في عيدها الوطنيّ: المرأة التونسية وحقوقها بين الواجهة السياسية للنظام البائد ومأزق الإنتقال الديمقراطي


2015-08-17    |   

في عيدها الوطنيّ: المرأة التونسية وحقوقها بين الواجهة السياسية للنظام البائد ومأزق الإنتقال الديمقراطي

تحتفل المرأة التونسية في 13 أوت من كل سنة بعيدها الوطني. يستمدّ تاريخ الاحتفال رمزيته من اقترانه مع تاريخ صدور مجلة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1956، تلك المجلة التي صدرت بعد أقل من أربعة أشهر من استقلال البلاد التونسية. مثلت مجلة الأحوال الشخصية ثورة حقيقية في مجال حقوق المرأة والأسرة التونسية. فقد ألغت أحكامها تعدّد الزوجات الذي كان معمولاً به قبل الإستقلال وأقرت مبدأ الطلاق القضائي وغيرها من الحقوق التي تظلّ مفخرة التشريع التونسي في هذا المجال. إلا أن ذلك لا يمكن أن يخفي عنا مدى استغلال نظام الاستبداد في تونس لهذه المكتسبات من أجل التغطية على طابعه القمعي.

التوظيف السياسي "لمكاسب" المرأة
كانت مكاسب المرأة من المواضيع التي وظّفتها آلة الدعاية الإعلاميّة والسياسيّة في تونس طيلة الحقبة الاستبداديّة للتغطية على الاستبداد السّياسيّ وسوء الاختيارات الاقتصاديّة. ولم يكن رفع الشّعارات المنادية بضرورة تحرّر المرأة ومساواتها بالرّجل تعبيراً عن وعيٍ حقيقيّ بقيم الحرّيّة والمساواة والدّيمقراطيّة. لقد قدم رئيس الجمهورية الأسبق زين العابدين بن علي نفسه دائماً على أنه "حامي حمى حقوق المرأة". فوظف هذه المسألة في الداخل والخارج للظهور بمظهر "النظام العصري التحديثي". ويرى محلّلون كثيرون أنّه كان لهذا التوظيف وهذا الصراع ضد الإسلاميين انعكاسات هامة على مسيرة الحركات النسائية. بل يصل الأمر الى حدّ يتهم معه بعض المثقفين هذه الحركات (حقّاً أو باطلاً) سواء منها الرسمية التابعة للنظام أو الديمقراطية الخارجة نسبيا عن نطاق سيطرته المباشرة بأنها كانت تمثل في مجموعها نوعا من الواجهة التي استخدمها بن علي على مدى عقدين لتجميل صورته.

نضال المرأة التونسية رغم الاستبداد
رغم آلة القمع والتزييف، فإنه كان للمرأة التونسية أدوارٌ بارزةٌ  كمدافعة عن حقوق الإنسان وكناشطة من أجل الديمقراطية سواء قبل الثورة أو بعدها… وقد دفعت الكثير من النساء المناضلات من أجل العدل والمساواة بالفعل في تونس من مصائرهن. وشهدت العديدات منهن استهداف عائلاتهن بالقمع والعنف  والإبعاد. ومن بين هؤلاء، راضية النصراوي وهي محامية وناشطة حقوق إنسان وترأس الجمعية التونسية لمناهضة التعذيب وقد انتخبت في 23 أكتوبر 2014 عضوا خبيرا في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. ومن بينهن أيضاً، القاضية كلثوم كنو الرئيسة الشرفية لجمعية القضاة التونسيين وأول امرأة تترشح للانتخابات الرئاسية في تونس بعد الثورة، وغيرهما كثيرات. وهكذا استحقت هؤلاء النسوة من خلال تضحياتهن مكانة مرموقة في تونس. كما  أفتككن قبل الثورة ولو مساحة قليلة من أجل فرض أصواتهن في عملية بناء مجتمع  جديد أكثر ديمقراطية وعدالة.

ولتقدم  المرأة  في النضال السياسي  في تونس والمكانة المرموقة التي تحظى  بها والتي مكنتها من تبوؤ مناصب متقدمة في الدولة والمجتمع ثم الحصول على مبدأ التناصف العمودي بين الرجال والنساء في قائمات انتخاب المجلس التأسيسي ثم مجلس نواب الشعب وتحول هذا المكسب إلى مبدأ دستوري، وهي مسالة نادرة في دساتير العالم، كلها أمور لها أسبابها ومستنداتها الاجتماعية والسياسية. فالمكانة التي تحظى بها المرأة  التونسية  في مواقع الشغل والحياة العامة وساحة النضال السياسي هي في الواقع  جزء من مكانتها في البلاد بشكل عامّ.  

نحو أفق جديد
 إذا كان صحيحاً أن وضعية المرأة في تونس هي أفضل الوضعيات في العالم العربي، وأنها نموذج لا بد أن يحتذى من قبل كل البلدان العربيةكما أكد على ذلك المفكر التونسي الراحل عبد الوهاب المؤدب في كتابه "مرض الإسلام" La maladie de l’islam   الصادر في 22 فيفري 2002، وإذا كان صحيحاً أيضاً أنّ تونس قد حققت على مدى العهد  البورقيبي وما بعده للمرأة عموماً هوية مدنية قوية، إلا أنّ  كثيرا من المتابعين رغم ذلك يخشون من أن تقود الديمقراطية الناشئة في كل البلدان التي عاشت تجربة ما يسمى بالربيع العربي إلى تراجع وضعية المرأة رغم ترسانة القوانين التي تحميها سواء في الدستور الجديد أو في مجلة الأحوال الشخصية في الحالة التونسية. لقد كان هذا التخوّف واضحا في كل المنتديات والمؤتمرات التي انعقدت في السنوات الأخيرة حول واقع المرأة في  البلدان العربية وتحدياتها وخاصة حول تهديد المكاسب الموجودة في البلدان العربية التي عاشت ثورات… لقد طغا التخوّف من المستقبل والحديث عن وجود تهديدات لمكاسب المرأة أيضاً على جلّ المقالات المنشورة في الحقبة الأخيرة وخاصة تلك التي تكتبها النساء مع الدعوة إلى محافظة الدولة على دورها في دعم حقوق المرأة القانونية والاقتصادية والاجتماعية. ويخطئ من يتعامل مع مخاوف النساء على أنها مجرد أوهام أو رهاب نسوي. وهذا ما نقرؤه في حديث للناشطة الحقوقية راضية النصراوي بعد سنتين فقط من الثورة وفي حوار أجري معها على قناة فرنس 24 في 23 أكتوبر 2013 حيث جاء: "إن العديد من الأوساط السياسية والحقوقية في تونس أصبحت قلقة مما وصفته بتراجع منظومة مكتسبات المرأة في تونس خاصة مع تفشي بعض  الظواهر الغريبة عن المجتمع مثل تعدد الزوجات والزواج العرفي". وبشكل عام، فانّ ما نشاهده هو أن تغييرا ربما يكون بصدد الحصول بشكل صامت محتشم اليوم ولكن قد يكشف عن وجهه بشكل أكثر تحديّا وإصراراً من خلال  التشجيع على تغيير المشهد الاجتماعي في تونس في اتجاه تقليص حضور المرأة في الفضاء العام كالمقاهي والمنتديات العامة والشواطئ. فقد تداولت الصحف التونسية في هذا الإطار أخبارا عن تعرض عدد من الفتيات والنساء المصطافات في الصائفة الماضية بكل من شاطئ مامي وكاب زبيب التابعين لمعتمدية راس الجبل من ولاية بنزرت الى تهديدات من قبل بعض المتشددين دينياً مما تسبب في إحداث فوضى.وإنقاذا للموقف استنجدَ البعض منهنّ بقوات الأمن الذين حلوا على عين المكان وألقوا القبض على 13 عنصرا متشددا. كما تمّ إلقاء القبض على شخصين آخرين ليلا في منطقة كاب زبيب شاركا في هذه الأحداث وفق إفادة قدمتها إذاعة "شمس آف آم" المحلية بتاريخ 10 اوت 2014.

وبقطع النظر عما يحمله المستقبل الذي لا أحد يمكن أن يتنبأ بتفاصيله، لا يكفي العمل الفرديّ أو التضحيّات الفردية من النوع الذي عرفناه قبل الثورة والذي كان له بلا شك قيمته في الحدّ من الاستبداد واستثماره لقضية المرأة للتغطية على جرائمه. فنحن في حاجة أوّلا إلى العمل المؤسسي الذي تضطلع به مكوّنات المجتمع المدني وخاصة الجمعيّات النّسائيّة من خلال نضالهن في سبيل توعية سائر الفئات الاجتماعيّة بأهمّيّة دور المرأة في المجتمع وبقيمة مفهوم المواطنة الذي على أساسه يتساوى جميع التّونسيّين حتّى لا يقتصر هذا الوعي على الأقلّيّة من النّخبة المثقّفة. ومن الضّروريّ أن يكون اهتمام المرأة بقضيّتها اليوم اهتماماً ذاتيّاً لا يخضع لأيّة سلطة ولا يعتمد وسيلة لخدمة أيّ طرف سياسيّ علمانيا كان أو إسلاميا. كما أنه من الضروري أن تخرج المنظمات النسوية من موقعها النخبوي الذي حولها إلى نوع من النوادي المغلقة ذات التوجه الأحادي والمرتبط نشاطها عموما بالعاصمة والمعزولة عن أي عمق اجتماعي نضالي حقيقي والمغرقة أحيانا في الجانب القانوني والمنقطعة عن الحقل العمالي النقابي وعن العمق الريفي الداخلي الذي اكتشفنا بعد الثورة جهلنا به من خلال نسب البطالة والتهميش المرعبة التي فتحت الثورة أعيننا عليها. ولا يكون ذلك إلاّ باستيعاب المعنى العميق للانتقال الدّيمقراطي. انه بفضل هذا النضال الواعي والجماعي والمهيكل، يمكن التصدي لكل دعوات التراجع والنكوص التي تلوح بوادرها في أفق مضطرب غامض بفعل تصورات ماضوية تستعمل العنف السياسي. لا احد اليوم أحرص من المرأة على الدفاع عن حقوقها. فمهما كانت تقدمية الرجال وانخراطهم في الدفاع عن حقوق النساء، فإنه لا أحد قادر على تعويضها في تبين خصوصياتها وقضاياها لأنها صارت  تمتلك كل الأدوات السياسية والمعرفية التي تمكنها من الاضطلاع بهذا الدور بعيداً عن هيمنة الرجال ووصايتهم على قضايا النساء.

تعددية نسوية
 اخيراً، يبدو أنّ اللّحظة الحقيقيّة لبدء نضال نسائيّ حرّ قد حانت في اتجاه التعدد والبعد عن احتكار  النضال النسوي من قبل مجموعة من النساء القريبات كلهن من حساسية يسارية واحدة من أجل تعدد نسوي يجمع في منظمة واحدة أو في عدة منظمات حساسيات متنوعة علمانية أو ماركسية أو قومية أو حتى إسلامية، وإنّ هذا النّضال سيتّخذ قيمته الجوهريّة من كونه نتاج ثورة التّونسيّين من أجل حرّياتهم وحقوقهم بعيداً عن نموذج السلطة البائدة التي كرست نضالا فاسدا خلف لدى كثير من التونسيين صورة قاتمة عن المرأة المناضلة في الحقل النسوي.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية