قابس: مدينة موت في قبضة الفسفاط


2021-04-06    |   

قابس: مدينة موت في قبضة الفسفاط
من الوقفة الاحتجاجية أمام مقر المجمع الكيميائي المطالبة من أجل حل المجمع الكيميائي بقابس (من صفحة عادل يحيوي على فايسبوك)

يتصاعد الحراك المواطني في محافظة قابس جنوب شرقي البلاد مجدداً بعد قضاء ستّة عمال نحبهم في حريق بمصنع إسفلت. وانتقلت بذلك دائرة الاحتجاج من قلب المحافظة إلى العاصمة حيث المقرّات المركزية لمجموعات المصانع الكيمياوية. ولا ينشد نشطاء المجتمع المدني هناك سوى مطلباً وحيداً وهو الحق في الحياة في بيئة سليمة عبر تفكيك وحدات هذه المصانع وإخراجها من محافظتهم بعد أن دمّرت كلّ أشكال الحياة. وهم يُحمّلون مسؤولية ما حلّ من خراب للدولة التونسية وسياساتها وللمنظمات والهيئات الأممية التي تراقب ذلك من دون تدخّل. 

لا يحتاج اتّقاد جذوة الحراك إلى رجّات جديدة، فقابس مدينة يُحاصرها الموت من كل المنافذ وتجد في كل زاوية منها سبباً منطقياً للاحتجاج ولاستمرار هذا الحراك. وتتعدّى المسألة مجرّد وجود مجمّع كيمياوي للفوسفوجيبس (تجمّع وحدات استخراج وتنظيف وتعبئة الفسفاط) منذ العام 1972 محوّلاً الواحة الساحلية الهادئة إلى مكان صاخب لا يعلو فيه إلّا ضجيج آلات المصانع وأبخرة الغازات السامّة لحمض الكبريت، بل تتجاوز ذلك إلى تدمير ممنهج لكلّ ما يحيط بها براً وبحراً وجواً. 

يبدو جليّاً، في جولة سريعة في المحافظة، الأثر البيّن لخمسة عقود من الصناعات الاستخراجية على المكان. فلم يبقَ من قابس القديمة إلّا روايات الآباء والأجداد عن الواحة الوافرة والسواحل النقيّة وكرم البحر تجاه الصيّادين. أمّا طموح الأجيال الحالية من أبنائها فيقتصر على استعادة هامش من الحياة بدون تلوّث وتفكيك وحدات مصنع الفسفوجيبس. 

مدينة فوق حقل ألغام  

كانت المنطقة قبل سبعينيّات القرن الماضي، تعوّل على الفلاحة والصيد البحري والصناعات اليدوية كمورد رزق أساسي لسكّانها. إلّا أنّ الدولة قرّرت أن تحوّلها إلى مكان ذي تركّز عالٍ للصناعات الاستخراجية والطاقية. وعلى بعد كيلومترين من مركز المدينة، تمّ بعث أول تجمّع صناعي وسرعان ما انتشرت المصانع الخاصّة والمنشآت العمومية ذات الطابع الاستخراجي، ثم حقول النفط والغاز ومقاطع الرخام والجليز وصولاً إلى تركيز محطّة لتوليد الكهرباء عالية الضغط. وخلافاً لإجراءات السلامة الصارمة التي تتّخذها الدول في المدن الصناعية، تُركت محافظة قابس لتواجه مصيرها في حال حدوث مكروه ما. 

وكانت حملة “أوقفوا التلوث” قد حذّرت مراراً، قبيْل حدوث حريق مصنع الإسفلت، من احتمال حدوث انفجارات في مصنع مادة الأمونيتر الذي يحوي في مستودعاته كمّيات هائلة من المواد المتفجّرة بخاصّة في ظل ضعف إجراءات السلامة أو صيانة مسالكه. وُوجِهت مطالبات المجتمع المدني بالتجاهل والصمت من قبل السلط الرسمية، ليتجدّد الحراك بعد وفاة ستّة عمال في الحريق الناجم عن انفجار صهريج في مصنع الإسفلت يوم 13 مارس 2021، ويرجع الخبراء السبب الأساسي إلى عدم صيانة مسالكه علاوة على بعد المسافة بين المجامع الصناعية ووحدات المطافئ. 

واعتبرت الحملة في بيان موقّع من المشرفين عليها وعدد من المنظمات الوطنية، أنّ الانفجار يندرج ضمن تواصل كوارث عدّة سابقة. حيث ذكّرت بحدوث حريقين سابقين في مارس وأفريل 2020 في مصنع الأمونيتر، تصاعدت إثرهما التحذيرات والتحرّكات النقابية العمّالية والحركات البيئة من أجل التحقّق من معايير السلامة والبنية التحتية المهترئة بأغلب الوحدات. وأشارت إلى أنّ وجود مصانع ووحدات تخزين الأمونياك والأمونيتر والغاز الطبيعي بالمنطقة الصناعية تنخر صحّة المواطنات والمواطنين وتهدّد وجود المدينة وتنبئ بكارثة بيئية مدمّرة آتية تهدّد مدينة قابس وسكّانها.

وجاء بيان حملة “أوقفوا التلوّث” متطابقاً مع تصريحات مدير مشروع تأهيل مصنع الأمونيتر التابع للمجمّع الكيميائي التونسي مالك العزوني الذي سبق وأكّد في حديث لإذاعة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أنّ هذا المصنع يشكّل تهديداً لكامل المحافظة في حال وقوع انفجار به تفوق ارتداداته تلك التي حدثت في بيروت، مما قد يجعلها أشبه بـ”تشرنوبيل” القرن الواحد والعشرين.

وفسّر مدير المشروع، مالك العزوني، أنّ خزانات الأمونيتر التي تحوي أطناناً من هذه المادة مجاورة لمحطّات الغاز الآتي من حقل نوّارة وخزانات أخرى لحمض الكبريت والحمض الفوسفوري، وهو ما يمثل خطراً هائلاً في حال حدوث تسرّب أو حريق قد لا يبقي أثراً للمدينة بأكملها

وبدل أن تخرج السلط الرسمية آنذاك لتهدئة غضب السكان واتّخاذ إجراءات عاجلة، اكتفت إدارة معمل الأمونيتر بقابس التابع للمجمّع الكيميائي التونسي بتوضيح مفاده أنّ المجمّع الصناعي مطابق لمواصفات السلامة العالمية وأنّ المواد المصنّعة داخله غير قابلة للانفجار. 

المصانع تخنق قابس 

تسيطر على سماء قابس، غيمة من غازات مركّبة يُرغم الأهالي على استنشاقها وتحمّل استتباعاتها الصحّية وعلى ملاءمة حياتهم مع توقيت إطلاق مداخن المصانع للأبخرة والغازات. وخلافاً لامتناع السلط الرسمية عن نفي هذا التلوث أو التقليص من خطورة آثاره محلياً، فإنّ التقارير المرفوعة للهيئات الدولية تكشف بوضوح درجة التلوث وحدته. 

ووفق تقرير للاتحاد الأوروبي حول دراسة آثار التلوّث على الاقتصاد المحلّي بجهة قابس ساهم في إعداده خبراء أوروبيون، فإنّ 95% من تلوّث الهواء في المنطقة متأتٍّ من المجمّع الصناعي الكيمياوي، موضحاً أنّ انعكاساته تعدّ حادّة على الفلاحة وعلى صحّة الانسان، مفسّراً أنّ الهواء يحتوي على حمض الكبريت وأوكسيد الكربون ومواد سامّة أخرى من شأنها أن تدمّر الواحات وتسبب الأمراض للأهالي. ولفت التقرير إلى أنّ منطقة خليج قابس المصنّفة من قبل برنامج الأمم المتحدة للبيئة كمنطقة ساخنة ملوّثة، سجّلت تطوّراً في الصناعات الملوّثة ثلاثية الأبعاد (برّاً وبحراً وهواء)، وأنّ محاولات المجمّع الكيمياوي للسيطرة على الغازات المنبعثة من وحداته لم تجدْ النفع الكثير، بل خفّفت فقط من حدّة التلوث. 

وساهم تركيز مصانع كيماوية خاصة أخرى في تأزيم الوضع وتعميق التلوث. وحسب ما جاء في التقرير، فإنّ السلط المختصّة أثناء دراستها للمخطّطات الاستراتيجية الصناعية تغافلتْ عن ذكر الأبعاد البيئية ولم تشِرْ إلى أنّ المنطقة تعاني من مخاطر بيئية عالية، زيادة على أنّ الإجراءات التي تدّعي الدولة اتخاذها في هذا الصدد اقتصرت على مرافقة المصانع الصغرى في حين أهملت الملوّث الأكبر في المنطقة وهو المجمّع الكيمياوي. 

وفي السياق ذاته، لم يسلم البحر ولا البر من هذا التلوث، فخليج قابس أضحى مصبّاً للنفايات الكيمياوية بما يقارب ـ29 طنّاً يوميّاً من مادة الفوسفوجيبس التي تسكب في عرض البحر، حسب ما جاء في تقرير جمعية حماية واحة شاطئ السلام بقابس. ولفت التقرير إلى أنّ هذا التلوّث أدّى إلى انخفاض التنوّع البيئي في البحر إلى الثلث. وإضافة إلى ما سبق، تشير الدراسة ذاتها إلى أنّ عمليات تكديس النفايات الكيماوية في البر وفي مناطق مكشوفة يحتكّ بها السكان كان سبباً مباشراً في تفشّي مرض السرطان. كما تضررت المائدة المائية بدورها في بلد يعاني شحّا مائيا، نظرا لتخصيص موارد المائدة المائية لغسل الفسفاط وتنقيته. 

“مدينة السرطان والموت البطيء” 

من المفارقات أيضاً، أنّ السلط الرسمية التونسية لا تقدّم إحصائيّات محيّنة حول معدّل الإصابة بالسرطان على المستوى الوطني. وتعود آخر إحصائية مقدّمة لبرنامج منظمة الصحة العالمية حول عدد الإصابات إلى العام 1995 فيما يتعلّق بشمال البلاد. أما بالنسبة لمناطق الجنوب، فإنّ المعطيات البيانية التي يتم تضمينها في سجلّ السرطان المحلي غير منشورة.

ويعدّ سرطان الرئة من الأنواع الأكثر شيوعاً إلى جانب سرطان الثدي. ويُجري معهد صالح عزيز المختصّ في معالجة الأورام أكثر من 20 ألف تشخيص سنوياً، ويتلقّى أكثر من 12 ألف مريض العلاج وفق تأكيد الدكتور محمد فوزي بن سليمان، رئيس قسم الفيزياء الحيوية والطب النووي بمعهد صالح عزيز لمعالجة الأورام. وتفيد آخر الإحصائيّات أنّ عدد الإصابات بالسرطان خلال سنة 2019 بلغ 18770 حالة جديدة تتوزّع بين 10150 ذكور و8620 من الإناث، وفق ما أفاد به محمد حصايري رئيس قسم الوبائيات بمعهد صالح عزيز لمرض السرطان. 

وباستثناء صيحات الفزع ونداءات الاستغاثة التي يطلقها السكّان المحلّيون في قابس، لا يوجد إحصائية تبيّن نصيب المحافظة من الإصابات بهذا المرض الخبيث. وأوضح الناشط البيئي ابن المحافظة خير الدين دبية في حديث لـ “المفكرة القانونية” أنّ السرطان في قابس يقبع في كلّ حي وكلّ قرية، بل يكاد لا يخلو شارع من بصمة هذا المرض. وندّد في هذا السياق بغياب الإحصائيات الرسمية التي من شأنها أن تمكّن من مساءلة الأطراف المتسبّبة في تفشّيه بين صفوف السكان ومحاسبتها على ما اعتبره سياسة الموت البطيء في المنطقة سيما في ظلّ غياب مستشفى مختص. وكان الرئيس التونسي قيس سعيّد، قد وعد ببناء مستشفى لمعالجة الأورام بالجهة في أقرب الآجال، خلال زيارته لقابس الشهر الماضي. 

وأضاف خير الدين دبية لـ”المفكرة” أنّ الأخطار تحاصر الأهالي الرافضين للنزوح أو مغادرة المحافظة التي ولدوا فيها، ومازالوا يعلّقون آمالاً على استعادة الواحة الخضراء وخليجها النظيف، ولن يهدأ حراكهم حتى تحقيق مطالبهم. 

الأهالي في انتفاضة مستمرة 

تعود التحرّكات الاحتجاجية إلى عام 2015، حيث تشكّلت النواة الأولى للنشطاء البيئيين من أبناء الجهة التي طالبت بادئ الأمر في إطار حملة “سكّر المصّب – أغلق مصّب النفايات” بوقف سكبها في البحر، وتتالت إثر ذلك الاحتجاجات لتُرفع شعارات أخرى منادية بتفكيك وحدات المجمّع بأكملها لوقف تلويث البحر والبر والهواء. وتوّجت هذه التحرّكات بموافقة الحكومة في عام 2017 وإقرارها الانطلاق في خطة غلق الوحدات وتفكيكها. وانطلقت الدراسات آنذاك لفهم كافة انعكاسات هذا القرار تنموياً واقتصادياً وبيئياً والبحث عن موقع بديل للوحدات الجديدة. 

وذكر دبية في هذا الصدد، أنّه تم الاتفاق على تركيز الوحدات الجديدة في منطقة منزل حبيب التابعة لمحافظة قابس، بيد أنّ الأهالي الذين عاينوا كمّ التلوث واستحالة الحياة في قلب المدينة أعلنوا رفضهم لتكرار التجربة المريرة، وما زالوا يخوضون تحرّكات نضالية بدعم واسع من القرى المجاورة للحيلولة دون تطبيق هذا القرار. 

من جانبها بيّنت الناشطة بالمجتمع المدني، فريال مباركي، في حديثها مع “المفكرة”، أنّ الانتفاضة هذه المرّة لا تقتصر على الاحتجاج ضد سياسة دولة مارست عنفاً هيكلياً على محافظة بأكملها وحوّلتها إلى مقبرة، بل توجّه الاتهام صراحة لمنظمة الصحّة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والصندوق العالمي للطبيعة. واستغربت مباركي صمت الهياكل الأممية المعنية بالبيئة إزاء هذه الكارثة التي تتعمق يوماً بعد يوم، رغم تصنيف قابس كمنطقة ساخنة عالية التلوّث، مشيرة إلى أن التفسير المنطقي لذلك هو التواطؤ طالما تعد المواد الاستخراجية المتأتية من الجهة بضائع ثمينة بالنسبة للدول العظمى المؤثرة في القرار الأممي. واعتبرت أنّ الجهات الدولية متورّطة من خلال صمتها على “جريمة إبادة جماعية”، فالمنطقة تشهد إصابات بأمراض غير معروفة وترزح تحت إرهاب صحي يومي لا تستطيع مؤسسات الاستشفاء البسيطة والمفتقرة للأجهزة بالجهة تشخيصها أو علاجها. 

ولا يمكن التعلّل بالصعوبات المادية التي تمرّ بها البلاد، بالنسبة للناشطة، لتبرير تأخّر عملية إنقاذ السكان من شبح الموت الذي يحاصرهم. ونبّهت في هذا الصدد إلى أنّ دور المجتمع الدولي يتمثّل في دعم هذه المجهودات قبل أنّ تحلّ الكارثة بانفجار مصنع أو تسرّب غازات أو مواد مشعّة في الجهة. 

وتتوزّع مطالب هذا الحراك المجتمعي إلى قسمين، يتعلّق العاجل منها بالتحقّق من سلامة مسارات خزن المواد المتفجرة وتفقّد جميع المصانع والوحدات الطاقية بالمحافظة، وأما الهدف الأساسي فهو غلق المجمّع وفكّ تركّز المنشآت الطاقية بالتزامن مع خطة إنقاذ ما تبقّى من المحيط وإعادة غراسة الواحات وتطهير البحر. وطالبت حملة “أوقفوا التلوث”، المدعومة من المنظمات الوطنية، الدولة بالإيفاء بتعهّداتها السابقة في الغرض قبل تصعيد التحرّكات.

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تحقيقات ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مؤسسات عامة



لتعليقاتكم