في موسم البحر وكورونا.. في أية مياه يسبح اللبنانيون؟


2020-06-26    |   

في موسم البحر وكورونا.. في أية مياه يسبح اللبنانيون؟

"لا بد من الاعتراف أنّ هناك تحسّناً نسبيّاً في وضع الشاطئ اللبناني، بفضل انخفاض النشاط البشري نتيجة الحجر الصحي بسبب كوفيد-19 المستجد وتوقف بعض المصانع الملوّثة للشاطئ بين آذار وأول حزيران" وفق ما يؤكد الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزة لـ"المفكرة القانونية".

ويضيف حمزة "الأثر كان واضحاً على 50% من المواقع تقريباً" الواقعة على طول الشاطئ من أقصى الشمال في عكار الى أقصى الجنوب في الناقورة من بين الـ31 التي عمل مركز علوم البحار (التابع للمجلس) على فحص عينات منها بشكل دوري ومنتظم في الفترة الممتدة من حزيران/يونيو 2019 وحتى الشهر نفسه من العام 2020.

"لكن التحسّن لن يكون مستداماً" إذ يرجّح حمزة ارتفاع نسب تلوّث المياه مجدداً فور استئناف النشاط البشري وعودة الحياة الطبيعية. لكنه يجد أنّ "هذا الأثر يبرهن أنّ فترة قصيرة بدون ملوّثات كفيلة بتعافي البحر".

كلام حمزة، يأتي على خلفية التقرير الّذي أصدره المجلس الوطني للبحوث العلمية أمس الأربعاء 24 حزيران في مقره في العاصمة بيروت، عن "نوعية مياه الشاطئ اللبناني 2020".

وشمل التقرير الواقع في 12 صفحة، نتائج  المسوحات البحرية السنوية للشاطئ اللبناني التي بيّنت وجود 17 موقعاً بحرياً نظيفاً من أصل 31، ويُعدّ صالحاً للسباحة وممارسة النشاطات الشاطئية، وقليل التلوّث البكتيري والعضوي ويتمتّع بنوعية مياه ذات تصنيف جيّد إلى جيّد جداً، فيما تبيّن وجود 7 مواقع ملوّثة بشكل كبير أتى تصنيفها سيئاً ولا يمكن السباحة فيها، وسط وجود 6 مواقع ذات تصنيف حذر إلى حرج غير مأمون حيث تبيّن أنّ نسب التلوّث البكتيري في المياه متوسطة وهذه المواقع تتعرّض للتلوّث بشكل منقطع أو ظرفي، إضافة إلى موقع آخر في سلعاتا أوصى التقرير عدم السباحة فيه نظراً لقربه من معمل للكيماويات. 

وبحسب المركز فإنّ المعايير المعتمدة وفقاً لتوصيات منظمة الصحة العالمية لتصنيف مياه الشاطئ، هي: جيد جداً إلى جيد، أيّ من 1 اإلى 200 مستعمرة بكتيريا في 100 ملل من مياه البحر. حذر إلى حرج غير مأمون، أيّ من 201 الى 500. وملوثة إلى ملوثة جداً، أيّ أكثر من 500 مستعمرة بكتيريا.

وقد تنوّعت المواقع لتشمل: مسابح شعبية، نقاطاً بالقرب من مصبات الأنهر، شواطئ صخرية ورملية عامة وخاصة، نقاط قريبة من معامل صناعية، ونقاط قريبة من مصبات الصرف الصحي.

والمواقع المصنفة جيدة جداً (أيّ صالحة للسباحة) هي: شاطئا البحصة والرملي في جبيل وشاطئ الأحلام الخاص في المنية وحمى البترون قرب المركز الوطني لعلوم البحار وشاطئ هافانا الخاص في الرميلة والشاطئ الرملي في الدامور وشمال مرفأ الناقورة وشاطئ محميّة صور.

أما المواقع المصنّفة جيدة (صالحة للسباحة) هي: الشاطئ الأزرق الخاص في الهري، والنقطة الواقعة بين مرفأ الصيادين الجديد والريفييرا في بيروت، وجنوب الملعب البلدي في طرابلس، قرب مصب نهر ابراهيم في العقيبة، الشاطئ العام في البوار، أسفل شير الصفرا، المعاملتين – شاطئ تماري الخاص في جونية، شاطئ بانجيا الخاص في الجية، والشاطئ شمال مصب نهر الأولي. 

والمواقع الملوّثة (أيّ غير صالحة للسباحة) هي: القليعات في عكار، والميناء مقابل جزيرة عبدالوهاب في طرابلس، فيما يعتبر المسبح الشعبي في طرابلس والشاطئ قرب المرفأ في ضبية وقرب مصب نهر انطلياس الرملي وأسفل منارة بيروت وشاطئ الرملة البيضة الشعبي في بيروت ملوثة جداً.

والمواقع الحذرة (أيّ صالحة للسباحة بحذر) هي: دير الناطور في انفة، والشاطئ الشعبي في عمشيت، والمسبح الشعبي في جونية، أما المواقع الحرجة (أيّ أنّ السباحة غير مأمونة) هي: المسبح الشعبي في صيدا والشاطئ الشعبي في الصرفند، فيما صنف من جيد إلى حذر (صالح للسباحة) تحت جسر الفيدار واعتبر الشاطئ الشعبي في سلعاتا معرضاً للتلوث الكيميائي ولذلك هو غير صالح للسباحة.

تطوّر إيجابي؟

وفي مقارنة مع الأعوام الثلاثة الأخيرة يتبيّن، وفق التقرير، أنّ موقع الهري/ الشاطئ الأزرق وموقع الأولي قد تحسن تصنيفهما من حذر إلى جيد، في المقابل، تراجع تصنيف موقع الملعب البلدي في طرابلس وموقع جونية/ المعاملتين من جيد جداً إلى جيد، وموقع أنفة/ دير الناطور والفيدار من جيد الى حذر.

ويقول مدير المركز الوطني لعلوم البحار الدكتور ميلاد فخري لـ"المفكرة" إنّ "هذه التغيّرات التي حصلت طفيفة جداً، لذا فإنّ النتائج الجديدة مقارنة بالأعوام السابقة هي مشابهة، باستثناء الأشهر الأربع الأخيرة من 2020، مثال على ذلك تراجع التلوث في شاطئ الرملة البيضا في بيروت لكنه بقي ملوث جداً". 

ويضيف فخري "تطوّر ملحوظ تبديه بلديات بعض المدن مثل جبيل جونية وعمشيت وصيدا وصور، حيث عمد بعضها الى إقفال مصبّات الصرف الصحي التي تلوّث مياه الشاطئ (صيدا مثالاً) أو حولتها مع بداية فصل الصيف الى نقطة بعيدة عن مراكز السباحة، وأنشأ بعضها ممرات لتسهيل الوصول الى الشاطئ الرملي بالرغم من معارضة المجمعات السياحية في بعض الأماكن، وهذا كلّه يخفف من نسب التلوث ويضبط نوعية المياه.

كورونا

في أيار/مايو الماضي اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بفتح المسابح الخاصة شرط تجهيزها بمادة الكلور وحظرت ارتياد الشواطئ والسباحة في مياه البحر. واستند وزير الداخلية محمد فهمي آنذاك إلى أنّ "الشاطئ اللبناني ملوّث لأسباب عدة ومنذ زمن بعيد، وكوفيد-19 يعيش في هذا التلوث"، فيما عادت مع بداية حزيران/يونيو وفتحت الشواطئ المخصصة للسباحة في المرحلة الرابعة من تخفيف إجراءات التعبئة العامة.

إلّا أنّ تقرير المجلس يؤكد على أنّ الدراسات العلمية في آسيا وأوروبا وأميركا لم تؤكد إمكانية إنتشار فيروس كورونا المستجد في مياه البحر أو إمكانية انتقاله إلى الكائنات البحرية الحية (الأسماك، الصدفيات والرخويات) أو الى البشر الّذين يمارسون السباحة أو الغطس.

وبحسب التقرير فإنّ خصائص التخفيف والإذابة ووجود الملح بنسب عالية (39 غرام في الليتر الواحد) وحركة الأمواج المستمرة وأشعة الشمس فوق البنفسجية من شأنها أن تفكك تركيبة الفيروسات في مياه البحر، كما أثبتت بحوث عالمية على أنواع مماثلة لفيروس كورونا.

انطلاقاً من ذلك، يؤكد فخري على "ضرورة الإبتعاد عن مجاري الصرف الصحي المؤذية لصحة الإنسان وتطبيق التباعد الاجتماعي في البحر كما في البر، ولا تخافوا من السباحة في البحر".

ماذا عن السمك البلدي؟

في ظل الضائقة المادية التي تمر بها البلد وارتفاع أسعار اللحوم، توجّه البعض لاستهلاك أنواع مختلفة من الأسماك البلدية إذ إنّ أسعارها لا تزال مقبولة في ظل الغلاء الفاحش في أسعار السلع الغذائية. وفي هذا السياق، ذكر التقرير أنّه لا خوف على الثروة السمكية وثمار البحر التي يتمّ صيدها بعيداً عن مصبّات الصرف الصحي أو الصناعي فهي سليمة وغير ملوّثة، إذ بيّنت تحاليل تركيزات المعادن الثقيلة في الأحياء البحرية (أسماك وصدف وقشريّات) والمأخوذة من ثلاث مناطق (طرابلس، بيروت وصيدا) أنها أقل من الحد الأقصى المسموح به وفق المفوضية الأوروبية للمعادن الثقيلة في العلف والطعام (EURL).

أما بالنسبة إلى تكاثر قناديل البحر فإنّ أسبابه تعود إلى الدورة البيولوجية للقناديل وإلى تزايد الملوّثات العضوية التي تتغذّى منها كما أن انتشار النفايات الصلبة على سطح البحر تشكل عاملاً حاضناً لنموها وتكاثرها. كما ذكر التقرير أنّ انتشار بعض أصناف الأسماك الغازية في المياه اللبنانية (سمك نفيخة وسمك الأسد) واندثار أصناف محلية (سلطان إبراهيم وجربيدي وغيرها) يرتبط بتلوث مياه البحر والتغير المناخي.

أصل المشكلة 

منذ 36 سنة والمركز الوطني لعلوم البحار يقوم بمسح التلوّث على طول الشاطئ، وفي الأعوام الثلاث الأخيرة، أثارت النتائج قلق وخوف الناس بشكل كبير لاسيّما من تبعات إنشاء مطامر النفايات البحرية في الكوستابرافا والجديدة والمكبات العشوائية. ومع ذلك، لم تحرّك الإدارات المعنية، وما أكثرها، ساكناً ولم تقدم على تنفيذ أي إجراء من شأنه خفض تلوث الشواطئ.

ويرى حمزة، أنّ المشكلة الأساسية تكمن في "ضياع الصلاحيات"، فالإدارات المعنيّة كثيرة، وهي وزارات: البيئة والصحة والزراعة والأشغال والسياحة والداخلية، إضافة إلى مجلس الإنماء والإعمار، "هذا التعدد مؤذي ويشتت الصلاحيات، والتنسيق هو بدعة بيروقراطية لم تأت بنتائج، لذلك لا نزال نراوح مكاننا بدون أيّ تقدم ملموس. ولكي نتقدّم لا بدّ من إيجاد هيئة تتمركز فيها الصلاحيات".

من جهة ثانية، يشير التقرير إلى أنّ تلوّث المياه يعود مصدره بشكل رئيسي إلى مياه الصرف الصحي التي تصبّ جميعها في البحر. ويقول حمزة إنّ "المشكلة تتكرّر نتيجة غياب محطات تكرير الصرف الصحي وهذا ما لا يمكن حله إلّا بالسياسة، إذ وجودها يثير الريبة لدى السكان المجاورين لها، فيعتبرون منطقتهم ساقطة سياحياً وعقارياً". وذلك بالطبع نتيجة غياب ثقة الناس بمن في السلطة والفساد المعشعش في غالبية الإدارات العامة. علماً أن حمزة أكد لـ"المفكرة" أنّه "في حال إنشائها بطريقة علمية لن تتسبّب بأيّ ضرر على الناس". 

يضيف حمزة أنّ "المؤسف في الموضوع أنّ أغلب النقاط الملوثة هي قريبة من المسابح الشعبية، وهذا ما يزيد الضغوطات على المواطنين". وهنا لا بد من التذكير بأنّ العينات المأخوذة للاختبار، ليست من مصبّات المياه الآسنة والمجارير أو من مكبات النفايات الصلبة كونها ملوثة بالطبع ولا حاجة لتأكيد تلويثها.

هذا، ويعتبر القيّمون على التقرير أنّ استحداث خمس مواقع جديدة هذا العام لا يعد كافياً، فالطموح هو الوصول إلى 100 موقع على طول الشاطئ كي تكون النتائج معبرة أكثر، وهنا لا بد من التأكيد على أنّ النتائج محصورة بالموقع المأخوذة العيّنات منه ولا تشمل المنطقة ككل.

الوصول إلى هذا العدد، يقابله حواجز وصعوبات راهنة، بحسب حمزة الذي يقول إنّ "زيادة المواقع بحاجة إلى إمكانات علمية والأهم بشرية، ونحن في المجلس ليس لدينا القدرة على التوظيف، ولا عديد كاف لإجراء تحاليل أكثر".

ماذا عن الحكومة؟

يوجد في لبنان 5 محطات تكرير لمياه الصرف الصحي، في كل من طرابلس والبترون وجبيل والغدير وصيدا، غالبيتها تعمل بشكل جزئي (المرحلة الأولى) ودون طاقتها، ومعظمها غير موصول بالشبكة التي يفترض معالجتها، والحل الوحيد برأي حمزة "إيجاد 10 محطات تكرير على طول الساحل تعمل بكامل طاقاتها، لتخفيف الضغوطات خصوصاً في المدن الكبرى والمناطق التي فيها مرافئ كبيرة، ومعالجة مكبّات النفايات الصلبة الموجودة في طرابلس والكوستابرافا والجديدة" لافتاً الى أنّ كلفة مشروع المحطات متوفر بمساعدات خارجية (غالبيتها) ومتوفّرة لدى الدولة اللبنانية. وهذا ما يطرح علامات استفهام كثيرة حيال سبب التأخر في إيجاد وتفعيل هذا الحل والمنحى الّذي اتخذته هذه الأموال.

الوزارات

تعقيباً على النتائج، أشار وزير البيئة دميانوس قطار، في كلمة خلال المؤتمر إلى أنّ "المعلومات المطروحة قد تسيء ربما للسياحة! لكنها مفيدة جداً لحماية صحة الناس والأهم من ذلك لطرح برنامج معالجة يفترض أنّ يبدأ بعد هذا اللقاء"، معرباً عن ألمه لمحاصرة الشاطئ الشعبي في طرابلس ومناطق أخرى بهذا التلوّث من الصرف الصحي. لكن الوزير لم يتطرّق إلى النقطة الأهم في هذا الموضوع، وتتعلّق بماهية برنامج المعالجة، والآليات التي ستعتمد أو الإجراءات التي وضعت لهذه الغاية.

 بدوره اعتبر وزير السياحة والشؤون الإجتماعية رمزي المشرفية، أنّ المعلومات العلمية التي تمّ عرضها "تستحق أن تصل إلى الجميع" آسفاً لأنّه "لا يزال هناك مصبّات للصرف الصحي ونفايات صلبة على شواطئ لبنان بدون أيّ معالجة، لاسيّما أنّ التلوث يصيب الأسماك ويترك أثراً على الإنسان لناحية الغذاء والصحة".

وبعد عرض التقرير، غادر قطار والمشرفية، بعد أنّ أعرب الأول عن مخاوفه من تراخي القوى والسلطات المعنية فيتراجع تصنيف المناطق. سُئل حمزة، عن مسألة الخطوات المقبلة والعملية، فأجاب أنّ هذا التقرير سيرفعه الى رئيس الحكومة، الّذي حضر عنه الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمود الأسمر، بانتظار أي تطور جديد. فهل سيكون مصير هذا التقرير كالتقارير السابقة في أدراج المعنيين أم أنّه سيأخذ حيزاً ولو صغيراً من اهتمامات الحكومة التي أمامها تحدّيات اقتصادية ومعيشية كبيرة في الأيام المقبلة.

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *