح في حال إقراره من احتمال حصول ضغوط عارمة على أولياء الأمر لانتزاع موافقتهم. وسياسيا، يرتقب أن يقود هذا المعطى الراغبين في الاستفادة من العفو إلى توسل هؤلاء أو توسل الجهات السياسية التي تمون عليهم، مع ما يستتبع ذلك من تعزيز للزبائنية تجاه هذه الجهات.

 

 

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد البرلماني ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *