في ظل فوضى السلاح وغياب الدولة: الصحافيون الليبيون فريسة الإعتقال والإختطاف والتعذيب والإخفاء القسري


2016-03-10    |   

في ظل فوضى السلاح وغياب الدولة: الصحافيون الليبيون فريسة الإعتقال والإختطاف والتعذيب والإخفاء القسري

تعيش ليبيا على وقع الانقسام السياسي والفوضى وانتشار السلاح بالاضافة الى الصراعات المسلحة في أغلب مناطقها. حالة الفوضى هذه جعلت العمل الصحفي في البلاد خطرا للغاية ومحلّ انتهاكات جسيمة. انتهاكات تجاوزت الحد من حرية التعبير وضرب استقلالية الاعلام إلى استهداف حرمة الصحافيين والإعتداءات المتكررة جسديا ومعنويا والتهديد بالقتل كما التصفية الجسدية للصحافيين.حاولنا انطلاقا من معطيات المركز الليبي لحرية الصحافة رصد مؤشرات إحصائية حول هذه الإعتداءات.

وسجل  في هذا السياق خلال الثلاثية الأخيرة من سنة 2015 بالمنطقة الغربية من ليبيا ستة وعشرون انتهاكاً تمثلت أساسا في:

1/ التهديد أو الشـروع في القتل: خمس حالات،
2/ الإعتقال التعسفي والإخفاء القسـري: سبع حالات،
3/ حوادث الاختطاف والتعذيب: خمس حالات،
4/ تهديد ومنع من العمل: أربع حالات،
5/ إعتداء على وسائل إعلامية: أربع حالات.

أفادنا القائمون على المركز الليبي لحرية الصحافة أن عملهم الرصدي كشف لهم أن طرابلس هي المدينة الأكثـر تسجيلاً للوقائـع والانتهاكات. أما الجهة الشرقية من ليبيا، فقد سجلت 73 حالة إعتداء على الحريات الاعلامية خلال الربع الأول للعام 2015 منها حسب المركز الليبي لحرية الصحافة :

1/ سبعة حالات اعتقال قسري للصحفيين
2/ ست عشرة حالة تهديد ومنع من العمل
3/ خمس عشرة حالة إعتداء ضد وسائل اعلامية
 
فيما تعلقت بقية الحالات باقتحام وسائل إعلامية وتوقيف قسري لصدور العشرات الصحف، وتوقيف قسري لعمل عدة محطات إذاعية.

وقد تصدرت مدينة بنغازي حوادث الإنتهاك أبرزها حالات الإعتقال القسري التي تعرض لها عدة صحفيين ونشطاء على أيادي قوات الكرامة والتي أصبحت سمة بارزة بالمدينة. وتنوعت الحوادث بين حالات الاعتداء على مؤسسات إعلامية وحالات الاعتقال القسري والمنع من العمل.
تؤكد هذه المؤشرات على بساطتها ما كشف عنه تقرير لمنظمة مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة في العالم لسنة 2014[1] من تراجع ترتيب دولة ليبيا في سلم الترتيب العالمي لحرية الصحافة الى المرتبة (131) من بين (179) دولة التي يشملها المسح.

انتقلت ليبيا بفعل ما أعقب ثورة فبراير من مرحلة الدولة الإستبدادية التي تمنع حرية الإعلام وتعتمد الدعاية الاعلامية إلى حقبة سيطرة الميلشيات وأصحاب النفوذ على المشهد السياسي والإعلامي في ظل شبه غياب لمفهوم الدولة. وأدى هذا المعطى إلى ظاهرتين تتمثل الأولى في تحول الصحافة إلى مهنة خطرة وثانيهما في تطور الرقابة الذاتية كوسيلة قمع ذاتي لحرية الاعلام.

1/ الصحافة مهنة خطرة:

 يعد العمل الصحفي في كل ليبيا من الأعمال الخطرة بمعنى انه عمل تقدر مراكز النفوذ خطورته، فتسعى للتحكم فيه وهذا البعد الأول للخطورة. أما البعد الثاني فيتمثل في كونه عملاً يعرض من يحترفه للخطر.

أ‌-        السيطرة على الاعلام

تعتبر أغلب وسائل الإعلام الليبية خاصة منها السمعية البصرية مملوكة لأصحاب أعمال أو لهيئات حكومية. فأغلب الإذاعات الخاصة في كامل ليبيا يمتلكها أصحاب أعمال أغلبهم ينتمون إلى تيارات سياسية أو فكرية معينة وهو ما يجعل المضمون التحريري لما تقدمه هذه المنصات موجها بشكل أو بآخر. كما أن غالبية التلفزات الليبية تبث من الخارج الليبي سواء من الأردن أو قطر أو تركيا أو مصر، وكلها أيضا مملوكة لأصحاب اعمال بعضهم ينتمون الى أحزاب سياسية. وهو ما يجعل التعاطي الإعلامي مع الأحداث في ليبيا محكوماً بأجندات سياسية معينة. ويوجد في الداخل الليبي بعض القنوات الخاصة والتابعة للحكومة وتخضع الى سيطرة إما رجال الأعمال أو أطراف سياسية بعينها أو سلطة الحكومة، وهو ما يقلّص من هامش الاستقلالية والحياد في تعاملها مع واقع الاحداث على الأرض، خاصة المتعلقة بالوضع السياسي والميداني والعسكري.

ب‌-      أن تكون إعلاميا فهذا يضاعف من التهديدات

عبرت منظمات حقوقية ومدنية معنية بحرية الإعلام في ليبيا منها المركز الليبي لحرية الصحافة عن خشيتها وخوفها على سلامة الصحافيين المراسلين والمصورين الصحفيين بمدينة بنغازي جراء تربص مسلحين ينتمون لتشكيلات عسكرية عدة بهم بالاضافة الى المعاملة غير الانسانية التي يتعرضون لها من قبل جنود نظاميين وغير نظاميين لا يمتثلون لأي أوامر أو سلطة القانون. وقد تكررت مرارا حوادث الاعتقال التعسفي والتعذيب التي يتعرض لها صحافيون والعاملون بالإعلام إضافة إلى حوادث الإعتداء بالضرب والتحقيق معهم بشكل غير قانوني أثناء أدائهم لعملهم. وكان آخرها اعتقال مراسل قناة "ليبيا" بدر الرابحي من قبل جنود يتبعون كتيبة التحريات الصاعقة ببنغازي الذين اقتحموا منزله يوم 15 -1-2016 وقاموا باعتقاله واحتجازه كما قاموا بتعنيفه جسديا ومعنويا قبلما يتم اطلاق سراحه بعد تدخل عدد من المسؤولين. كما تعرض الصحفي  “م ، ص” لحادث اعتقال مشابه على أيدي مسلحين يتبعون إحدى التشكيلات المسلحة ببنغازي اعتقلوه واعتدوا عليه جسديا وقاموا بتعذيبه لمدة أسبوع كامل في أواخر ديسمبر الماضي.

وفي بداية شهر فبراير 2015 اقتحم ضباط أمنيون منازل أربعة صحفيين كانوا يعملون براديو أجواء ببنغازي واقتادوهم بقوة السلاح بعد منتصف الليل إلى مقر أمني بالمدينة وحققوا معهم لساعات طويلة عن سبب عملهم براديو أجواء دون توجيه أية تهم محددة بحسب توثيقات المركز الليبي لحرية الصحافة. كما تعرض في نفس الفترة الناشط الإعلامي يوسف الترهوني لحادث اعتقال قسري دام خمسة أيام في سجن برسس شرق ليبيا في ظروف اعتقال صعبة وسيئة للغاية. وقال الترهوني لوحدة الرصد والتوثيق التابعة لمركز حرية الصحافة الليبي إنه تعرض لظروف اعتقال صعبة هو وأخوه دون أي حجة قانونية من قبل مسلحي قوات الكرامة، وقد تم اقتحام بيتهم ليالً اقتيادهم إلى مقر أمني ومن ثم نقلهم إلى سجن برسس بشكل قسري. كما تم اعتقال الصحفي الليبي أحمد الهادي دنقو من طرف مسلحين في الغرب الليبي وتم اقتياده الى سجن طمينة بضواحي مدينة مصراته شهر أكتوبر 2014 وسط تكتم السلطات في طرابلس بشأن مصيره. كما  تعرض مبنى قناة النبأ الاخبارية بطرابلس الى الاستهداف بقذائف الار بي جي فجر يوم 09-02-2014، تسبب في خسائر مادية وتعرض راديو الجوهرة بطرابلس في نفس الفترة لحادث اعتداء باقتحام مقره وسرقة عدة. وفي مساء 13-02-2014 سيطر مسلحون محسوبون على تنظيم الدولة على عدة مرافق إعلامية محلية بمدينة سرت شرق طرابلس. وفي بنغازي تعرض راديو سنابل المتخصص في الإعلام الموجه للأطفال لحادث اقتحام حيث تمت السيطرة على مقره بمنطقة املاجو ري من قبل مسلحين ينتمون لقوات الكرامة يوم 03-03-2014. وطالت الإعتداءات موقع بوابة الوسط الإخباري الإلكتروني ورئيسة تحرير صحيفة فسانياسليمة بن نزهة، وهي صحيفة محلية تصدر بمدينة سبها ومقر محطة الارسال الاذاعي والتلفزيوني بجنوب غرب مدينة سبها. بالاضافة الى تعرض العديد من الاعلاميين والنشطاء للتهديدات بشكل مباشر عبر هواتفهم وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وتعرض عدة مراسلين صحفيين للإعتداء والمنع من العمل. وقد تسببت كل هذه المضايقات والانتهاكات في تزايد الرقابة الذاتية التي يفرضها الصحفيون على أنفسهم.
 
2/ الرقابة الذاتية : الحرية تقتل في المهد

أدّى النظام الاستبدادي الفردي الذي حكم به العقيد معمر القذافي ليبيا إلى تحول استبطان الصحفي لمقص الرقيب شرطا ضروريا لممارسة مهنة المتاعب بليبيا.فرضت منظومة الحكم الاستبدادي محاذير في نقل الخبرعلى الاعلاميين، يؤدي تجاوزها لتعريضهم وأسرهم للاضطهاد. وأدى القمع المركز والمؤسساتي لأن استبطن الصحفي الرقيب في ذاته؛ فباتت الرقابة الذاتية أكثر حضورا وبروزا من رقابة المؤسسة وإن كانت تتم وفق شروطها. كان ينتظر بعد الثورة أن يتراجع فعل الخوف بما يحرر سلطة الاعلام. وبرزت في بداية الثورة مؤسسات اعلامية جادة وجريئة في طرحها لكن سريعا وبفعل سيطرة المليشيات وغياب دولة القانون، عادت الرقابة الذاتية الى سالف عهدها مع تطور في الجهات التي يخشى التعرض لها .
 
خلاصة

يبدو الحديث عن حرية الاعلام في بلد لم يتعود الحرية ويقع في نزاعات مسلحة عنيفة من قبيل الترف  صعب المنال، وإن كان الاعلام الحر يبدو المخرج الوحيد من الازمة الليبية بما يمكن أن يلعبه من دور في خلق رأي عام يعارض فوضى السلطة والسلاح. وقد ينهض الامل في الاتفاق السياسي ليحقق قيام مؤسسات الدولة التي عليها ان توفر ضمانات حرية الاعلام .
 



[1]الترتيب العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره مراسلون بلا حدود يمثل أداة مرجعية ويتمحور حول سبعة مؤشرات هي مستوى الانتهاكات، ومدى التعددية واستقلالية وسائل الإعلام، والبيئة والرقابة الذاتية، والإطار القانوني والشفافية والبنية التحتية،
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية