في ضرورة الإعتراف بالمبدع كأساس للإصلاح


2017-01-23    |   

في ضرورة الإعتراف بالمبدع كأساس للإصلاح

أكد محمد زين العابدين وزير الشؤون الثقافية في تصريح إعلامي بتاريخ  13 -12- 2016 أن سنة 2017 ستكون “سنة ثقافية بامتياز”. استند الوزير في مقاله إلى أمرين: أولهما تقدم أشغال بناء مدينة الثقافة وتوقع تدشينها نهاية الشهر العاشر من سنة 2017[1]، وثانيهما تعويله على نجاح مشروع وزارته المصطلح على تسميته تونس مدن الفنون والذي ذكر أن هدفه “تحويل الفضاء العام لفضاء مبدع خلّاق يجعل من كلّ مدينة مركزا للإشعاع الثّقافي[2]. ترجح ضخامة مشروع مدينة الثقافة أن يكون لهذا المنجز العقاري أثر في الحركة الثقافية بتونس خصوصا وأنها تأثرت سلبيا بانحسار الفضاءات الثقافية. كما قد يكون في تسمية ساحات عامة بساحات الفنون شيء من إعادة الإعتبار للفن كقيمة ثقافية. ولكن هذان الأمران على أهميتهما يبدوان قاصرين عن تحقيق شعار السنة الثقافية الموعودة في ظلّ تواصل تجاهل الخطاب الرسمي لحاجة القطاع الفني في تمكين الفنان المبدع بأن يكون هو المحور الأساسي للحركة الثقافية وأداتها. ونقدر أن اعطاء المبدع المكانة التي يستحق يستدعي أمرين: أولهما الاصلاح التشريعي للقوانين المتعلقة به، وثانيهما مراجعة نظام الدعم العمومي للإبداع الفني.

مراجعة التشريعات المتعلقة بالفنان

أدت  كثافة التحويرات الوزارية التي شملت وزارة الثقافة بعد الثورة لغياب خطاب رسمي موحد حول تصور الإصلاح التشريعي للقطاع الفني. غير أن هذا لم يمنع من وصول فكرة  استحداث مجلة قانونية خاصة بالإبداع الفني لمرحلة متقدمة على مستوى عمل اللجان الفنية بوزارة الثقافة، إذ تولت هذه اللجان إنجاز مسودتها الاولى وتولت عرضها على عدد من المبدعين لإبداء الرأي حولها[3].

ويتعلق التصور التشريعي كما تم عرضه بضبط الوضعية القانونية للفنان وتنظيم المهن الفنية وتكريس الحق في الإبداع[4]. ورغم تأكيد بعض الفنانين على أن مثل هذا المشروع سيولّد ثورة في القطاع الفني[5] وسيحدث تغييراً شاملا[6]،.فإن التمعن في محتواه، فصوله وأبوابه يبيّن أنه لم يتجاوز في صياغته الأولى مرحلة تجميع للنصوص المتعلقة بالقطاع الفني ووضعها في نص واحد بصياغة مختزلة [7] لا تضيف شيئا بل وتحيل في أغلب الأحيان إلى القوانين السابقة وهي القوانين التي يسعى الفنانون إلى تنقيحها.

فعلى سبيل المثال، يتعلق الباب السادس من مشروع القانون بنظام الضمان الإجتماعي. ولكنه لم يأتِ بجديد بل يحيل في فصله 17 إلى خضوع الفنان لأحكام الضمان الاجتماعي المنصوص عليها بالقانون عدد 104 لسنة 2002 المؤرخ في 30 ديسمبر 2002 والمتعلق بنظام الضمان الاجتماعي للفنانين والمبدعين والمثقفين دون أي إضافة. وهذه الأحكام هي بالتحديد التي أقصت العديد من الفنانين من التمتع بمثل هذا النظام نظرا للشروط الصعب توفرها لتطبيقه، مثل شرط ممارسة المهنة بصفة متواصلة. فخصوصية الممارسة الإبداعية الفنية لجهة إرتباطها بشخص المبدع وبالنشاط الثقافي تؤدي في كثير من الأحيان لأن يكون نشاط المبدع موسمياً بما يمنعه لاحقا من التمتع بتقاعد مريح اذا ما اعتمد القانون العام في حقه[8]. أما الباب الخامس من المشروع المتعلق بالعقد الفني فإنه يؤكد على أن ممارسة النشاط الفني تكون في إطار عقود مكتوبة للشغل وإسداء الخدمات تضبط وفقا لنماذج من قبل الوزارة وهو ما لا يحمل أي إضافة. فالعقد النموذجي معمول به منذ سنوات ويمضى من قبل الفنانين دون تغيير بأجور ضعيفة وبتحملات ضريبية على عاتق الفنان [9].كما أن المطالبات بإلغاء بطاقة الإحتراف الفنية [10] التي تسندها لجنة مختصة داخل وزارة الثقافة والتي لا يتمتع بها كل الفنانين رغم أن لهم شهائد جامعية مختصة في ميادين المسرح والموسيقى والسينما وتعويضها بالمعرف الجبائي الواجب على كل فنان محترف لم تلقَ صدى لها في هذا القانون.وهو ما يؤكد الإرتجال والتسرع الذي صاحب صياغة هذا القانون في فترة وجيزة[11] وعدم الحسم في المسائل الأكثر أهمية مثل العقود الفنية والضمان الاجتماعي.

وبناء على ما تقدم، يؤمل أن يتم العمل على صياغة ثانية لمشروع القانون في اتجاه تطوير النصوص القائمة على نحو يستجيب لإنتظارات الفنانين. ولن يتحقق هذا الأمر إلا إذا تمت مراجعة المنطلقات بشكل يؤدي لاعتبار مراجعة التشريعات الفنية اختيارا سياسيا لا يجب أن يترك أمر تحديد ملامحه وتوجهاته للجان الفنية وحدها.

 

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

 


[1] يعد مشروع مدينة الثقافة من المشاريع الكبرى و يهدف لبناء مركب ثقافي وسط العاصمة تونس على مساحة جملية تبلغ 9 هكتارات منها 7,08 هكتارات مغطاة، وتحتوي على أوبرا بها 1800 مقعدا وأوديتوريوم به 700 مقعدا ومسرحا تجريبيا به 400 مقعدا و 77 أستوديوهات لإنتاج الموسيقى والمسرح والرقص بالإضافة إلى ميدياتاك وسينماتاك وقاعات عرض وأخرى لحفظ الابداعات الفنية ومحلات تجارية ذات علاقة بالثقافة وبرج ارتفاعه 600 مترا في شكل فني ويمكن من مشاهدة العاصمة وضواحيها. و على متحف الحضارات وسيمكن زائره من استعراض الحضارات الخمس الأساسية المتعاقبة على تونس على امتداد ثلاثة آلاف سنة من التاريخ.  تعطل انجاز هذا المشروع بعد الثورة لكن اشغال اتمام بنائه تمت معاودتها سنة 2015 وحدد  الشهر العاشر من سنة 2017 كأجل اتمامها
[2] مفيدة خليل – بعد الانطلاق في مشروع «تونس مدن الفنون»: هل تفتكّ الجهات حقّها في الثقافة أم أنّ نصيبها سيقتصر على ساحات الفنون والصور التذكارية -28-09-2016 صحيفة المغرب
[3] أقيم اليوم الدراسي حول مشروع القانون المتعلق بالفنان والمهن الفنية يوم الخميس 11 أوت 2016 بنزل أفريكا
[4]الفصل الأول : يهدف هذا القانون إلى ضبط الوضعية القانونية للفنان بما يكفل له حقوقه ويضمن له المكانة التي يستحقها في المجتمع اعتبارا للأدوار الهامة التي يضطلع بها خاصة في تطوير الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتنمية المستدامة. كما يهدف هذا القانون إلى تنظيم المهن الفنية و تكريس الحق في الإبداع ممارسة وتلقيا و الإسهام في حماية الموروث الفني وتثمينه و النهوض بالإنتاج الأدبي والفني في جميع أشكاله ومضامينه بما يدعم الثقافة الوطنية في تأصلها وانفتاحها ويسهم في تحقيق التنمية الثقافية.
[5]حوار مع وزيرة الثقافة السابقة سنيا مبارك – جريدة المغرب 19 جوان 2016 : ” القانون سيكون الحدث وسيخلق ثورة في كل المهن الفنية“.
[6]الفنان ونائب مجلس النواب علي بنور لـ«المغرب»: قانون الفنّان والمهن الفنية هو ثورة تشريعية بامتياز – جريدة المغرب 12 أوت 2016.
[7]تضمن مشروع قانون الفنان 21 فصلا في 8 أبواب هي : الأحكام العامة والمهن الفنية وشروط ممارستها والفنان الذي يشتغل بمقابل مادي والفنان الهاوي والعقد الفني ونظام الضمان الاجتماعي وأحكام خاصة بالفنانين الأجانب والمخالفات.
[8]تصريح الوزيرة السابقة سنيا مبارك في اليوم الدراسي حول مشروع القانون المتعلق بالفنان والمهن الفنية يوم الخميس 11 أوت 2016 بنزل أفريكا.
[9]مثال تطبيقي : مركز الفنون الدرامية بولاية  مدنين : يتعاقد الفنان المحترف بعقد لمدة أكثر من سنتين يلتزم فيها الفنان بحضور التمارين اليومية والمشاركة في عروض العمل داخل الوطن وخارجه ويبلغ معدل الأجور في هذا العقد 100 د مقابل العرض بمعدل 20 عرض طيلة سنتين – 2000 د منحة إنتاج –أي أن الفنان المحترف المتعاقد يقبض 4000 دينار طيلة 24 شهرا  (معدل 166 دينار شهريا تحت الأجر الأدني المضمون في تونس ) يلتزم فيها بالعمل مع المركز والمشاركة في عروض المسرحية كما يتحمل مصاريف التسجيل للعقد التي تبلغ 15  بالمائة من قيمته.
[10]توصيات اجتماع الحمامات بين وزارة الثقافة والموسيقيين حول مشروع قانون الفنان – 18 أوت 2016 .
[11]تصريح وزيرة الثقافة السابقة سنيا مبارك بمناسبة اليوم الدراسي لمشروع قانون الفنان ” انطلق العمل في إعداد المشروع في شهر مارس واشتغل الفريق بسرعة كبيرة وتم التحضير له في وقت وجيز وبنسق ماراطوني ” – جريدة الصباح – 12 أوت 2012.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مجلة تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني