قانون تمييزي جديد بحق الأشخاص المعوّقين جرّاء تفجير 4 آب والقوانين القديمة لا تنفع


2020-12-04    |   

قانون تمييزي جديد بحق الأشخاص المعوّقين جرّاء تفجير 4 آب والقوانين القديمة لا تنفع
من اعتصام الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيا

شهد اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة واليوم العالمي للدمج الذي يصادف في 3 كانون الثاني من كلّ عام مشهدين متناقضين في لبنان: رئيس الجمهورية ميشال عون يوقع القانون الرقم 196 تاريخ 3 كانون الأول 2020 القاضي بمساواة شهداء تفجير المرفأ بشهداء الجيش اللبناني، فيما كان معوّقو التفجير نفسه، الشهداء الأحياء، يعتصمون تحت جسر البسطة اعتراضاً على القانون عينه مطالبين بتعديله. 

فعند الساعة 12 من ظهر الخميس، وربّما في الوقت نفسه الذي كان الرئيس عون يوقع القانون، رفع الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوّقين حركياً ومعوّقو تفجير المرفأ الصّوت على الظلم اللاحق بهم في القانون بعدما حصر حقوقهم بإفادتهم من مندرجات قانون المعوّقين 220/2000، وتنصّلت الهيئة العليا للإغاثة من تقديم أيّة مساعدات لهم أسوة بما حصلت عليه عوائل الشهداء (مبلغ 30 مليون ليرة)، وفق ما أفاد أمين عام الهيئة اللواء محمد خير “المفكرة القانونية”: “علاقتهم مع وزارة الشؤون الاجتماعية مش مع الهيئة”، كما أكّد. 

وفي مكان الاعتصام الذي اختير لرمزيّته  تحت جسر البسطة حيث أحرق المعوّق توفيق الخوام نفسه قبل 5 سنوات اعتراضاً على حرمانه من حقوقه وأدنى مقوّمات العيش الكريم، نزل عشرات “المعوّقين الجدد” الذين ألحقتهم جريمة المرفأ بنحو 150 ألف شخص معوّق في لبنان (بينهم 117 ألفاً من حملة بطاقات الإعاقة) تسبّبت بإعاقة معظمهم الحرب اللبنانية بين عامي 1975 و1990. لبّى هؤلاء دعوة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوّقين حركياً في وقفته الرمزية لإطلاق صرخة “في وجه المجرمين الذين يحكموننا” بأولويّات عدّة أطلقتها رئيسة الاتحاد سيلفانا اللقيس: مساواة الأشخاص المعوّقين نتيجة مجزرة بيروت بمعوّقي الجيش اللبناني تماماً كما شهداء المرفأ في التعويضات والرواتب والتقديمات كافة، وضع استراتيجية وطنية وخطة عمل مع رصد الميزانية المطلوبة لتطبيق القوانين ذات العلاقة بحقوق الأشخاص المعوّقين، وتأمين حماية اجتماعية تضمن لهم سلّة الحقوق البديهية والعيش الكريم مع عائلاتهم وداخل المجتمع في ظل الانهيار الاقتصادي ووباء كوفيد 19، بإدارج المعايير الدامجة للأشخاص المعوّقين في عملية إعادة الإعمار، ومصادقة لبنان فوراً على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعوّقين التي وقّعها قبل 14 عاماً.   

 

بيان مشترك “القانون مزحة سمجة”

وكانت “المفكرة القانونية” و”الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً” قد أصدرا بياناً مشتركاً انتقدا فيه ما جاء في القانون 196 لجهة الاكتفاء بالتقديمات الصحية للصندوق الوطني اللبناني كما المعونات والإعفاءات للأشخاص المعوّقين، في حين “أنّهم  يستفيدون أصلاً من تغطيةٍ شاملة لجميع التقديمات الصحية الاستشفائية والعلاجية والمستلزمات الطبية من وزارة الصحة، بموجب القانون رقم 220 الذي أقرّ في العام 2000 والمتعلّق بحقوق الأشخاص المعوقين”. وسجّل البيان ملاحظاتٍ ومطالب عدّة منها: أن نص القانون الذي تم إقراره لم يتضمن أي تحسنٍ في أوضاع المعوّقين، وأنه يميّز بين الضحايا لجهة كيفية احتساب التعويضات، كما يُخلّ بمبدأ التعويض فلم يأت على ذكر التعويضات عن الأضرار الجسمية والنفسية والمادية التي تكبدها وسيتكبّدها الأشخاص المعوّقون خلال إصابتهم. واعتبر البيان أنّ القانون الذي تمّ إقراره يندرج في النهج نفسه للحكومات المتعاقبة منذ العام 2000 التي همّشت الأشخاص المعوّقين في لبنان، ودعت “المفكرة” و”الاتحاد” إلى الالتفاف حول ضحايا التفجير لانتزاع اعتراف الدولة بحقوقهم، ليصفا في البيان ما نصّ عليه القانون لجهة الأشخاص المعوّقين بـ”المهزلة السمجة التي تضاف إلى تاريخٍ من التهميش”.

روكز يستمهل لحين صدور المراسيم

وحاولت “المفكرة” الاتصال بالنائب علي حسن خليل للوقوف على رأيه حول الإجحاف الذي لحق بالأشخاص المعوّقين الجدد نتيجة اقتراح القانون إلاّ أنه لم يرد على هاتفه. واستنكر النائب شامل روكز التمييز الذي نص عليه القانون الجديد بحق معوّقي التفجير، معتبراً في حديث إلى “المفكرة” أنّه طالما تمّت مساواة شهداء التفجير بشهداء الجيش فلا بد من معاملة الأشخاص المعوّقين جراء التفجير أسوة بالأشخاص المعوّقين في الجيش اللبناني، مستمهلاً إجراء أيّ تعديل لحين صدور المراسيم التشريعية التي ستنظم آلية التنفيذ،. ووعد بالوقوف عند مطالبهم إن من خلال إقتراح تعديلات على القانون أو من حيث إقتراح قانون جديد بهدف إنصافهم. 

اللقيس: القانون عبارة عن فقاعة كبيرة 

واعتبرت سيلفانا اللقيس في حديثٍ مع “المفكرة” أنّ القانون الذي أقرّ مؤخّراً مرفوض، واصفةً إياه بالفقاعة، معتبرةً أنه غير قابل للتنفيذ كونه، وبحسب القانون، لا يستفيد من تقديمات الضمان الاجتماعي سوى الأشخاص الموظفين المشمولين بالتغطية، في حين أنّ 83% من الأشخاص المعوّقين هم أشخاص غير مثبتين في أشغالهم وبالتالي غير مضمونين لا تشملهم تقديمات الضمان الاجتماعي، مطالبةً بالتعويض على الأشخاص المعوّقين جرّاء التفجير “والذين يصل عددهم إلى 250 شخصاً في مسحٍ أوّلي أجراه الاتحاد”.

وعن الخطوات اللاحقة التي ستنفذ بهدف تحصيل حقوق الأشخاص المعوقين جراء التفجير، قالت اللقيس أن الإتحاد سيتشاور مع المفكرة القانونية لتحديد إطار التحرك الجدي والمناسب. من جهةٍ ثانية وجهت اللقيس إنتقاداتها إلى السياسات الحكومية التي تقر القوانين لكنها تبقى حبر على ورق، كما هو الحال بالقانون رقم 220 الذي “يطال القطاعات كافة من الصحة، والعمل والتعليم، البيئة، الرياضة، والضرائب، إلاّ أن الحكومات المتعاقبة كافة لم ترصد الميزانية الكافية لتنفيذ القانون ومأسسته ضمن الوزارات المعنية، حيث تكتفي كل وزارة إلى اليوم بإطلاق مبادراتٍ صغيرة”. واللافت، بحسب اللقيس، أن القطاع العام لا يزال هو المخالف الأكبر للقوانين، لتطالب بضرورة التصديق على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعوقين التي تضمن مساواة بين جميع أفراد المجتمع، وتقر بالكثير من الحقوق التي تتعلق بالأشخاص الذين يعانون من إعاقةٍ. 

 المعوّقون ينتفضون في يومهم العالمي 

تحت جسر البسطة  احتشد عدد كبير من الأشخاص المعوّقين القدامى والجدد للاحتجاج أيضاً على تاريخ من التهميش والإهمال، وعلى 20 عاماً من عدم تطبيق القانون 220 الخاص بهم بكلّ مندرجاته، وعلى تسبّب فساد السلطة وإهمالها بمزيد من الإعاقات. حضروا بأطرافهم الاصطناعية، على كراسيهم المتحركة، لا يكبّلهم سوى تهميشهم على الصعيد الرسمي.  

وبعد تلاوتها للمطالب الأولويّات، انطلاقاً “من روح 17 تشرين”، كما قالت اللقيس، تحدث عبد الرحمان بشتاني، المتطوّع في الدفاع المدني، الذي بتر تفجير المرفأ رجله اليسرى، وحبيب عبد المسيح الذي أعيقت قدماه نتيجة تقطيع التفجير أوتارهما، بالإضافة إلى إعاقته البصرية الجزئية، ومعهما محمد ترشيشي الذي قطعت أوتار رجله اليسرى، ليطالبوا جميعهم بإقرار الحقوق المشروعة للأشخاص المعوّقين عموماً، وشمل جرحى التفجير الذين استجدت لديهم إعاقات بالقانون الذي يساوي شهداءه بشهداء الجيش اللبناني “نحن أيضاً لن نقبل إلّا بمساواتنا بمعوّقي وجرحى الجيش اللبناني”، كما ختموا.

 أهالي ضحايا التفجير يساندون المعوّقين 

منذ وقوع التفجير وأهالي الضحايا يعتصمون بهدف الوصول إلى مطالبهم، التي تحقق أحدها بإقرار مساواة شهدائهم بشهداء الجيش اللبناني، واليوم أصبح لديهم مطلب جديد يخصّ الأشخاص المعوّقين. وقد شدد إبراهيم حطيط شقيق الشهيد ثروت حطيط في حديث لـ”المفكرة”، أنّهم منذ بداية المشوار المطلبي أخذوا على عاتقهم مسألة جرحى التفجير واصفاً المعوّقين بالشهداء الأحياء الذين من حقهم أن يتساووا بجرحى الجيش اللبناني، معرباً عن مفاجأته واستغرابه لعدم إقرار القانون أيّ تعويضات للمعوّقين أسوة بما أقرّته للشهداء، مؤكّداً أنّه في تحرّكاتهم كافة التي استمرّت لأكثر من شهرين طالبوا بمساواة شهداء التفجير بشهداء الجيش كما الجرحى، مرجحاً أن يكون قد تمّ إجراء تعديلات على المطالب من قبل النوّاب، لا سيّما وأنّه ورفاقه ليس لديهم الباع الطويل في المسائل القانونية على حد قوله. ووعد حطيط باسم أهالي الضحايا أنّهم سيأخذون على عاتقهم المطالبة بحقوق معوّقي التفجير، داعياً إيّاهم إلى رفع الصوت عالياً في وجه “العصابة التي سلبتكم أجزاءكم وسلبتنا فلذات أكبادنا”، وإلى أخذ حقوقهم بالقوّة “غصب عنن ومش برضاهم”.

محمد ترشيشي غير قادر على متابعة حياته من جديد

في الرابع من آب كان محمد ترشيشي يعمل في مكتبه في الكارنتينا عندما وقع التفجير حيث أصيب بأربعة كسورٍ في رجله اليسرى، ما اضطره إلى إجراء عملياتٍ عدّة. اليوم بات ترشيشي يعاني من إعاقةٍ دائمةٍ في رجله بسبب انقطاع الأوتار فيها وهو بحاجة إلى جلسات علاج فيزيائي بصورةٍ مستمرة. يقول محمد لـ”المفكرة” أنه يعاني من أوجاع عدّة طوال الوقت معتبراً أنّ أثر الإعاقة لا يقتصر على الضرر الجسدي فحسب بل يتعدّاه إلى الحالة لنفسية والاكتئاب الذي يصيب الجريح. اليوم لا يستطيع محمد العودة إلى حياته السابقة “كل شي بيتغيّر خاصّة إنّه بعدنا مش معوّدين، أي حركة صغيرة منلاقيها صعبة كثير”. فوق كلّ هذه المعاناة يجد محمد نفسه غارقاً في القلق والخوف من الأيام المقبلة. من هنا يطالب الدولة المسؤولة عن الحادثة بالتعويض، “مش إهمال منّي صار فيني هيك، هيدا ناتج عن إهمال الدولة، أنا مش قادر إدفع إيجار البيت”، معتبراً أنّ الدولة سارعت إلى التعويض عن الذين أصيبت منازلهم لكنها لم تسارع للتعويض عن الذين أصيبوا بأضرارٍ جسدية وهو هو من أصعب أنواع الأضرار برأيه، “كل الأشياء المادية بتتعوّض بس ما حدا بيعوّض أجزاء الجسد”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ، سياسات عامة ، عدالة انتقالية ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *