قانون استقلال القضاء الاردني لعام 2014 استجابة خجولة لمطالب القضاة


2014-11-06    |   

قانون استقلال القضاء الاردني لعام 2014 استجابة خجولة لمطالب القضاة

بعد اعوام من المد والجزر، صدر أخيرا قانون استقلال القضاء الاردني رقم 29 لسنة 2014 عقب مخاض عسير[1]. وكانت الاصوات المنادية بضرورة اصداره قد تعالت مع بدء الحراك العربي قبل ثلاث سنوات. وقد شارك قضاة ولو بشكل متواضع في هذه التحركات فطالبوا كمجموعة بضمان وتعزيز استقلال القضاء وابعاده عن تأثيرات وتجاذبات السياسة، وفصله عن وزارة العدل بشكل فعلي. وكان صدام قد حصل بين وزارة العدل وقضاة قبل 2011  وسجل كل فريق انتصارات محدودة على الفريق الاخر: فمثلا يُنسب لوزير العدل الاسبق ايمن عودة انه كان وراء احالة عدد من قضاة محكمة التمييز على التقاعد مستغلا تأثيره على المجلس القضائي، في حين لعب القضاة دورا بارزا في عدم توزير وزير العدل ايمن عودة. ومنذ عام 2010 تقريبا، يراوح مشروع قانون استقلال القضاء مكانه في ادراج الحكومة وفي كل مرة يثار الموضوع ويعلن عن مشروع قانون معدل او مشروع قانون جديد، لتعود الأمور مجددا الى المربع الأول. وقد أخذت الأمور منحى أكثر جدية مع انطلاق حراك قضائي في 2011 انصبت مطالبه بشكل رئيس على تعديل قانون استقلال بما يلبي مطالب القضاة. ووصل الامر الى حدّ تشكيل لجان للتحاور بشأن ذلك مع اعضاء مجلس النواب، بالتزامن مع التعديلات الدستورية  والتوجه نحو الاصلاح في مختلف المجالات لا سيما اصلاح القضاء.

مطالب عريضة ومشروع قانون طموح
مع بداية عام 2014، بات واضحا ان هناك توجها حقيقيا لاصدار قانون معدل او قانون جديد لاستقلال القضاء يأخذ بعين الاعتبار التعديلات الدستورية عام 2011 ويعزز من استقلال القضاء، ويمنح القضاة امتيازات وظيفية ومعيشية تتناغم مع مطالبهم وتعزز من مكانتهم.  وبالتزامن مع ذلك، اقترحت اللجنة القضائية المكلفة بدراسة مشروع قانون استقلال القضاء، بتوسيع صلاحيات المجلس القضائي وزيادة امتيازات القضاة، على نحو أثار ردود فعل نيابية متباينة، بشأن مخالفة عدد منها لمواد دستورية.وقد اعتبر عاملون في السلك القضائي بخلاف ذلك أن مقترحاتهم ضرورية لتكفل الحياة الكريمة لأعضاء السلطة القضائية وضمان استقلالهم.

وقد تم تبني عدد من مقترحات اللجنة في مشروع القانون الحكومي الذي تمت احالته الى مجلس النواب.وقد أثار المشروع المذكور بدوره احتجاجات القضاة، إثر نصه على المسؤولية المدنية للقاضي في حال "وقع منه غش في عمله أو تدليس أو خطأ مهني جسيم"، وحالات أخرى، فيما يكبّده بهذه الحالة، تعويضاً مدنياً للمتضرر. وردا على هذا المشروع، والى جانب المطالبة بإلغاء الفقرة التي تنص على المسؤولية المدنية، أوصت اللجنة القضائية في مقترحاتها أن تتم مراجعة رواتب القضاة مرة على الأقل كل خمس سنوات مع ربطها بنسبة التضخم السنوي. وأوصت اللجنة أيضاً بتخصيص منح وبعثات دراسية في الجامعات الرسمية لأبناء القضاة العاملين والمتقاعدين، فضلاً عن توصيتها بإصدار نظامي انتقال وسفر، وتأمين صحي خاصين بالقضاة. وأثارت توصية اللجنة بإعفاءات جمركية للقضاة، بدورها، مساحة واسعة من النقاش والجدل في صفوف الحكومة والنواب المختصين. وقالت توصية اللجنة في هذا الخصوص إن "للقاضي الذي أمضى مدة ثلاث سنوات في الخدمة القضائية والقاضي المتقاعد اقتناء مركبة لاستعماله الشخصي، معفاة من الرسوم الجمركية والضريبة العامة على المبيعات والضريبة الخاصة ورسوم طوابع الواردات وأي رسوم أو ضرائب أخرى، على أن تحدد أسس وفئات الإعفاء وشروطه واستبدال المركبة، بنظام خاص يصدر لهذه الغاية". وبينما أوصت اللجنة بإضافة عقوبة "الحسم من الراتب" إلى العقوبات التأديبية، اقترحت صرف كافة المستحقات المالية للقاضي الذي تكف يده عن العمل بدلا من صرف نسبة منها. ونصت التوصيات على رفع اقتطاعات حساب القضاة إلى 20% من رسوم الدعاوى والطلبات والاجراءات القضائية أو التنفيذية، بدلاً من 7%، ورفع اقطاعات حساب أعوان القضاء إلى 30% من الغرامات المحكوم بها لصالح خزينة الدولة بدلاً من 20%.وطالبت اللجنة بزيادة أيام الإجازة السنوية للقضاة من 30 إلى 45 يوماً. وحسب التوصيات، "تمنح الزيادة السنوية (للقاضي) حكماً" بدلاً من أن تمنح بقرار من رئيس المجلس القضائي. واقترحت اللجنة إلزامية ترفيع القاضي إلى درجة أعلى بمرور 3 سنوات على حلوله في درجته الحالية، وذلك بدلاً من أن يكون الترفيع غير جائز إلا بانقضاء السنوات الثلاث. إلى ذلك، أوصت اللجنة بأن "يمارس المجلس (القضائي) صلاحيات مجلس الوزراء ويمارس (رئيس المجلس) صلاحيات رئيس الوزراء والوزير المختص في إصدار الأنظمة والتعليمات اللازمة لغايات تطبيق أحكام هذا القانون". ونصت التوصيات على تخويل المجلس القضائي بإعداد التشريعات المتعلقة بالقضاء والنيابة والمحامي العام المدني، وإلزام الحكومة بالأخذ برأيه بهذا الخصوص، وإرسال مقترحاته إلى البرلمان، دون تعديل عليها. كما اقترحت اللجنة النص على عدم ملاحقة القاضي عن أية شكوى جزائية، تتعلق أو لا تتعلق بطبيعة وظيفته، إلا بإذن من المجلس القضائي، في حين أن المشروع الحكومي ينص على ذلك بخصوص الشكاوى المتعلقة بوظيفة القاضي فحسب[2].
 
استجابة محدودة لمطالب تعزيز استقلال القضاء وكف يد وزير العدل عن التدخل في شؤونه
من أكثر المواضيع المثيرة للجدل في قانون استقلال القضاء السابق رقم (15) لسنة 2001 العلاقة التي تربط القضاة مع وزير العدل. فقد أعطى هذا القانون وزير العدل الحق بالتدخل في تعيين القضاة الذي يحصل بقرار من المجلس القضائي بناء على تنسيب من وزير العدل (مادة 14)[3]. وهو الامر الذي كان يثير حفيظة القضاة ويعدّونه مساسا باستقلالهم وتدخلا غير مبرر من الوزير في شؤونهم. وكان الغاء هذا النص من أكثر المطالب الحاحا بنظر القضاة، وهو ما اخذ به القانون الجديد إذ تم الغاء هذا النص واستعيض عنه بنص المادة (13/أ) التي نصت على أنه "يجري التعيين في الوظائف القضائية بقرار من المجلس بناء على تنسيب الرئيس على ان يقترن القرار بالارادة الملكية السامية على ان ينسب اكثر من شخص للوظيفة الشاغرة كل ما امكن ذلك". وبناء على هذا النص، اصبح تعيين القضاء بقرار من المجلس القضائي بناء على تنسيب رئيس المجلس القضائي على ان يقترن القرار بالارادة الملكية. وتجدر الاشارة هنا الى ان القانون الجديد قد اشترط ان يكون القاضي قد بلغ الثلاثين من عمره[4] بدلا من السابعة والعشرين كما كان يشترط القانون السابق[5] . وكذلك الحال بالنسبة الى النصوص التي كانت تشكل تهديدا  لاستقرار القضاة وامنهم الوظيفي، منها الصلاحية المعطاة بموجب قانون 2001 للمجلس القضائي في احالة القاضي الذي اكمل المدة اللازمة للتقاعد بناء على تنسيب رئيس المجلس، أو أيضا صلاحيته بانهاء خدمة القاضي او احالته على الاستيداع اذا لم يكن مكملا للمدة اللازمة للاحالة على التقاعد. وقد طالب القضاة بتقييد سلطة المجلس بهذا الشأن، ووضع ضمانات قانونية تكفل عدم انحراف المجلس في استخدام سلطته بانهاء خدمات القضاة.

وبناء على ذلك، تطرق القانون الجديد الى هذا الأمر في مادته (15) والتي منحت المجلس القضائي الاختصاص باحالة القاضي على التقاعد او الاستيداع بناء على تنسيب رئيس المجلس المستند الى توصية لجنة مشكلة من اقدم خمسة قضاة محكمة التمييز من غير اعضاء المجلس القضائي[6]. اما انهاء خدمات القاضي، فقد حصرها القانون الجديد في حالة واحدة فقط (بعدما كانت مطلقة في القانون السابق) وهي عدم الكفاءة اذا كان التقرير السنوي للقاضي الصادر عن المفتشين لمدة سنتين متتاليتين أقل من جيد[7]. وبالطبع، لا تشكل هذه النصوص حماية كافية للقضاة في مواجهة التعسف الذي قد يحصل من قبل الهيئات القضائية المعنية.

استجابة منقوصة للمطالب المعيشية للقضاة
على الرغم من عدم استجابة القانون الجديد لكافة المطالب المعيشية للقضاة مثل الاعفاءات الضريبة والجمركية والتأمين الصحي الخاص والبعثات الدراسية لابناء القضاة وزيادة مدة الاجازة السنوية …الخ ، الا ان القانون قد استجاب لمطلب رفع اقتطاعات حساب القضاة إلى 15% من رسوم الدعاوى والطلبات والاجراءات القضائية أو التنفيذية، بدلاً من 7%، وجعل اقطاعات حساب أعوان القضاء 20% من الغرامات المحكوم بها لصالح خزينة الدولة[8].كما نص القانون الجديد على انشاء نادي اجتماعي وثقافي للقضاة العاملين والمتقاعدين[9]. وكذلك الحال نص القانون على أنه ينشأ في محكمة التمييز وكل محكمة استئناف وتحت اشراف رئيسها مكتب لشؤون القضاة العاملين والمتقاعدين يتولى مهمة تسهيل انجاز المعاملات الخاصة بهم[10].

صرف النظر عن فكرة الانتخاب الجزئي لاعضاء المجلس القضائي
بعد أن اقر مجلس النواب في بداية مناقشة مشروع قانون استقلال القضاء لعام 2014 مبدأ الانتخاب الجزئي لاعضاء المجلس القضائي من خلال انتخاب اربعة من اصل خمسة عشر عضوا بعد نقاش محتدم تحت قبة البرلمان[11]، سرعان ما بدأت الدعوات لفتح هذا الموضوع مجددا للنقاش والتصويت لصالح التراجع عن مبدأ الانتخاب والاكتفاء بالتعيين. وكان (54) نائبا وقعوا مذكرة يطالبون من خلالها باعادة فتح المادة (4) من مشروع القانون للنقاش مجددا للعدول عن فكرة الانتخاب. وتنطلق حجج النواب المعارضين لانتخاب بعض اعضاء المجلس القضائي  من كون ذلك سيدخل القضاة في دعاية وكولسات انتخابية تتنافى مع عمل القاضي على حد زعمهم. لا بل وصل الأمر ببعضهم الى اعتبار ذلك مخالفا للدستور كونه يضيف حكما جديدا لمشروع القانون المقدم من الحكومة وهو ما لا يجوز دستوريا. الا ان السبب الحقيقي الذي يقف وراء تراجع عدد من النواب عن فكرة الانتخاب يعود لرغبة رئيس المجلس القضائي هشام التل ووزير العدل بسام التلهوني بذلك، إذ ابدى الأول معارضته لفكرة انتخاب جزء من اعضاء المجلس القضائي. وجاء ذلك خلال لقائه قبل ثلاثة اشهر مع اللجنة القانونية في مجلس النواب خلال مناقشتها لمشروع القانون بحضور وزير العدل. وذكر التل حينها "أن إدخال اجواء الانتخابات والدعاية الانتخابية وغيرها من هذه الامور ليس في مصلحة الجهاز القضائي وهيبته"، مضيفا أن العديد من الدول التي اعتمدت انتخاب جزء من مجلسها القضائي بدأت بالتراجع عنه، لان مهمة المجلس التعيين والتنقلات والاحالات على التقاعد[12]. وبناء على هذا، جاء القانون الجديد خاليا من اي ذكر لانتخاب اي من اعضاء المجلس القضائي واكتفى بالنص على تشكيل المجلس القضائي كما في القانون السابق دون تعديل[13].



[1]– نشر قانون استقلال القضاء الاردني رقم ( 29 ) لسنة 2014 في الجريدة الرسمية بتاريخ 16 / 10 / 2014 بالعدد 5308 على الصفحة 6001 وما بعدها .
[2]– القضاة يوصون بزيادة الامتيازات وتوسيع الصلاحيات ، 26 / 5 / 2014 ، http://www.alafadel.com/more-6670-34
[3]– تنص المادة ( 14/ أ ) من قانون استقال القضاء رقم ( 15 ) لسنة 2001 على انه " يجري التعيين بالوظائف القضائية بتنسيب من الوزير وقرار من المجلس وإرادة ملكية سامية على أن ينسب أكثر من شخص للوظيفة الشاغرة كل ما أمكن ذلك".
[4]– المادة ( 9/أ/2) من قانون استقلال القضاء رقم ( 29 ) لسنة 2014 .
[5]– المادة ( 10 /ب ) من قانون استقلال القضاء رقم ( 15 ) لسنة 2001 .
[6]– المادة ( 15/ أ،ب،ج ) من قانون استقلال القضاء رقم ( 29 ) لسنة 2014 .
[7]– المادة ( 15/ د ) من قانون استقلال القضاء رقم ( 29 ) لسنة 2014 .
[8]– المادة ( 45 ) من قانون استقلال القضاء رقم ( 29 ) لسنة 2014 .
[9]– المادة ( 46 ) من قانون استقلال القضاء رقم ( 29 ) لسنة 2014 .
[10]– المادة ( 47 ) من قانون استقلال القضاء رقم ( 29 ) لسنة 2014 .
[11]– انظر بهذا الخصوص مقالة د.حمدي القبيلات في المفكرة القانونية بعنوان " مجلس النواب الاردني يقر مبدأ الانتخاب الجزئي لاعضاء المجلس القضائي " ، 8 / 9 / 2014 ،
https://legal-agenda.com/article.php?id=847&folder=articles&lang=ar
[12]– هل سينضم ( استقلال القضاء ) للقوانين العالقة بين غرفتي التشريع ؟، http://www.alwakeelnews.com/index.php?page=article&id=109900  .
[13]– المادة ( 4 ) من قانون استقال القضاء رقم ( 29 ) لسنة 2014 . ويتألف المجلس على النحو التالي: رئيس محكمة التمييز رئيسا وعضوية كل من: رئيس المحكمة الادارية العليا نائبا للرئيس ورئيس النيابة العامة لدى محكمة التمييز واقدم قاضيين في محكمة التمييز ورؤساء محاكم الاستئناف والمفتش الاول للمحاكم النظامية وامين عام وزارة العدل ورئيس محكمة بداية عمان.
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، الأردن



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية