في سابقة مميزة، وزير العدل ينتقد بشدة مجلس القضاء الأعلى: ما تفعلونه ليس اصلاحا.. وللقضاة والمحامين والمواطنين أن يعرفوا ذلك..


2013-03-04    |   

في سابقة مميزة، وزير العدل ينتقد بشدة مجلس القضاء الأعلى: ما تفعلونه ليس اصلاحا.. وللقضاة والمحامين والمواطنين أن يعرفوا ذلك..

بتاريخ 28-2-2013، أصدر وزير العدل شكيب قرطباوي بيانا مقتضبا أعلن فيه قراره باعادة مشروع مجلس القضاء الأعلى حول التشكيلات القضائية اليه، مع "ملاحظاته التفصيلية الكثيرة، معتبرا أنه لا يشكل خطوة نحو الاصلاح القضائي" الذي يعمل من أجله منذ تولي الوزارة. وقد برر الوزير اصدار بيان بهذا المعنى ب"حق القضاة والمحامين والمواطنين في المعرفة". ويجيز قانون تنظيم القضاء العدلي لوزير العدل ابداء ملاحظاته على مشاريع التشكيلات القضائية التي قد يضعها مجلس القضاء الأعلى على أن يكون لهذا الأخير حسم الخلاف بينهما في حال حصوله بقرار يتخذ بغالبية سبعة من أعضائه. والواقع أن هذا البيان اللافت يستدعي ملاحظات عدة:

-الأولى، أنها المرة الأولى التي يتوجه فيها وزير عدل الى الرأي العام محتكما اليه بشأن خلافه مع مجلس القضاء الأعلى حول مشروع التشكيلات القضائية. وبذلك، يكون الوزير قد نقل هذا المشروع من مسألة ينحصر بحثها عادة في الكواليس (بين الوزارة وأعضاء مجلس القضاء الأعلى) ضمن منطق البازار بين مختلف القوى السياسية التي يفترض أن يحرص الوزير وأعضاء المجلس على المحافظة عليها الى قضية شأن عام. وبالطبع، من المرجح أن يكون دافعه الى هذه الشفافية في التعاطي، هو استباق أي اتهام بالتدخل في أعمال القضاء أو الضغط على المجلس لاتخاذ قراره في اتجاه أو في آخر، فضلا عن رغبته في استلاد رأي عام مؤيد له.

-الملاحظة الثانية، أن الوزير قد انتقد المشروع من دون أي مواربة، بل لا نبالغ اذا قلنا بشكل شديد القسوة وفق المعايير اللبنانية القائمة على المجاملة وأقله على تدوير الزوايا. وهذا ما نتبينه بوضوح عند قراءة الجملة الأخيرة من البيان حيث أعلن أنه سيعيد القرار مع ملاحظاته "التفصيلية الكثيرة عليه"، وأن المشروع "لا يشكل خطوة نحو الاصلاح القضائي الذي أعمل من أجله"، فضلا عن تلويحه بأن المجلس لم يلتزم بأي من المعايير الموضوعية التي عددها. ولا نخفي أن هذه الجملة قد تعكس أكثر المواقف النقدية تشددا لوزير عدل ازاء مجلس القضاء الأعلى. وهذه القسوة انما تؤشر الى حصول تصدع هام في رأس هرم التنظيم القضائي، وتحديدا ما بين وزارة العدل وكبار القضاة؛ وهي واقعة تلتقي تماما مع قيام وزير العدل سابقا باحالة غرف المحاكم التمييزية المدنية برمتها الى التفتيش القضائي على خلفية النقص الفادح في انتاجيتها[1].

-الملاحظة الثالثة، فيما أنه بنى البيان على حق المعرفة للمواطنين كافة، فانه خص بالذكر القضاة والمحامين. ولهذا التخصيص بالواقع أهمية بالغة: فكأنه يهدف الى لفت أنظارهم قبل سواهم على اعتبار أنهم الأكثر تأثرا بمشروع التشكيلات القضائية، وربما وضعهم أمام مسؤولياتهم أو على الأقل حثهم على الدفاع عن مصالحهم، وفي كل الأحوال الى استمالتهم اليه في المجابهة التي يعلنها البيان مع هذا المشروع. وهذا الأمر بالغ الأهمية، فهو يقطع مع خطاب رسمي غالبا ما أدى الى تهميش القضاة من خارج مجلس القضاء الأعلى الذين عليهم أن يبقوا في موقع الصامت المتلقي للاصلاح من دون أن يكون لهم أي دور فاعل فيه، واختزال السلطة القضائية بمجلس القضاء الأعلى الذي له وحده حق الكلام. وما يعزز هذه القراءة تصريح كان الوزير قرطباوي أدلى به للمفكرة القانونية[2]بأنه يشجع انشاء جمعية أو ناد للقضاة ف"من الجميل أن يكون لدينا مجموعة من القضاة .. يخرجون ليدافعوا عن القضاء وهيبته واستقلاليته في موازاة القيام بواجباتهم"، وكأنه بذلك يأمل باستنهاض القضاة للمشاركة في اصلاح القضاء. ولكن، ورغم الأهمية الخطابية لهذا البيان من هذه الزاوية، تجدر الاشارة بالمقابل بأن هذا الخطاب المستجد للوزير انما يبقى حتى اللحظة على مسافة من واقع الحال بحيث تبقى الوزارة بعيدة الى حد كبير عن اتخاذ تدابير عملية لتعزيز هذه المشاركة أو لمأسستها، أقله بما يتصل بالمشاريع الاصلاحية التي تقودها الوزارة كمشروع تعديل قانون تنظيم القضاء العدلي.  

وقد بقي أن نسجل في هذا المضمار أن توجه الوزير الى المحامين في سعي الى استنهاضهم قد لا يقل أهمية عن توجهه الى القضاة في ظل تقاعس نقابتي المحامين عن القيام بأي دور فاعل في مجال اصلاح القضاء. وقد انعكس ذلك مباشرة في البيان الصادر عن نقابة المحامين في بيروت بتأييد من نقابة المحامين في طرابلس في 1-3-2013 والذي ذهب الى تأييد بيان الوزير بعد يوم واحد من صدوره.  

-الملاحظة الرابعة: للمرة الأولى أيضا، عزا البيان الخلاف حول التشكيلات القضائية، ليس الى وجهات نظر مختلفة في هذا الشأن أو ذاك، انما الى مجانبة مجلس القضاء الأعلى المعايير الموضوعية للتشكيلات التي يراها الوزير وفق البيان طريقا ضروريا لتحقيق الاصلاحات التي يطمح اليها.  ففضلا عن احتجاج الوزير على حصر مشروع التشكيلات بتعيين خريجي المعهد وملء المراكز الشاغرة، فقد أعاب عليه أنه لم يأخذ بعين الاعتبار المعايير الموضوعية مثل الثواب والعقاب والانتاجية والمداورة خاصة في القضاء الجزائي. وفيما تبقى هذه المعايير موضع جدل، فان مجرد الاشارة اليها يعكس بدء الوعي بوجوب الحد من عشوائية التشكيلات القضائية وتاليا من امكانية استباحة القضاة. وبالطبع، المشكلة الكبرى هنا هي أن قانون تنظيم القضاء يخلو من هذه المعايير، وأن الجدل يبقى تاليا مفتوحا على طبيعة هذه المعايير وماهيتها، في غياب أي آليات واضحة ومتفق عليها على تقييم عمل القضاة. فمع موافقة الوزير على أهمية تقييم انتاجية القضاة، فان الدولة ما تزال متخلفة تماما عن القيام بذلك، والعمل الذي قام به أحد القضاة المكلفين من الوزير ومجلس القضاء الأعلى (قبل تعيين رئيسه والنائب العام التمييزي) انما يطرح اشكالات قانونية كبيرة ويبقى عملا ناقصا يحتاج الى كثير من التطوير والتعميق حسبما بينت في مقال آخر، ولا سيما لجهة تمكين القضاة من مناقشة كيفية تقييم أعمالهم[3]. أما معيار الثواب والعقاب، فهو يكون مقبولا فقط اذا كان يقصد منه "تعيين القاضي المناسب في المنصب المناسب". أما اذا كان يهدف الى استخدام التشكيلات القضائية لمعاقبة قضاة على نقص انتاجيتهم الفادح أو على أخطاء مهنية فادحة مقصودة أو غير مقصودة كأن يتم تعيينهم في مناصب غير مؤثرة، فان ذلك يشكل انتهاكا كبيرا لحقوق المتقاضي الذي يبقى في هذه الحالة خاضعا لقاض مماثل رغم فداحة أخطائه، وأيضا لحقوق القاضي الذي يتلقى في هذه الحالة ما هو بمثابة عقوبة من دون أن يكون قادرا على الدفاع عن نفسه. كما أن ذلك يؤدي الى كوارث حقيقية، أهمها الاساءة الى التنظيم القضائي بحد ذاته، كأن يصبح تعيين قاض في موقع مستشار في محكمة الاستئناف أو التمييز مثلا بمثابة عقوبة ووصمة عار، فيما يفترض بالمستشار أن يشارك رئيس محكمته في صنع القرارات وربما الاجتهادات القضائية على قدم المساواة من دون أي تمييز.أما مبدأ المداورة فهو الآخر مسألة تقبل الجدل. ففيما نتفهم سعي الوزارة الى منع استقرار القضاة المعينين في الدوائر والمحاكم الجزائية في مهامهم، لمدة طويلة منعا لاستغلال مناصبهم فيها أو لانشاء امارات صغيرة حولها، فان رفض الوزارة الأخذ بمبدأ عدم جواز نقل القاضي الا برضاه (والذي يشكل أحد أهم المعايير الدولية لاستقلاليته) يبقى بالمقابل غير مفهوم وهو يؤدي عمليا الى قلب المبادئ الاصلاحية بالكامل بحيث يتم اقرار مبدأ النقل (المداورة) من دون مبدأ عدم النقل الذي يناقضه تماما، بما يشكل مؤشرا آخرا على تقديم آليات المحاسبة ومكافحة الفساد على مبادئ الاستقلالية[4].
بقي أن نذكر أن مجمل أعضاء مجلس القضاء الأعلى (ما عدا اثنين منتخبين من قبل قضاة محكمة التمييز) ما كان ليتم تعيينهم لولا موافقة وزير العدل. وتاليا، في ظل وجود خلاف بهذا الحجم على مسائل جوهرية أساسية، يجدر التساؤل عن المعايير التي أخذ بها الوزير نفسه عند اختيار هؤلاء. وفي حال وجدت هذه التعيينات ما يبررها بمبدأ التوافق الضروري مع سائر الفرقاء السياسيين، فعين الوزير من ليس مقتنعا بشخصه، فما الذي يسمح اليوم للوزير بمطالبة من عينهم وفق معايير التوافق السياسي باجراء التشكيلات القضائية وفق معايير مختلفة؟ من هذه الزاوية، يفقد البيان بعض مصداقيته.          


[1]المفكرة القانونية، العدد 7، كانون الثاني 2013.
[2] المرجع نفسه.
[3] النوايا الحسنة في اصلاح القضاء: "اصلاح الزواريب" كبديل عن اصلاح المؤسسات"، المفكرة القانونية، العدد السادس، تشرين الأول 2012.
[4]"المفكرة القانونية" وضعت ملاحظاتها على مشروع تعديل قانون القضاء العدلي في لبنان (2012): أي منهجية للاصلاح القضائي؟ وأي أولويات؟، المفكرة القانونية، العدد 5، نيسان 2012.   
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية