في ظاهرة مماثلة للوقفة الاحتجاجية لقضاة مصر في 2005: مئات القضاة والمحامين يرافقون قاضيا في جلسة تأديب في المغرب


2014-06-06    |   

في ظاهرة مماثلة للوقفة الاحتجاجية لقضاة مصر في 2005: مئات القضاة والمحامين يرافقون قاضيا في جلسة تأديب في المغرب

"بتاريخ 03/06/2014 أدرجت قضية المستشار د. محمد الهيني لأول جلسة تأديب أمام المجلس الأعلى للقضاء، على خلفية آراء نشرها على صفحة الفايسبوك. فمثل فيها مؤازرا بمئات القضاة والمحامين وفعاليات حقوقية ومدنية واسعة في سابقة تعد الاولى من نوعها في تاريخ القضاء المغربي حيث ضاقت جنبات قصر المامونية (وزارة العدل) بمئات الحاضرين الذين جاءوا للتعبير عن تضامنهم معه ومع جيل كامل من القضاة آمنوا بحقهم في التعبير… وقد تحولت هذه المتابعة التأديبية إلى شرارة بثت روحا جديدة في الحراك القضائي المغربي الذي أبى إلا أن يتحدى كل التضييقات، فالطريق إلى بناء سلطة قضائية مستقلة وقوية لا يزال طويلا ويحتاج إلى مزيد من الجهود والتضحيات". بهذه الكلمات اختتم القاضي الناشط أنس سعدون مقاله دعما لقضاة الراي الذين يتعرضون لملاحقات تأديبية، وهي كلمات تعث على الأمل باستمرار الحراك القضائي في المغرب، رغم كل التضييقات. وهي كلمات تستحضر طبعا احدى أهم تجارب القضاة الاستقلاليين في مصر، يوم أتى آلاف القضاة في أثوابهم يناصرون المستشارين هشام البسطويسي ومحمود مكي لحظة مثولهما لجلسة تأديب مشابهة على خلفية نشر مقالات تتصل بتورط قضاة بتزوير الانتخابات النيابية في مصر. المفكرة تجدد تضامنها الكامل مع قضاة الرأي الساعين الى اصلاح القضاء وتدعو جميع قرائها الى المساهمة لاعطاء قضايا هؤلاء الحيز الذي تستحقه في التخاطب العام (المحرر). 
 
يبدو أن سيل المتابعات التأديبية للقضاة بالمغرب لن يتوقف، خاصة مع انطلاق موسم جديد من الملاحقات التأديبية التي همت عددا من القضاة ضمن ما بات يعرف بقضايا الرأي .. فاللائحة الجديدة لأسماء القضاة الذين تمت متابعتهم أمام المجلس الأعلى للقضاء تعرف ازديادا يوما بعد يوم حيث تنضاف أسماء جديدة لقضاة كان ذنبهم الوحيد أنهم آمنوا بحقهم في التعبير في زمن اعترف لهم الدستور بذلك .. إلا أن بعض الأصوات المحافظة حاولت فرملة هذا الحراك من خلال تحريك المتابعات والاستدعاءات والاحالة على مجالس التأديب. وكان من آخر الأسماء المعلن عن دخولها لخانة قضاة الرأي المستشار د. محمد الهيني.

أولا : من يكون المستشار محمد الهيني
لا يكاد أحد من القضاة أو الباحثين أو حتى المواطنين العاديين يجهل هوية د. محمد الهيني، كأحد أبرز القضاة الذين لفتوا لهم الأنظار مؤخرا بفضل اسهاماته العلمية ومشاركته في عدد من الندوات وكتابته لعدد من المقالات حول اصلاح القضاء، دون ان ننسى الدروس التي دأب على القائها بالجامعة، فهو القاضي المتمكن والمستشار المحنك الذي لا يشق له غبار خاصة في المادة الإدارية. وهو واحد من القضاة الذين نظروا في الملف الشهير المتعلق بقضية المعطلين ضد رئيس الحكومة، والذي بات يعرف بملف محضر  20 يوليوز . وهو العضو النشيط في جمعية نادي قضاة المغرب الذي وقف في الصفوف الأولى في مختلف المحطات النضالية ومن آخرها وقفة الثامن من فبراير التي حاولت وزارة العدل منعها بشتى الطرق. فضلا عن كونه عضوا نشيطا في جمعية عدالة وفي النسيج المدني المطالب بإلغاء عقوبة الاعدام واحد ابرز المدافعين عن مطلب احداث مجلس دولة.

ثانيا : الخاطرة الأدبية التي تحولت إلى أداة جريمة
يعلم الجميع أن المستشار الهيني من بين المرتادين لصفحات التواصل الاجتماعي حيث دأب على نشر عدة دراسات ومقالات وأحيانا تأملات وخواطر عبر صفحات الفيسبوك خاصة صفحة نادي قضاة المغرب. وفي أحد الأيام نشر على صفحته عبر الفايسبوك خاطرة أدبية بعنوان "مواصفات مدير الشؤون المدنية المنتظر: لا نريد أسدا ولا نمرا".
الخاطرة الأدبية أخذت شكل رسالة رمزية لوزير حول مواصفات مدير الشؤون المدنية المنتظر جاء فيها ما يلي :
"رسالة إلى زميلي الوزير "

سيدي الوزير، ننتظر منكم تعيين مدير الشؤون المدنية بوزارة العدل والحريات في انتظار تكريس استقلالية الإدارة القضائية عن وزارتكم من خيرة قضاة المملكة الذين راكموا تجربة واسعة في إدارة المحاكم فكرا وتنظيما وتدبيرا وحكمة وتبصرا، وتميزوا بجرأة وغيرة على استقلال القضاة والدفاع عن حقوق القضاة، وحملوا مشعل العلم وتميزوا بكتاباتهم وأحكامهم، وأشاعوا جو الثقة في المحيط القضائي وسطروا معالم إدارة مواطنة وقضاء قريب روحا وممارسة من المواطنين.

لكن اعذرني فما سمعته عن قرب تعيين مسؤول قضائي في محكمة درجة ثانية متخصصة استفزني للحديث لكم، لأن معايشتنا له كقضاة جعلتني أتحمس للتنفير منه، فيكفي أن يكون خروجه غير المشرف من هذه المحكمة للحكم عليه، فلا خبرة قضائية راكمها، ولا تجربة أغناها، كان ديدانه الإدارة وكان صديقه الكتابة والتجني على القضاة، وإطلاق التهم المجردة عنهم، يفرح ببت روح الفرقة بين القضاة، وتحرير استفسارات ضدهم، يكره روح الإبداع والاجتهاد، يعادي نشر المعلومة القانونية والقضائية، باب المحكمة موصدة في وجه المرتفقين والمواطنين، حطم جدار ثقة القضاة في أنفسهم، الاستقلالية عنده أضغاث أحلام وأمان، والعدالة عدالة السماء لا الأرض، الاجتهاد نقمة والكسل نعمة، والمحبة والثقة بين القضاة وقود نار، وفرق تسد شعاره، القضاء يحسبه إدارة، والإدارة قضاء، والمواطن يحتاج إلى قضاء آخر، لأن القضاء بطبعه إداري، القضاء ليس منطق ربح وخسارة، القضاء لا يسير بفكر استثمار وتجارة ..
سيدي الوزير؛ لا نريد أسدا ولا نمرا، نريد قاضيا مقتدرا تستفيد منه الإدارة ولا يستفيد منها، نريد قاضيا يحصن المنصب ولا يحصنه المنصب، نريد باحثا ومفكرا مجتهدا، زاهدا في جمع المال، حاضا على العلم، مخلصا للمواطنين، نريد قاضيا نزيها يقتات من قوت يومه ومن عرق جبينه، يقدر المسؤولية حق قدرها".
 
ثالثا : انطلاق مسلسل المتابعة
بعد مرور عدة ايام على تفاعل مرتادي صفحات التواصل الاجتماعي مع هذه الخاطرة تقدم مدير الشؤون المدنية المعين حديثا بالوزارة بشكاية بالقذف لوزير العدل في مواجهة المستشار الهيني. فقرر وزير العدل والحريات استدعاء هذا الأخير لتوضيح مضمون الخاطرة المنشورة. وبالفعل استمع المفتش العام للمستشار الهيني الذي أكد في محضر رسمي أنه لم يكن يقصد أبدا من وراء خاطرته أي مسؤول معين، وأن الأمر يتعلق بمجرد خاطرة أدبية تتضمن تأملات تتمحور حول المواصفات التي يجب توفرها في المدير المنتظر تعيينه في إطار مبادئ الشفافية والحكامة طبقا للفصل 154 وما يليه من الدستور غير موجهة إطلاقا ونهائيا لأي شخص بعينه وأنه تم استعمال أساليب لغوية مجازية تعبر عن حالة  يعاني منها مشكل التعيين في المناصب العليا على مستوى المديريات المركزية بالوزارة. وخلال نفس اليوم قام الهيني بمعية خلية المساعي الحميدة التي تضم عددا من القضاة من بينهم رئيس نادي قضاة المغرب ورئيسة الجمعية المغربية للقضاة بزيارة للمدير الجديد للشؤون المدنية الذي أكد تنازله عن الشكاية التي سبق وأن قدمها في مواجهة المستشار محمد الهيني طالما أن هذا الأخير عبر بشكل واضح بأنه لم يكن يقصده في خاطرته. وهكذا تم نشر بيان عبر موقع التواصل الاجتماعي وبعدد من الصحف حول وقوع الصلح بين الأطراف مما كان يؤشر بوضع حد لهذه القضية. إلا أن السيد وزير العدل والحريات أصر على تحريك المتابعة التأديبية وإحالة الهيني للمجلس الأعلى للقضاء بتهمة الخروج عن صفات الوقار والكرامة.
 
رابعا: محاكمة قاض أم محاكمة خاطرة
استنكر عدد من المتتبعين للشأن القضائي الاصرار الغريب لوزارة العدل والحريات بمتابعة الهيني بسبب خاطرته حتى بعدما اكد أمام المفتش العام وكذا في الصحف بأنه لم يكن يقصد من وراء خاطرته أي شخص محدد بعينه، بل وحتى بعدما تنازل المشتكي عن شكايته.. وهو ما دفع عددا من المتتبعين والمهتمين للقول بأن السبب من وراء هذه المتابعة هي الأحكام القضائية التي ساهم الهيني في اصدارها ومن بينها أحكام كانت في مواجهة الحكومة التي يعد وزير العدل أحد أعضائها. وبالتالي، فإن شبهة الخروج عن واجب الحياد من طرف السلطة التنفيذية بدت ظاهرة للعيان حسب عدد من المتتبعين. ولعل ذلك ما دفع وزارة العدل والحريات لاستباق كل هذه التأويلات ونشر بيان غريب عبر موقعها الالكتروني.
 
خامسا: بيان وزارة العدل عندما يصبح الوزير خصما وحكما
بمجرد استدعاء الهيني إلى جهاز المفتشية العامة وإحالته على المجلس الاعلى للقضاء، تحرك نادي قضاة المغرب وعدد من الجمعيات المدنية الأخرى وفعاليات حقوقية واسعة كونت نسيجا مدنيا للدفاع عمّن باتوا يعرفون بقضاة الرأي ضد شطط الادارة المركزية، وتطورت الأحداث الى درجة طرح سؤال آني تحت قبة البرلمان حول خلفيات المتابعة التأديبية للهيني، فما كان لوزير العدل والحريات إلا ان قدم التصريح التالي الذي نشر بعد ساعات عبر الموقع الرسمي للوزارة وجاء فيه: "…أما بخصوص ادعاء الصلح والتنازل، فإن وزير العدل نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء لم يتوصل في هذا الشأن بأي تنازل أو وثيقة صلح هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه كان على المعني بالأمر إن كان يدعي الصلح فعلا أن يعتذر لمن رماه ظلما وزورا من سوء النعوت والصفات كان عليه أن يعتذر له علانية كما أساء إليه علانية.
وعلى فرض تنازل من يهمه أمر القذف الذي جاء في المقال موضوع المساءلة فإن ذاك لا يمنع وزير العدل والحريات بما له من صلاحيات أن يحيل القاضي المعني على المجلس الأعلى للقضاء إذا رأى أن في ذلك مساسا بالأخلاقيات المهنية …".
 
سادسا : نادي قضاة المغرب يدخل على الخط
بتاريخ 03/05/2014 أصدر نادي قضاة المغرب جاء فيه: بعد اطلاع المكتب التنفيذي على الجواب المقدم من طرف وزير العدل على السؤال الشفوي بمجلس المستشارين والمنشور في موقع وزارة العدل والحريات فانه تم تسجيل ما يلي:

1–  تأكيده على عدم أهلية وصلاحية المجلس الأعلى للقضاء بتركيبته الحالية للنظر في المتابعات التأديبية انتصارا لروح الدستور وتأويله الديمقراطي السليم، وبالتبعية  يعتبر أن كل قرارات الاحالة عليه باطلة وتفتقد الى مقومات الشرعية والمشروعية الدستورية .
2–  تسجيله عدم احترام حقوق الدفاع أمام المفتشية العامة التابعة لوزارة العدل والحريات، اذ تم رفض مؤازرة المحامين  وهو ما يعتبر خرقا سافرا لحقوق الدفاع ولحق المحامين في المؤازرة أمام الادارات العمومية طبقا للفصل 30 من القانون المنظم لمهنة المحاماة.
3–  رصده لخرق حقوق الدفاع أمام المقرر المعين من طرف وزير العدل والحريات بعد استشارة الأعضاء المعينين بقوة القانون، وذلك بعد رفض طلب المؤازرة المقدم من طرف أحد الزملاء.
4–  يعتبر أن ما تضمنه تصريح وزير العدل بصفته نائبا لرئيس المجلس الأعلى للقضاء في معرض جوابه على سؤال شفوي بمجلس المستشارين يشكل خروجا منه عن واجب التحفظ والذي يستلزم عدم الادلاء بتصريحات علنية تبرز بوضوح موقفه من قضايا معروضة على المجلس الأعلى للقضاء.
5–  يؤكد أن تصريح السيد وزير العدل والحريات نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء يعتبر من ناحية أخرى افشاء قبليا لسرية المداولات وخرقا للمبادئ المنظمة لسير عمل المجالس العليا للقضاء في أفضل التجارب الدولية.
6–  يسجل تخوفه من مسار المحاكمة التأديبية بعد اعلان السيد وزير العدل والحريات بصفته نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء لموقفه الصريح وتأكيده ثبوت الأفعال موضوع المتابعة حتى قبل مصادقة الملك على مشروع جدول أعمال الدورة طبقا للمادة الثامنة من النظام الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء.

في نفس السياق قام الهيني بتوجيه مراسلة وزارة العدل يطلب من خلالها سحب البلاغ المنشور بخصوص قضيته باعتباره يمس بمبدأ قرينة البراءة كما وجه طلبا إلى المجلس الوطني لحقوق الانسان للتحقيق والتدخل لإيقاف انتهاكات حرية التعبير وحقوق الدفاع المكرسة دستوريا في إطار المتابعات التأديبية للقضاة، وقد أصدرت جمعية عدالة وهي احدى أهم الجمعيات المدنية الفاعلة في مجال منظومة العدالة بيانا للتضامن مع قضاة الرأي.  
وبتاريخ 03/06/2014 أدرجت قضية الهيني لأول جلسة أمام المجلس الأعلى للقضاء فمثل فيها مؤازرا بمئات القضاة والمحامين وفعاليات حقوقية ومدنية واسعة في سابقة تعد الاولى من نوعها في تاريخ القضاء المغربي حيث ضاقت جنبات قصر المامونية (وزارة العدل) بمئات الحاضرين الذين جاءوا للتعبير عن تضامنهم مع الهيني ومع جيل كامل من القضاة آمنوا بحقهم في التعبير. وكان من ابرز الحاضرين رئيس نادي قضاة المغرب ورئيس المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية ورئيسة جمعية عدالة، ورئيسة الجمعية المغربية للقضاة وعدد من النقباء وعدد كبير من القضاة والمستشارين إلى جانب فعاليات اعلامية واسعة ليؤذن بذلك بفتح فصل جديد من فصول متابعة أريد لها أن تضع حدا لحراك قضائي لم يساير توجهات الوزارة التي كانت إلى وقت قريب وصية على القطاع، فتحولت هذه المتابعة التأديبية إلى شرارة بثت روحا جديدة في هذا الحراك الذي أبى إلا أن يتحدى كل التضييقات فالطريق إلى بناء سلطة قضائية مستقلة وقوية لا يزال طويلا ويحتاج إلى مزيد من الجهود والتضحيات.
يتبع… 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مصر ، المغرب ، المرصد القضائي ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية