في تونس، كُرة القدم ليست بالضرورة أفيونًا للشعب


2024-02-13    |   

في تونس، كُرة القدم ليست بالضرورة أفيونًا للشعب

مع الخروج المُذلّ لمنتخب بلادهم من كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم، أطلق التونسيون العنان لمخيّلتهم في التقييم والمحاسبة، بشكل عرّى ثغرات لا تختلف كثيرا عن تلك التي ساهمت في تأبيد الأزمة السياسية والاقتصادية التي يرزحون تحت وطأتها.

فبمجرّد انسحاب “نسور قرطاج” من الدور الأوّل لكأس أفريقيا للأمم، بدأت التعليقات تنهمر من كلّ حدب وصوب، على شبكات التواصل الاجتماعي، منتقدة بشدّة القائمين على اللعبة في تونس. واختلفت الصيغ واللهجات، لكنّ معظمها صبّ في خانة أنّ كرة القدم التونسية ينخُرها الفساد ويصيبها التخبّط وعدم وضوح الرؤية بمقتل، مع الدعوة، صراحة، إلى ضرورة إحداث “ثورة”.

وفي وسائل الإعلام، نُصّبت محاكم لمحاسبة المسؤولين في الجامعة التونسية لكرة القدم، التي يقبع رئيسها، وديع الجريء، وراء القضبان، منذ نهاية أكتوبر الماضي، على خلفية “شبهات فساد”. وقد كان هامش الحرية لافتا في الخوض في الوضع الراهن لكرة القدم، في بلد بات فيه الخوض في الشأن العامّ محفوفا بالمخاطر، منذ استحواذ الرئيس قيس سعيد على السلطة في 25 جويلية 2021.

تماهٍ مع مشاكل البلاد

بدا التشخيص واضحا بين مختلف البرامج التلفزية والإذاعية، إذ ثمّة إجماعا على التفرّد بالقرار واستفحال الفساد وغياب أيّ سياسة أو استراتيجية لتطوير اللعبة والتلاعب باللوائح الداخلية بشكل يُعيق إمكانية أيّ تغيير[1]. وهو تشخيص لا يختلف كثيرا عن ذاك الذي يُمكن إخضاع المشهد السياسي له.

وكدليل على انعدام مَلَكَة الإبداع، أصدرت الجامعة التونسية لكرة القدم بيانا أعلنت فيه فتح باب الترشح لخطة مدرّب للمنتخب التونسي، في سابقة من نوعها. وقد علّق مستخدمون على شبكات التواصل الاجتماعي بسخرية، داعين الجامعة إلى تنظيم “استشارة وطنية بشأن كرة القدم”، في إشارة إلى الاستشارات الوطنية السابقة التي دعا إليها سعيد، فيما يتعلّق بـ”الإصلاحات الدستورية” وإصلاح التعليم.

وتواجه الأندية الرياضية، في تونس، أزمة اقتصادية غير مسبوقة، أدّت إلى حرمان عدد كبير منهم من استقدام لاعبين جدد، بقرار من الاتّحاد الدولي لكرة القدم. وانهارت البنية التحتية بشكل مقلق، إلى درجة أنّ الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم لم تُجِز خوض المباريات القارّية، في تونس، سوى في ملعب حمادي العقربي برادس، في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة. 

 مجال حيوي

وانتهت الأنظمة المتعاقبة على حكم تونس منذ استقلالها عام 1956، إلى أنّ الرياضة بصفة عامة، وكرة القدم تحديدا، هي بمثابة القنبلة الموقوتة التي وجُب احتواؤها، بالنظر إلى القدرة الهائلة للأندية على تعبئة الجماهير، خصوصًا وأنّ معظم مؤسسي الدولة الوليدة كانوا إمّا مسؤولين من كبرى أندية العاصمة والمناطق الساحلية أو مقرّبين منها ووقفوا عند دور “الساحرة المستديرة” المؤثر في مسار حركة التحرير الوطني.[2]

ولعلّ المثال الأبرز في توظيف كرة القدم لغايات سياسيّة هو عام 1978، الذي انطلق بصدام عنيف بين نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، والاتحاد العام التونسي للشغل، فيما عُرف آنذاك بأحداث الخميس الأسود، قبل أن ينتهي بـ”ملحمة كروية” خلال مشاركة المنتخب التونسي لكرة القدم في مونديال الأرجنتين لأوّل مرّة في تاريخه وخروجه المشرّف من المسابقة. وقد أبدع المخرج سامي التليلي في فيلمه الوثائقي عالبار في إعادة رسم تقاطعات السياسة والكرة، في تلك السنة الفارقة في تاريخ تونس، وكيف أنّ كرة القدم ساهمت بشكل بالغ في خفض حدّة الاحتقان في البلاد.

عمود نظام الزبونية

ومع وصول زين العابدين بن علي إلى الحكم، في أعقاب انقلابه الطبّي على بورقيبة، في 7 نوفمبر 1987، تحوّلت أندية الكرة إلى أحد أهمّ أعمدة النظام القائم على مركزية شديدة، يعاضده في ذلك جهاز أمني عنيف. وباتت قناعة السلطة الحاكمة أنّ الكرة “أمر جادّ للغاية حتّى يُترَك للرياضيين وحدهم”.[3]

وأصبح لأصهار بن علي وعائلات أخرى مقرّبة منه اليد الطولى في الكرة.[4] ويبقى مثال سليم شيبوب هو الأكثر وضوحا، إذ ترأّس صهر الرئيس التونسي نادي الترجي طيلة 15 عاما، وسط اتهامات كبيرة بإفساد الرياضة التونسية.[5] أمّا على المستوى المحلّي، فقد أصبحت الأندية الرياضية جسرَ عبورٍ ضروريّا للمناصب السياسية والحزبية، في نظام زبوني يتيح للدولة انتقاء المسؤولين على الرياضة بعناية شديدة خوفا من التهديد الذي تُمثّله الجماهير، مقابل توفير التمويلات الضرورية لتلك الأندية.

وقبيل اندلاع الثورة التونسية، في ديسمبر 2010، بدأ العقل الأمني الطاغي على نظام بن علي التوجّس خيفة من كرة القدم.

ثورة الملاعب

وخلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة، بدأت الجماهير الرياضية بتشكيل رابطات مشجعين، تُراوح في تنظيمها الداخلي بين الأفقي والعمودي. واكتسبتْ هذه المجموعات، التي تركّزت أساسا في الأحياء الشعبية لكبرى المدن التونسية، خبرة في الانضباط والتنسيق وجمع التمويلات، إلى جانب إبداعها في تطوير شعارات بدأت تقترب شيئا فشيئا ممّا كانت تعتبره الدولة “محظورا”. ففي عام 2009، انتشرت وصيّة جماهير النادي الأفريقي كالنار في الهشيم. وتقول كلمات هذا النشيد إنّ “السلطة للجماهير (…) التي ترفض أن تكون مجرّد دمى”.

وقرّرت السلطات التونسية حلّ معظم رابطات المشجعين، انطلاقا من شهر أوت من السنة ذاتها، وحظر الرموز الثورية من الملاعب، مثل صور أرنستو تشي غيفارا، في ظلّ توتّر العلاقات بين أجهزة الأمن والجماهير الرياضية.

كانت مؤسسات الدولة تُدرك حينها أنّ ملاعب الكرة أضحتْ أخطر منبر يُهدّد أركان النظام الذي أحكم قبضته على أحزاب المعارضة والمنظمات المستقلة والصحافة. وهو تقدير لم يكن مُجانبا للصواب، إذ سرعان ما تبنّت الجماهير الرياضية مطالب الحراك الشعبي والتحمتْ بالمحتجين لتسهم بشكل فعّال في الإطاحة ببن علي، في الرابع عشر من جانفي 2011. 

خزّان انتخابي

ومع انطلاق مرحلة الانتقال السياسي، لم يفتْ الأحزاب السياسية التعويل على الجماهير الرياضية. بل إنّ صاحب الأعمال المثير للجدل ومؤسّس حزب الاتحاد الوطني الحرّ سليم الرياحي عزّز من فرص نجاحه السياسي. فبعد اكتفائه بالحصول على مقعد واحد بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي، في أكتوبر 2011، قفز إلى 16 مقعدا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر 2014، بعد تقلّده منصب رئيس النادي الأفريقي.

ولم يكن الرياحي الاستثناء الوحيد. إذ أن دورة 2014-2019 البرلمانية ضمّت رؤساء أندية رياضية سابقين أو مباشرين، من بينهم، للذكر لا للحصر، المنصف السلّامي عن النادي الرياضي الصفاقسي ورضا شرف الدين عن النجم الرياضي الساحلي ومحمد كمال الحمزاوي عن المستقبل الرياضي بالقصرين ومهدي بن غربية عن النادي الرياضي البنزرتي ووليد جلاد عن جمعية سليمان الرياضية.

ورغم حالة التوتّر السياسي التي شهدتها البلاد في تلك الفترة، فإنّ الكرة تحوّلت في كثير من الأحيان، إلى منصّة جامعة تتجاوز الحدود الحزبيّة. ففي ماي 2018، اقتحم النائبان سفيان طوبال وعمّار عمروسية الميدان خلال مباراة هامة جمعت بين فريقهما قوافل قفصة واتحاد بن قردان بسبب “مظلمة تحكيمية”. وانتصر العضوان لناديهما، رغم أنّ الأول ينتمي لحزب نداء تونس، بينما ينتمي الثاني للجبهة الشعبية، وهما كتلتان نيابيتان لا تخفيان العداء لبعضهما البعض.[6]

ولم يغبْ عن حركة النهضة، التي شاركت في جميع الحكومات المتعاقبة بين عامي 2012 و2021، استمالة الرأي العام الرياضي، إذ عيّنت طارق ذياب وزيرا للشباب والرياضة في حكومة حمّادي الجبالي، وهو أفضل لاعب كرة قدم في القرن العشرين في تونس ويتمتّع بشعبيّة واسعة، حتّى بين صفوف جماهير الأندية المنافسة لفريقه، الترجي الرياضي التونسي.

وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 2019، عوّل رئيس الحكومة يوسف الشاهد على خدمات رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم وديع الجري في السباق إلى قصر قرطاج، خاصّة جنوب شرقي البلاد، مسقط رأس الجري.

لكنّ هذه المرحلة لم تمرّ من دون عواصف. فمع تراجع ثقل منظومة الزبونية جرّاء حالة الاستقطاب السياسي الشديد والأزمة الاقتصادية في البلاد، حذّر رؤساء الأندية المحترفة منذ صيف 2012 من خطر انهيار النشاط الكروي بسبب “تراجع الموارد المادية والدعم المالي المتوقع من الدولة”.

انقلاب كُروي

وبمجرّد الإطاحة بحكومة هشام المشيشي وتعليق أعمال البرلمان، في 25 جويلية 2021، اتّجهت السلطات التونسية نحو سحب البساط من تحت أقدام مسؤولي الرياضة المحسوبين على خصومها السياسيين.  

وكان الجريء على رأس “قائمة المطلوبين”. واعتقل رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم، نهاية أكتوبر الماضي، على خلفية “شبهات فساد”. وذكرت محامية الجريء، ليلى حدّاد، أنّ “سجن موكّلها جاء بتعليمات سياسية”، مضيفة أنّه “يمكن أن تختلف مع وديع الجريء فيما يتعلّق بكرة القدم ولكن أن تزجّ به في السجن، فهذا مؤشّر خطير على ما آلت إليه الأمور اليوم”. وحدّاد قيادية في حزب حركة الشعب الذي ساند انقلاب قيس سعيد. وقد دعمتْ هي نفسها اعتقال عشرات المعارضين فيما اصطلح على تسميته في قضيّة “التآمر على أمن الدولة”. وقالت، في تصريحات صحفية في مارس الماضي، إنّ ملف قضية التآمر “ليس فارغا كما يُروّج له”.

ورغم غياب إنجازات حقيقية لسعيّد، فإنّه لم ينسَ اللجوء للكرة. فأطلق مشروعا ضخما لإعادة تأهيل الملعب الأولمبي بالمنزه، أهمّ منشأة رياضية في العاصمة، بتكلفة تفوق 30 مليون دولار.

ومع اختلال توازن النظام المركزي منذ بداية الألفية الجارية، بدأت أندية الكرة تنافس الدولة من حيث الانتماء والنفوذ والسلطة. وتُمثّل كرة القدم اليوم أكثر من مجرّد متنفّس للتونسيين، إذ سرعان ما تحوّلت إلى مؤسّسة مكتملة العناصر، بعد مخاض دام لأكثر من 35 عاما. وكان الباحث الفرنسي المتخصّص في الشأن التونسي، ميشال كامو، قد لفت الانتباه منذ عام 1988 إلى أنّ شعار “الترجي يا دولة” قد يمتدّ إلى ما وراء أسوار الملاعب، كمنافس للدولة وسيادتها.[7]

ويبدو واقعُ الكرة مرتبطا ارتباطا عضويا بواقع الدولة أكثر من أيّ وقت مضى. فكلاهما يغرق في المشاكل ذاتها، بعنوان رئيسي هو غياب الحوكمة.


[1] سلاف الحمروني، انتخابات 9 مارس القادم تؤسس لصراع جديد بين الوزارة والجامعة التونسية لكرة القدم، جريدة “المغرب”، 30 جانفي 2024

[2] راجع مثلا لا حصرا دور نادي الترجي الرياضي التونسي في تاريخ الحركة الوطنية في

Franck Mauroy, L’Espérance Sportive de Tunis – Genèse d’un mythe bourguibien, Monde arabe Maghreb-Machrek, N° 157, Juillet-Septembre 1997

[3] Christophe Ayad, Ben Ali prêt à saisir la balle au bond, Libération, 14 février 2004

[4] Bassam Bounenni, Jours intranquilles – Chronique de 10 de révolutions arabes, Editions Nirvana, Tunis, 2021, p. 20.

[5]  بعيدا عن الكرة، قضت محكمة تونسية في أيار / مايو 2023 بالسجن 6 سنوات وبتخطئته بأكثر من 10 مليون دولار بتهمة تبييض الأموال.

[6] مباراة الباراج بين القوافل وبن قردانسياسيون على الميدان واحتجاجات ليلية، موقع “ألترا صوت”، 19 أيار / مايو 2018

[7] Michel Camau, Tarajji ya dawla ou la force de l’Espérance. Propos sur le désengagement de l’Etat en Tunisie, Bulletin du CEDEJ,N° 23, 1988, 1er semestre

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية