قانون التقاعد: إنجاز مع وقف التنفيذ؟


2024-01-15    |   

قانون التقاعد: إنجاز مع وقف التنفيذ؟
رسم رائد شرف

قد يكون مشروع قانون تعديل أحكام قانون الضمان الاجتماعي وإنشاء نظام التقاعد والحماية الاجتماعية أهمّ ما أُقرّ في الجلسة التشريعية التي عُقدت في تاريخ 14/12/2023. عوامل كثيرة أسهمت في إحياء المشروع بعد 20 عامًا كاملة قضاها في اللجان، أبرزها حالة الإفلاس التي وصل إليها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من جرّاء الانهيار المالي، وفقدان أمواله التي كانت تقدَّر بـ8 مليار دولار بعدما استثمرها كلّها في سندات الخزينة والحسابات المصرفية، ممّا أدّى إلى الخشية من احتمال عجزه عن دفع تعويضات نهاية الخدمة لوقت طويل، وحاجته إلى تقسيط حقوق المضمونين. وقد أثنى على هذا الدافع النائب جميل السيّد خلال جلسة إقراره.

نتيجة ذلك، تقاطعت مصلحة الضمان، ومَن خلفه، مع حاجة المضمونين إلى نظام عصري طال انتظاره، فأُقرّ المشروع بعد سنوات طويلة قضاها بين النوم في الأدراج وبين الدرس والتعديل في لجان متخصِّصة ولجان عادية، في رحلة بدأت في 9/12/2004 مع إقرار المشروع من قبل الحكومة آنذاك، وانتهت في 14/12/2023 مع إقرار القانون في الجلسة التشريعية الأخيرة.

آليّتان لاحتساب التعويضات

يتّضح في الصيغة الأخيرة التي عُرضت على المجلس النيابي، أنّ النظام تغيّر بشكل جذري، ليتحوّل، أقلّه بنسبة 90% منه، إلى نظام توزيعيّ يُحدّد بوضوح الحدّ الأدنى الذي يمكن أن يحصل عليه المضمون. فبالرغم من أنّ النظام لا يزال نظام رسملة من حيث الشكل، حيث يحتسب المعاش التقاعدي على أساس الأموال التي يجمعها المشترك في حسابه الافتراضي، بالإضافة إلى الفائدة السنوية التي تُضاف إليها، إلّا أنّ التعديل فرض تضمين النظام حدًّا أدنى للمعاش التقاعدي الذي يحصل عليه المضمون عند بلوغه سنّ الـ64 (يمكن لكلّ من لا يستفيد من نظام ضمان آخر الانضمام إلى نظام التقاعد حتّى لو كان خارج لبنان)، ويُحتسب وفق الآلية الفضلى للمضمون:

  • وفق الآلية الأولى، تكون للمضمون الذي اشترك لمدّة 15 سنة كاملة، نسبة 55% من الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، المُعتمد في تاريخ التقاعد، على أن تُزاد هذه النسبة 1.75% عن كلّ سنة اشتراك إضافية، لتبلُغ في حدِّها الأقصى 80% من الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، المعتمد في تاريخ التقاعد. أي مع افتراض أنّ موظّفًا يتقاعد اليوم بعد اشتراكه في الضمان لمدّة 20 عامًا، فإنّ معاشه التقاعدي سيكون 5.7 ملايين ليرة لبنانية شهريًّا (طالما أنّ الحدّ الأدنى الرسمي للأجور يبلغ حاليًّا 9 ملايين ليرة لبنانية).
  • أمّا الآلية الثانية، فيحصل المضمون بنتيجتها على نسبة 1.33% من متوسّط الأجور المصرّح عنها طیلة فترة اشتراكه في هذا النظام والمُعاد تقييمها حتّى تاريخ التقاعد، وذلك عن كلّ سنة اشتراك للمضمون (من دون تحديد حدّ أقصى لسنوات الخدمة). كما تجري إعادة تقييم وفهرسة (indexation) أجور المشترك وفقًا للزيادة في مؤشّر متوسّط أجور المشتركین. وبذلك، من المفترض ألّا يقلّ المعاش التقاعدي لمن شارك في النظام لمدّة 40 سنة عن 53.21% من متوسّط رواتبه المصرّح عنها للضمان، وألّا يقلّ لمن شارك لمدّة 30 سنة عن 40% من متوسّط رواتبه.

وفيما يُرجّح أن يستفيد أغلب المشتركين في النظام من إحدى الضمانتَين السابقتَين، يبقى احتمال ضئيل أن يكون المشترك قد جمع أموالًا في حسابه الافتراضي تزيد عن الحدّ الأدنى المحدّد في الضمانتَين. عندها فقط يستفيد المشترك من الرسملة بحيث يحصل على مبلغ شهري يفوقهما.

معاش تقاعدي لا يضرب استمرارية النظام

لكن ألا تبقى الضمانة هزيلة بالمقارنة مع مستوى المعيشة؟ يعتبر المدير العام للضمان الاجتماعي محمّد كركي أنّ السعي إلى تحسين نسبة الضمانة ترافق مع محدودية الموارد. وبالتالي تمّ تغليب تأمين ضمان مقبول مستدام على الحصول على تأمين ضمان أكبر غير مستدام. كذلك يؤكّد مستشار الاتّحاد العمّالي صادق علوية (هو في الوقت نفسه مدير في الضمان الاجتماعي)، الذي شارك في اجتماعات اللجان، أنّ المطلب كان في السابق 100% من الحدّ الأدنى للأجور، لكن تمّ التراجع عن الطلب بعدما تبيّن في الدراسة الاكتوارية التي عرضها ممثّل منظّمة العمل الدولية أنّ النسبة التي حُدِّدت، وهي 55% كنسبة حدّ أدنى يمكن أن تصل إلى 80%، هي النسبة التي يمكن الحصول عليها بدون زيادة الاشتراكات على المضمونين. وهو ما أكّده النائب بلال عبد الله، الذي يقول إنّه بالنظر إلى الاشتراكات الحالية لا يمكن زيادة نسبة الضمان عن النسبة المحدّدة، حماية لفاعلية النظام وديمومته.

بعد موافقة العمّال على النسبة، وبعد تثبيت حدّ أدنى مضمون للتعويضات، وبعد إزالة كلّ العقبات الأخرى، لا سيّما منها الموافقة على أن يكون النظام التقاعدي المقترح جزءًا من الضمان الاجتماعي، بناء على إصرار رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي (كان المشروع يقضي بإنشاء مؤسّسة مستقلّة لإدارته)، لم يبقَ في الجلسات الأخيرة في اللجان النيابية سوى عقبة أساسية تمثّلت في رفض أصحاب العمل القانونَ تمامًا. لكن ما كسر هذه المعارضة، على ما تؤكّد مصادر شاركت في الاجتماعات، هي الضغوط الدولية التي مارسها كلّ من منظّمة العمل الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد، الذين اعتبروا أنّ هذا القانون هو أساس القوانين الإصلاحية، وضيّقوا هوامش المناورة أمام كلّ الجهات.  

تعديلات في الجلسة العامة

في الجلسة التشريعية، سار النقاش سريعًا وفق الوجهة التي تريدها إدارة الضمان. إذ إنّ مدير عام الضمان محمّد كركي كان اعتبر، في حديث للمفكّرة القانونية، أنّ النصّ الذي أقرّته اللجان المشتركة يُعَدّ نصًّا مقبولًا لكنّه يحتاج إلى بعض التعديلات، بما يضمن التوفيق بين حقوق المضمونين وحماية الضمان. وبالفعل، تولّى النائب علي حسن خليل عرض ملاحظات الضمان التي أُخذ بها جميعها، باستثناء ملاحظة وحيدة تمسّك النائب بلال عبدالله برفضها، معتبرًا أنّها تمسّ بحقّ العمّال.

وندرج في ما يأتي الملاحظات التي أُخذ بها:

  • عدم إلزام المضمونين بين سنّ 49 و58 عامًا الانضمامَ إلى النظام الجديد. إذ تمّ التوافق على نصّ يقضي بخضوع هذه الفئة للنظام الجديد اختياريًّا. علمًا أنّ النصّ الذي أقرّته اللجان المشتركة كان يطبّق الإلزامية على سائر المضمونين الذين تتراوح أعمارهم بين 49 و58 عامًا، شرط أن تكون مدّة انتسابهم إلى نظام نهاية الخدمة، إضافة إلى المدّة المتبقِّية لبلوغ سنّ التقاعد، 15 سنة على الأقلّ، ما يخوّلهم الحصول على المعاش التقاعدي.
  • كان مشروع القانون قد حدّد الحدّ الأقصى للخدمة بـ30 سنة، ويمكن للمضمون أن يحصل عن كلِّ سنة اشتراكٍ نسبةَ 1.33% من متوسّط أجوره المصرَّح عنها. وهذا ما كان يعني أنّ الحدّ الأقصى الذي يمكن أن يحصل عليه المتقاعد هو 40% من متوسّط رواتبه، سواء عمل 30 أو 40 سنة. لذلك، وافق المجلس على إلغاء الحدّ الأقصى، بحيث يحصل المشترك على 1.33% من متوسّط رواتبه عن كلّ سنوات خدمته، ما يعني أنّ من يعمل لـ40 سنة سيرتفع معاشه التقاعدي إلى 53% من متوسّط رواتبه.
  • تمّ التأكيد على مسألة ضمّ مبالغ التسوية التي يدفعها أصحاب العمل لدى تصفية مستحقّات الأجراء إلى النظام الجديد، منعًا لأيّ مسعى لاحق إلى التهرّب من دفع هذه التسويات. علمًا أنّ محاولات جرت في اللجان المشتركة لإلغاء مبالغ التسوية (الفارق الذي يدفعه صاحب العمل بين مجموع الاشتراكات المسدّدة والتعويض المستحقّ للمضمون) عن الأجراء المنتقلين إلى النظام الجديد.
  • خُفّضت ولاية أعضاء لجنة الاستثمار (تضاف إلى الأجهزة الموجودة حاليًّا، أي المديرية العامة واللجنة الفنِّية وأمانة السرّ، وتكون هذه اللجنة معنية باستثمار أموال التقاعد وتتمتّع بالاستقلالية عن الأجهزة الأخرى وتكون تابعة مباشرة لمجلس الإدارة)، من 6 سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة إلى 5 سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة. كما خفّضت ولاية المدير التنفيذي للجهاز من 7 إلى 5 سنوات أيضًا، وكذلك حدّدت ولاية المندوبين بـ5 سنوات.

نقطتان لم تمرّا

يخفّض المشروع عدد أعضاء مجلس إدارة الضمان من 26 حاليًّا (10 ممثّلين عن العمّال و10 عن أصحاب العمل و6 عن الدولة) إلى 10 فقط (4 ممثّلين عن العمّال و4 عن أصحاب العمل و2 عن الدولة). وقد تمّ التوافق على أن يكون التصويت بالنصف زائد واحد، بما ينهي أزمة النصاب التي كانت قائمة حاليًّا والتي كانت تحدّد النصاب في الدورة الثانية (في حال فشل التصويت القطاعي) بـ14 عضوًا. وإذ حاول خليل إلغاء التصويت القطاعي المعتمَد حاليًّا والذي يشترط توافر غالبية لممثّلي كلّ قطاع في الدورة الأولى من التصويت، تصدّى له عبد الله انطلاقًا من أنّ هكذا خطوة يمكن أن تلغي صوت العمّال في المجلس، من خلال التواطؤ بين الدولة وأصحاب العمل، و”هو أمر لطالما حصل”. وبالفعل، سقط اقتراح التعديل، وبقيت المادّة كما هي، من دون إلغاء إمكانية التواطؤ بين الدولة وأصحاب العمل في الدورة الثانية لتمرير ما يريدون خلافًا لرأي العمّال، إذ إنّ المرحلة الثانية تحتاج إلى 6 أصوات، وهو ما يمكن أن يتحقّق بتحالف الطرفَين.

كذلك، جرت محاولة لتعديل موقع أمانة السرّ في هيكلية الضمان، لكنّها باءت بالفشل. إذ إنّ الترتيب بحسب المشروع يشير إلى أنّ مجلس الإدارة هو السلطة الأعلى تليه اللجنة الفنية، ثمّ لجنة الاستثمار فأمانة السرّ التي يرأسها المدير العام. لكنّ خليل حاول جعل أمانة السرّ بمستوى مجلس الإدارة، فتصدّى له عبد الله.

قانون مع وقف التنفيذ؟

يتوقّع أن يحتاج بدء العمل بالنظام الجديد إلى نحو سنتَين، فيما يُفترض أن يتزامن العمل بكلّ من نظام التقاعد ونهاية الخدمة لدى الضمان الاجتماعي 15 سنة (يكون قد أحيل كلّ من تجاوز سنّ الـ49 سنة إلى التقاعد) قبل أن يصبح نظام التقاعد هو النظام الوحيد المتّبع في الضمان الاجتماعي. لكن في المقابل، ثمّة من يثق بأنّ القانون يحتاج، في الأساس، إلى دولة لتطبيقه؛ فنحن نقول للمضمون إنّه بات يملك معاشًا تقاعديًّا في وقتٍ لا يستطيع الصندوق، في الوضع الراهن، سوى تقديم جزء يسير من تعويضات المرض والاستشفاء، وفي وقت تخلّى فيه أغلب المضمونين عن الضمان واستعانوا بشركات تأمين تضمن لهم ألّا يُهانوا على أبواب المستشفيات. وعليه، هل سيكون مصير القانون الرفوف بعدما كان مصير المشروع الجوارير، أم أنّ إرادة تطبيقه ستتفوّق على المعوقات التي تواجهه، وهي معوقات جوهرية وتقنية؟ في الحقيقة، يحتاج القانون إلى جهد كبير لإعداد المراسيم التطبيقية له، وتعديل الأنظمة والهيكلية الإدارية في الضمان، بالإضافة إلى تعيين الموظّفين وأعضاء لجنة الاستثمار، كلُّ هذا والضمان ما يزال يعمل بدون أوراق ولا قرطاسية.

نشر هذا المقال في العدد 71 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان

لقراءة العدد بصيغة PDF

انشر المقال

متوفر من خلال:

تشريعات وقوانين ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات ، تحقيقات ، البرلمان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية