قانون تحرير الإيجارات غير السكنية ينتظر ردّه إلى المجلس النيابي: الهروب من الكارثة الاجتماعية لا يزال ممكناً


2024-01-05    |   

قانون تحرير الإيجارات غير السكنية ينتظر ردّه إلى المجلس النيابي: الهروب من الكارثة الاجتماعية لا يزال ممكناً

عندما أقر المجلس النيابي في جلسته الأخيرة قانون تحرير الإيجارات غير السكنية القديمة، بدا الاستعجال في إقراره إثباتا لقدرة المجلس على التشريع أهمّ من مناقشة مضمونه. لذلك، سارع رئيس المجلس إلى التصويت، صورياً، على القانون ببند وحيد. وبالفعل، أقرّ من دون أيّ تعديل على النسخة التي أنجزتها لجنتا الإدارة والعدل والمال والموازنة في تموز 2022. 

أبرز ما يتضمنه هذا القانون هو تحرير عقود الإيجارات غير السكنيّة القديمة بعد 4 سنوات على أن يتم رفع البدلات تدريجيّا خلال هذه الفترة حتى تصل إلى 8% من قيمة المأجور. وقد منح القانون المالك إمكانية تقصير فترة التمديد إلى سنتين في حال تنازله عن حقه بالزيادات التدريجية. ويلحظ أنّ هذه العقود تشمل مجمل عقود الإيجار لممارسة التجارة أو الصناعة أو أي مهنة حرّة منظّمة بقانون أو مهنة حرفيّة أو أي نشاط آخر غير سكني. كما يلحظ القانون إمكانية استرداد المأجور قبل انتهاء المدة في حالات معينة مقابل تعويض يصل إلى 15% من القيمة البيعية للمأجور.

قبل التصديق على القانون، جرى نقاش بسيط بشأنه، كان لافتاً أن كتلة التنمية والتحرير كانت محوره، فدعا النائب أشرف بيضون إلى إقراره “لرفع الظلم عن المالكين وإعادة الحقّ لأصحابه”، فيما انتقد زميله محمد خواجة حصر المقاربة بشقّ واحد يتعلّق فقط بالمالكين القدامى، والتغاضي عن حقيقة أن العديد من المستأجرين دفعوا بدلات إخلاء طائلة سابقًا حتى يتمكّنوا من استئجار المأجور والآن يُطلب منهم الخروج منه. والأمر نفسه توقف عنده كل من النائبين ميشال ضاهر وعلي حسن خليل، فطالب الأول بالعودة إلى قيمة الإيجارات القديمة وإضافة نسبة 3% سنوياً (تبعا لمعدّلات التضخم السنوي) للوصول إلى بدل إيجار جديد، واقترح الثاني تحرير الإيجارات بعد 6 سنوات بدل 4، إلا أن كل هذه الاقتراحات لم يؤخذ بها، فأقرّ القانون كما هو.

بعد انتهاء الجلسة، يبدو أن ثمة من نبّه رئيس المجلس النيابي نبيه برّي إلى خطورة القانون ووجوب تعديله، لكن ذلك لم يحصل قبل تصديق القوانين من قبل مجلس الوزراء، نيابة عن رئيس الجمهورية، تمهيداً لنشرها. ولذلك، ابتدع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بضغط من برّي حلاً من خارج الدستور، تمثّل في رفضه توقيع القانون، إضافة إلى قانونين آخرين، رغم موافقة مجلس الوزراء (مؤديا دور رئيس الجمهورية بإصدار القوانين أو ردّها للبرلمان) عليهما، وبالتالي إعاقة نشرها في الجريدة الرسمية. 

ما العمل؟ الحلّ بحسب مصادر حكومية سيكون بإعادة عرض القوانين الثلاثة على مجلس الوزراء للتأكد من أن الوزراء سيتراجعون عن التصديق أو سيصرّون عليه. علماً أن هذه الآلية التي تجافي الدستور أيضاً، ستكون نتيجتها معروفة، إذ سيسحب الوزراء موافقتهم على تصديق القوانين الثلاثة، تمهيداً لإعادتها مجدداً إلى المجلس النيابي، وهي الخطوة التي يسعى إليها بري ويلتزم بها ميقاتي، ولن يعارضها أغلب الوزراء. ذلك المخرج الذي يصفه مصدر وزاري بالعادي، يعيد التذكير بما يحصل في رئاسة الجمهورية أحياناً. فبشكل تلقائي، كان الأمين العام لرئاسة الجمهورية يعرض القوانين التي يُقرّها مجلس النواب على رئيس الجمهورية لتوقيعها جميعها كتدبير إداري روتيني، ثم بعد ذلك إذا تبيّن وجود اعتراض على أيّ من القوانين، يعتبر التوقيع كأنه لم يكن، ويطلب رئيس الجمهورية ردّ القانون أو عدم توقيعه حتى يصبح مصدقاً تلقائياً بعد مرور فترة الشهر المخصصة لرئيس الجمهورية لرد القوانين. 

بعيداً عن الشكل الذي يبدو أن أحداً من المعنيين لا يكترث لمدى قانونيته، وبعيداً عن خطأ “سقطة” إقرار القانون من مجلس النواب ثم “سقطة” تصديقه من مجلس الوزراء، فإن رئيس لجنة الدفاع عن المستأجرين كاسترو عبدلله يعتبر أن القانون بشكله الحالي كارثيّ، وإذا لم يتمّ التراجع عنه سيؤدي إلى أزمات اجتماعية لا يستهان بها. 

في المقابل، يعتبر النائب بلال عبدلله أن القانون يستكمل ما كان بدأ في العام 2014، من خلال إقرار قانون تحرير الإيجارات السكنية. وقد حان الوقت لإنصاف أصحاب العقارات الذين يعاني أغلبهم من ظروف معيشية صعبة في مقابل تنعّم المستأجرين بأرباح طائلة تنتج عن الإيجارات الزهيدة مقابل مبيعات بالدولار. 

يركز عبدالله في كلامه على المقاهي والمطاعم في العاصمة وجبل لبنان ويتناسى أن بعض العقارات في المناطق بالكاد يتمكّن مستأجروها من دفع إيجارها مهما كان زهيداً. وهذا ينطبق أيضاً على العقارات غير السياحية والتجارية، ويشمل العقارات المستعملة من أصحاب المهن الحرة، التي تعطّلت أعمالهم لسنوات من جراء كورونا والأزمة المالية.

من جهته، يجزم المحامي أديب زخور، المتابع للقانون، أنه في حال عدم رد القانون سيكون مصيره الطعن، نظراً لما يتضمنه من مواد تتعارض مع مبادئ العدالة في التشريع ومع الدستور وقوانين عديدة مثل قانون المؤسسة التجارية 11/67″.

زخور يوضح أن “الزيادات مبالغ فيها، وتلزم الكثيرين تسليم المأجور إلى المالك منذ اليوم الأول”. وقال: “إن زيادة بدلات الإيجار 8% من القيمة البيعية للمأجور خيالية وتُقدّر بآلاف الدولارات. فإذا كانت قيمة المأجور البيعية على سبيل المثال 200 ألف دولار فيكون الإيجار السنوي 16 ألف دولار، ما يعني أن معظم شاغلي هذه الأقسام لن يتمكن من دفع الإيجار ولو كان تصاعديًا، وسيسلّمون المفاتيح إما في السنة الأولى، وإما في السنوات التالية”. وأشار إلى أن “بدلات الإيجار يجب ألا تتخطى 1% إلى 3%، أسوة بالنسب التي يتم التداول بها في سياق بدلات الإيجار الحرة في الأماكن ذاتها (مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة تدني سعر النقد الوطني ومسألة اختلاف المناطق).

وأوضح زخور أن “خيار التمديد من سنتين إلى 4 سنوات هو خيار نظري”، إذ أعطى القانون الحق للمالك حصرًا من دون المستأجر، في المادة 3 من قانون الايجارات الحالي، إما عدم قبض زيادة بدلات الإيجار وتعيين بدل المثل وإخراج المستأجر في نهاية السنة الثانية، وإما ممارسة خيار زيادة البدلات عبر التقدم أمام قاضي الايجارات لتحديد الزيادات. وعندها تترتب الزيادة والتمديد إلى أربع سنوات. وقد يكون وضع المشرع تمييزا في ممارسة حق الخيار الذي سيؤدي في نهاية السنة الأولى او الثانية او التالية إلى ترك المأجور طوعا أو كرها من دون تعويض، هذا إذا سلمنا جدلا أن المستأجر استطاع دفع الزيادة المنصوص عليها في المادة 4 من القانون التي تصل إلى 8% من القيمة البيعية للمأجور”.

يحذر عبد الله، من جهته، أن تنفيذ القانون سيعني رمي الناس في الشارع، وأول من سيُرمى في الشارع هو الدولة، حيث يوجد الكثير من المدارس الرسمية والوزارات ومكاتب الضمان المستأجرة. وبالتالي، فإن القانون سيعني رمي الطلاب والموظفين ومصالح الناس في الشارع. المستأجر بذلك سيخسر أيضاً بدل الإخلاء الذي دفع للمالك في بداية الإيجار كما سيخسر الإسم التجاري والزبائن، والأهم أن مئات المصانع والمعامل والمحلّات التجاريّة ستضطرّ إلى الإقفال والتخلي عن مئات العمال من دون تعويض على اعتبار أن الإغلاق نتج عن ظروف قاهرة. كذلك سيخسر الضمان الاجتماعي الاشتراكات والتسويات.

يبدو جلياً أن القانون يتعامل مع كل المستأجرين كحالة واحدة، وهو لا يفرّق مثلاً بين دكان في منطقة نائية وبين مركز تجاري أو فندق أو مطعم 5 نجوم في العاصمة. لذلك يحذر عبدلله من أنّ القانون سيحدث فرزًا طبقياً وديموغرافياً، وبالتالي لا بدّ من إعادته إلى مجلس النواب ليحصل نقاش حقيقي بشأنه، يشارك فيه كل المعنيين. عندها يمكن درس الحالات بشكل علمي، والتمييز بين المافيات والمستأجرين الذين لن يتمكنوا من الصمود في حال خسارة إيجارهم. كما يكشف عبدلله أن اللجان النيابية التي أقرت القانون لم تستمع إلى أي جهة معنية، و”على سبيل المثال أنا كرئيس لجنة دفاع عن المستأجرين لم أدْعَ يوماً إلى أي جلسة”، والأمر نفسه حصل مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي لم يناقش الأمر يوماً.

النقاش الهادئ يوجب ليس فقط التعامل مع أزمة تطال ما يتراوح بين 40 و50 ألف عقد إيجار غير سكني، بل يعني أيضاً وجوب بحث تأثير أي خطوة على المجتمع ككل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المطلوب توقيت مناسب للتطبيق، ليس كما حصل اليوم مع إقرار القانون في أسوأ توقيت، حيث الأزمة الاقتصادية تفتك بأغلب القطاعات. 

كما يشار أن القانون يضع كل المالكين في سلة واحدة، فيما أن بعض المالكين هم قدامى فعلا ويتحملون عبءا اجتماعيا يجدر رفعه عن كواهلهم ولو تدريجيا. فيما أن كثيرا منهم هم متعهدون اشتروا العقارات المؤجرة بأسعار متدنية بسبب تواجد مستأجرين قدامى فيها وهم سيحقّقون ربحا كبيرا غير مبرر في حال تحرير الإيجارات عملا بهذا القانون. 

باختصار، يقول عبد الله تعالوا لننجز اتفاقاً يسمح بتأمين حياة كريمة للمالك ويسمح للمستأجر بالاستمرار، ولا يترك المافيات متحكمة بالموضوع ومستفيدة منه. للتذكير، فإن الأملاك البحرية غير مشمولة بالقانون، لأنها ببساطة تعدّيات لا إيجارات. لكن مع ذلك عندما أجريت التسويات مع أصحابها، سمح لهم بالإشغال لقاء إيجارات زهيدة لا تزيد عن 1%، فعلى الأقل ليُعامل المستأجرون القدامى الذين دفعوا بدلات إخلاء للمالكين كما يُعامل المعتدون على الأملاك البحرية.

للاطلاع على اقتراح قانون الايجارات للأماكن غير السكنية

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، تشريعات وقوانين ، إقتراح قانون ، الحق في السكن ، لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية