في تونس، عاملات المنازل مغيّبات حتّى عند التشريع لحقوقهنّ


2021-03-16    |   

في تونس، عاملات المنازل مغيّبات حتّى عند التشريع لحقوقهنّ

قرّرت الجلسة العامّة لمجلس نوّاب الشعب في جلسة يوم 2 مارس، بإجماع مختلف الكتل، إرجاع مشروع القانون المنظِّم للعمل المنزلي إلى لجنة الشباب والشؤون الثقافية والتربية والبحث العلمي للنظر فيه من جديد. جاء هذا القرار بعد نقاش عامّ أثار ضعف عمل اللجنة، وعدم استماعها إلى مختلف المتدخّلين، وعلى رأسهم عاملات وعَمَلة المنازل. ورغم أنّ مفهوم العمل المنزلي المعتمد يشمل مهناً تُعتبَر ذكورية كالحراسة والبستنة، وأنّ مشروع القانون اعتمد في صياغته المذكّر جنساً “محايداً”، كان واضحاً حسب شرح أسبابه، أنّ الغالبية الساحقة التي تشتغل في هذا القطاع هنّ من النساء. لكنّ مشروع القانون اقتصر على العَمَلة والعاملات التونسيات تحديداً، حيث فضّلت الحكومة ترحيل ظاهرة تشغيل عاملات منزليات من أفريقيا جنوب الصحراء، التي انتشرت في السنوات الأخيرة، إلى مشروع قانون لا يزال قيد الصياغة حول العمالة الأجنبية.

ولعلّ غياب إحصائيّات رسمية حول عدد العاملات المنزليات وواقعهنّ مؤشّر كافٍ على تهميشهنّ، فهؤلاء النسوة يختزلن مختلف أوجه التهميش، طبقياً وجنسياً وجغرافياً. فهنّ ضحايا منظومة تعليمية لم تشملهنّ، ومنظومة اقتصادية لم تجد لهنّ مكاناً، ومنظومة أُسرية إمّا مستقيلة وإمّا عاجزة، وأحياناً متواطئة في بيعهنّ منذ الصغر، وعلاقات شغلية يكثر فيها الاستغلال، في غياب قانون ينظّم المهنة ويضمن الحقوق.

ورغم قانون سنة 1965 المتعلّق بحالة العمل المنزلي، وقانون سنة 2002 الذي ينظّم طريقة انخراطه في منظومة الضمان الاجتماعي، لا يزال هذا القطاع في الواقع خارج سلطة القانون. فقد اقتصر قانون 1965 على سحب التشريع المتعلّق بالتعويض عن أضرار حوادث الشغل والأمراض المهنية على عملة المنازل، وتحجير انتداب الأطفال الذين سنّهم دون 14 عاماً، وفرض رقابة خاصّة على تشغيل مَن سنّهم بين 14 و16، قبل أن ينقَّح سنة 2005 بزيادة سنتين على السنّ المشترطة. ثمّ جاء قانون القضاء على العنف ضدّ المرأة في 2018 ليلغي معظم فصول قانون 1965، ويجرّم تشغيل الأطفال في المطلق، أي أقل من 18 سنة، والتوسّط في ذلك. وكرّست اجتهادات فقه القضاء ضعف التأطير القانوني للعمل المنزلي، حيث أقصت محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة هذا القطاع من مجال تطبيق مجلّة الشغل، اعتبارا لطابعه الشخصي-المدني[1].

عندما تجتمع مختلف أوجه الهشاشة في مهنة

تزامن الاهتمام الحكومي بموضوع العاملات المنزليات مع صدور دراستَيْن مهمَّتَيْن عرّتا الواقع الصعب الذي يعِشْنَه. ورغم اختلاف منهجيّتَيْهِما، فإنّ الدراستين تشتركان في اهتمامهما فقط بالعاملات المنزليات التونسيات دون العاملات الأجنبيات الآتيات من دول أفريقيا جنوب الصحراء[2]. الدراسة الأولى كيفية، نشرها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (الكريديف)، وشملت 34 معيّنة منزلية من تونس الكبرى وصفاقس وسوسة. أمّا الدراسة الثانية، التي سنبرز في ما يلي أهمّ خلاصاتها، فهي دراسة كمّية وكيفية للجمعيّة التونسية للنساء الديمقراطيات، شملت عيّنة من 102 عاملة منزلية في إقليم تونس الكبرى[3].

أثبتت هذه الدراسة غياب مختلِف شروط العمل اللائق عن هذا القطاع. إذ تشتغل الغالبيّة الساحقة من عاملات المنازل (97%) بدون عقود عمل، وبالتالي بدون نظام حيطة اجتماعية أو تأمين، وهو ما يثبت قصور قانون 2002 على ضمان هذا الحقّ للعاملات المنزليات. كما لا تتمتّع معظم العاملات بعطلة أسبوعية أو عطلة سنوية خالصة الأجر، ممّا يدفعهنّ، في معظم الأحيان، إلى العمل أكثر من طاقتهنّ لتحصيل ما يكفي لمعيشتهنّ ومعيشة أُسَرهنّ.

ورغم الخطر الذي يشكلّه عملهنّ على صحّتهنّ جرّاء التعامل المفرط مع بعض المواد الكيميائية يفتقر أكثر من نصفهنّ إلى وسائل الحماية كالقفّازات والأحذية الخاصّة. وإذا كان عدد ساعات العمل للمعيّنات المنزليات العرضيات يتراوح بين 6 و8 ساعات يومياً فإنّ صعوبة التنقّل، وتحملّهنّ مختلف الأعمال المنزلية في عائلاتهنّ، لا يترك لهنّ أيّ وقت للراحة. أمّا العاملات المنزليات المقيمات فلا يقلّ عملهنّ عن 9 ساعات يومياً، وأحياناً 14 ساعة، أي منذ استيقاظ أفراد العائلة حتّى خلودهم للنوم.

لا ينعكس حجم العمل المرتفع في أجور جيّدة. فمستوى الأجور يقلّ عن 400 د، أي أقلّ من الأجر الأدنى المضمون، لدى 40% من العاملات المعنيّات بنظام التأجير الشهري، في حين لا يتجاوز 600 دينار لدى 90% منهنّ. أمّا في نظام التأجير اليومي، الذي يخصّ العاملات اللاتي يَعْملن لدى أكثر من مشغّل، فيتراوح الأجر بين 20 و30 د في أكثر من نصف الحالات، ويقلّ أحيانا عن 20 د. وهذا يعود إلى أنّ الأجر يحدَّد في معظم الأحيان حسب عرض المشغِّل.

ينعكس انخرام التوازن في العلاقة الشغليّة في أحيان كثيرة في سهولة تعرُّض العاملات المنزليات إلى مختلف أشكال العنف. فقد صرّحت 86% من العاملات المستجوَبات بتعرّضهنّ إلى الإهانة اللفظية، بالإضافة إلى أشكال أخرى من العنف المعنوي كالسبّ والشتم والاتّهام بالسرقة والاستهزاء من اللهجة أو المظهر أو الانتماء الجهوي. كما تتعرّض العاملات أحياناً إلى عنف جسدي أو جنسي، حيث صرّحت ربع المستجوبات بتعرضهنّ إلى تحرّش جنسي في إطار عملهنّ، وصل لدى بعضهنّ إلى محاولة الاغتصاب أو حتى حصوله فعلياً.

هذا لا ينفي، حسب شهادات العاملات، وجود علاقات طيّبة مع جزء من العائلات التي يشغّلهنّ، تتجاوز في أحيان كثيرة العلاقة المهنيّة الصرفة. لكنّ الهشاشة تكمن تحديداً في ارتباط واقع العمل ومخاطره، بمدى إنسانية العائلة المشغّلة. وفي معظم الأحيان، تفرض الحاجة إلى المال على العاملات تحمّل قسوة الواقع والمحافظة على العلاقة الشغلية، خوفاً من واقع أقسى.

تتقاطع هشاشة وضعيّة عاملات المنازل الاجتماعية، كما أثبتت دراسة جمعية النساء الديمقراطيات، مع “هشاشة مكانية”. إذ أنّ أغلب العاملات اللاتي يشتغلن في إقليم تونس الكبرى وُلدْنَ خارج العاصمة، بخاصّة في ولايات الشمال الغربي التي يغلب على مناطقها الطابع الريفي. أمّا العاملات اللاتي وُلدْن في تونس، فيأتين في الغالب من الأحياء الأكثر فقراً وتهميشاً.

باشر قرابة ثلث العيّنة التي شملتها الدراسة العمل المنزلي قبل سنّ الـ16، وفي أكثر من عُشر الحالات قبل سنّ العاشرة. لا تفضح هذه النتيجة عجز قانون 1965 عن الإحاطة بواقع عاملات المنازل وحسب، إنّما كذلك واقع الإتجار بالبنات اللاتي يُرسَلْن من الأرياف، في سنّ صغيرة، للاشتغال لدى الطبقات المتوسّطة والمرفّهة في المدن الكبرى. عمليّات تتمّ بتواطؤ من العائلات وتنظيم وسطاء غير قانونيين، يكبر دورهم كلّما انخفضت سنّ البنات، حسب دراسة لمكتب العمل الدولي حول تشغيل القصّر[4]. وتكاد هذه الممارسة تكون عامّة في بعض القرى والأرياف، حيث لا تتوانى العائلات عن بيع بناتها بمجرّد بلوغهن سنّاً معيّنة، لأنّ “الجميع يفعل ذلك”، كما أظهر تحقيق ميداني لموقع انكفاضة. أُنجز هذا التحقيق في نوفمبر 2018، أي بعد تسعة أشهر من دخول قانون القضاء على العنف ضدّ المرأة حيّز النفاذ، وأكثر من سنتين من نفاذ قانون منع الإتجار بالأشخاص ومكافحته، ممّا يثبت تواصل الظاهرة رغم التشريعات المجرِّمة لها، ويطرح السؤال حول نجاعة التشريعات، بغضّ النظر عن جودتها، في غياب إرادة سياسية لتطبيقها.

يستحقّ الموضوع نقاشاً أفضل واهتماماً أكبر

بدأ العمل على مشروع القانون في جوان 2020، حين أشرفت وزيرة المرأة السابقة أسماء السحيري على ورشة تفكير، بالتعاون مع مكتب العمل الدولي، حول “مراجعة المنظومة القانونية لعاملات المنازل والعمل على انضمام تونس لاتّفاقية العمل الدولية رقم 198 بشأن العمل اللائق للعمّال المنزليين”. لكنّ اللافت للنظر كان سرعة إنجاز مشروع القانون، فقد أُودِع في مجلس نوّاب الشعب في 31 أوت من السنة نفسها، قبل يوم واحد من نيل حكومة هشام المشيشي الثقة. ولئن تعهّدت الوزيرة السابقة، منذ الاجتماع الأول، بأن تنتهي أشغال اللجنة قبل نهاية السنة، فإنّ صياغة مشروع القانون لم تحتجْ سوى بضعة أسابيع، ربّما تحت ضغط التطوّرات السياسية، أو السعي إلى الإعلان عنه في ذكرى المصادقة على مجلّة الأحوال الشخصية، في 13 أوت.

وإذا كانت المعطيات لا تكفي للحكم على عمل لجنة التفكير فإنّ عمل اللجنة البرلمانية يثبت، للأسف، استخفافاً كبيراً بموضوع العاملات المنزليات، سواء من قِبل رئيسها أو بقيّة أعضائها من مختلف الكتل. وقد اكتفت اللجنة بجلستي استماع لكلّ من وزارة المرأة ووزارة الشؤون الاجتماعية، تخللتهما جلسة واحدة لمناقشة الفصول، لم تتمخّض عنها سوى تعديلات بسيطة. فكان تقرير اللجنة ضعيفاً للغاية. ضعفٌ قد يُفسَّر بعدم أهليّة لجنة الشباب لمناقشة مشروع قانون كهذا، وهو ما يطرح إشكال غياب لجنة مختصّة في القانون الاجتماعي داخل البرلمان، واعتبار مكتب البرلمان أنّ مشروع قانون العمل المنزلي أقرب إلى “التكوين والتشغيل”، وهي من مجالات اختصاص لجنة الشباب، منه إلى الحقوق والحرّيّات. لكنّ ضعف عمل اللجنة ليس مجرّد دليلٍ على قلّة كفاءة أو عدم جدّيّة أعضائها، بل قد يُترجَم أيضاً احتقاراً مستبطناً لعاملات المنازل، أو قناعة بأنّ التشريعات تصلح فقط للترويج السياسي، الداخلي والدولي، لا لتغيير الواقع.

ولئن أجمعت مداخلات النوّاب على انتقاد تقصير اللجنة فإنّها أظهرت غياب رؤية واضحة لدى مختلف الكتل لما كان يجب أن يتضمنّه مشروع القانون. فكأن الكتل النيابية اكتشفت النصّ مباشرة قبل عرضه في الجلسة العامّة، ولم تكن ممثّلة في اللجنة، ولم يشارك أعضاؤها في النقاش ويصوّتوا على الفصول وعلى التقرير.

وإذا كان انشغال الكتل النيابية بصراعاتها السياسوية قد ألهاها عن مشاريع قوانين بهذه الأهمّيّة، فإنّ موضوع عاملات المنازل لم يخلُ من الاستغلال السياسي. المثال الأبرز كان مداخلة النائب عن ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي في النقاش العام لمشروع القانون، التي خصّصها لمهاجمة الحركة النسوية بوصفها منشغلة بقضايا المساواة في الميراث والأمّهات العازبات، متجاهلاً أنّ الدراسات الوحيدة تقريباً حول موضوع عاملات المنازل هي من إنجاز المنظّمات النسوية، وأنّ غياب المساواة في الميراث هو من أهمّ أسباب تفقير النساء وهشاشتهنّ. أمّا عبير موسي، زعيمة الحزب الدستوري الحرّ، فقد ربطَتْ من جهتها خيار سَنّ مشروع قانون خاصّ بعَمَلة المنازل بدل إضافة فصول لمجلّة الشغل، وهو طبعاً خيار قابل للنقاش، بإرادة ضرب مكاسب الدولة البورقيبية. فبين التجاهل صلب اللجنة، والاستغلال في الجلسة العامّة، كان نقاش مشروع قانون العمل المنزلي، بدون قصد، ترجمة بائسة لواقعهنّ.

إخراج العمل المنزلي من ظلمات الفضاءات الخاصّة إلى نور القانون

تتمثّل فلسفة مشروع القانون في إضفاء صفة العلاقة الشغلية على العمل المنزلي. فضمان العمل اللائق في هذا القطاع، وسحب الحقوق المكتسبة للشغّالين عليه، يحتاج قبل كلّ شيء اعترافاً بأنّ العمل المنزلي هو عملٌ قبل أن يكون منزلياً. لذلك أقرّ مشروع القانون صراحة بانطباق مجلة الشغل عليه في ما لا يتعارض مع الأحكام الخصوصية. ونتيجة لذلك، أقرّ أيضاً اختصاص تفقّديات الشغل في رقابة مدى احترام أحكامه، وكذلك اختصاص دوائر الشغل في النزاعات المتعلّقة بتنفيذ عقد العمل المنزلي. كما كانت الأحكام المرتبطة بساعات العمل والتأجير والعطل في تناغم مع مستوى الحقوق المضمونة في مجلّة الشغل.

ولئن كان السؤال حول مدى وجاهة خيار تخصيص قانون للعمل المنزلي، بدل الاكتفاء بسحب أحكام مجلّة الشغل عليه، مشروعاً، فإنّه قد يفسّر بتفرّع القطاع إلى نوعين من العلاقات، يختلف واقعهنّ بدرجة كبيرة رغم اشتراكهما في الهشاشة. فالعمل المنزلي يمكن أن يكون لدى مؤجّر واحد، وهو ما يسهّل أكثر تطبيق أحكام مجلّة الشغل، ويحتاج في الآن ذاته حقوقاً خصوصية حيث يشترط هذا النوع من العمل، في أحيان كثيرة، إقامة العاملة في منزل العائلة المشغّلة. كما يمكن أن يكون العمل المنزلي لدى عدّة مؤجّرين، وهو ما يفترض تأطيراً مختلفاً، أقلّه في نظام التأجير والحيطة الاجتماعية. كان هذا التصنيف مركزياً في مشروع القانون، ورغم أنّ بعض المداخلات في الجلسة العامّة انتقدته يبدو تجاوزه صعباً، وقد يكون ثمنه إمّا تراجعاً في الحقوق المرتبطة بالعمل لدى مؤجّر واحد وإمّا عدم قابليّته للتطبيق على العمل لدى عدّة مؤجّرين.

إذ يخضع العمل لدى مؤجّر واحد إلى شروط والتزامات عديدة، أوّلها أن يكون بمقتضى عقد شغل، على أن يحدَّد أنموذج لهذا العقد بمقتضى قرار مشترك بين وزيريْ الشؤون الاجتماعية والتشغيل. ويجب على المؤجّر إيداع نظيرين من العقد لدى مكتب التشغيل والعمل المستقلّ ولدى تفقّدية الشغل، وإعلامهما في صورة إنهاء العلاقة الشغلية.

كما يحدّد مشروع القانون، أسوة بمجلّة الشغل، مدّة العمل الفعلي لدى مؤجّر واحد بـ48 ساعة في الأسبوع، توزَّع على أيّام الأسبوع باتّفاق الطرفين، على ألّا تتجاوز 10 ساعات في اليوم. ويضمن راحة أسبوعيّة بـ24 ساعة متتالية، وراحة خالصة الأجر بعنوان الأعياد الدينية والوطنية، يمكن تأجيلها وإضافتها إلى الراحة السنوية. هذه الأخيرة تحدَّد مدّتها بحساب يوم واحد عن كلّ شهر عمل فعلي بدون أن تتجاوز 15 يوماً في الجملة و12 يوم عمل. كما يضمن مشروع القانون عطلة ولادة حسب التشريع الجاري به العمل للعاملة المنزلية، وراحة إرضاع بساعة في اليوم طيلة سنة ابتداء من الولادة. هذا بالإضافة إلى رخص راحة استثنائية خالصة الأجر متعلّقة بالزواج أو وفاة أحد أفراد العائلة أو ختان أحد الأبناء أو زواجه.

أمّا في خصوص العمل لدى أكثر من مؤجّر فيقتصر على ثلاثة فصول، إذ لا يشترط عقداً لإثبات العلاقة الشغلية، وتحدَّد مدّة العمل الفعلي بـ8 ساعات يومياً، على ألّا تتجاوز، مع الساعات الإضافية، 10 ساعات. وسواء كانت العاملة المنزلية تشتغل لدى مؤجّر واحد أو أكثر، فإنّ الأجر لا يمكن أن يقلّ عن الأجر الأدنى المضمون المعمول به في مختلف المهن بنظام 48 ساعة عمل في الأسبوع، سواء كان الخلاص شهرياً أو بالساعة.

بالإضافة إلى ذلك، يضع مشروع القانون التزامات أخرى على عاتق المؤجّر، كتوفير ظروف عمل مطابقة لشروط الصحّة والسلامة، وتوفير السكن اللائق والإعاشة للعامل المنزلي إذا كان عمله مرتبطاً بالإقامة، وتسجيله لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وخلاص المساهمات المستوجبة، على أن يتمّ التسجيل من قِبل العامل المنزلي نفسه في حالة تعدُّد المؤجّرين، أو تقاعس المؤجِّر عن ذلك. أمّا من جهة العامل المنزلي، فتوجد التزامات أخرى، من قبيل تنفيذ العمل المتّفَق عليه، وموافاة المؤجِّر بما يفيد السلامة من الأمراض المعدية، وإعلامه بكل تغيير يطرأ على وضعه الصحّي.

كما تضمّن مشروع القانون، أسوةً بقانون القضاء على جميع أشكال العنف ضدّ المرأة وقانون مكافحة الإتجار بالبشر، منع تشغيل الأطفال والتوسّط في ذلك، محيلاً إلى نفس العقوبات الواردة في القانونين. وقد ضبط مشروع القانون طرق انتداب عملة المنازل، الذي يكون إمّا مباشرة وإمّا عبر مكاتب التشغيل (العمومية) أو عبر مكاتب إسداء خدمات مضبوطة قائماتها لدى مكاتب التشغيل، ومنع التوسّط في التشغيل في العمل المنزلي في غير هذه الصّوَر.

ولضمان فُرص تطبيق هذه الأحكام، عهد مشروع القانون مهمّة مراقبة ظروف العمل المنزلي ورفع المخالفات لأعوان تفقّدية الشغل ومراقبي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. لكن يبقى دخولهم إلى مكان العمل مرتبطاً بموافقة المؤجِّر، أو إذن من وكيل الجمهورية. وتجري عمليّات المراقبة من قبل أعوان من الجنسين، احتراماً لخصوصيّة المنازل، وهي من التنقيحات القليلة التي أضافتها اللجنة البرلمانية. كما نصّ مشروع القانون على واجب إشعار الجهات المختصّة، على كلّ شخص يعلم أو يشاهد حالة تشغيل عامل منزلي بدون احترام القانون، وحمايته من أيّ مؤاخذة جزائية، طالما كان على حسن نيّة.

لا شكّ أنّ ما تضمّنه مشروع القانون سيشكّل تقدّماً كبيراً في الوضعيّة القانونية لعملة وعاملات المنازل، لكنّ هذا لا ينفي حاجته إلى نقاش أكبر، تُطرَح فيه مختلف الخيارات للنقاش، بدءاً بإقصاء العمالة المنزلية الأجنبية، وصولاً إلى موضوع الضمان الاجتماعي، ومدى ملاءمة النظام الوارد في قانون 2002 لواقع العاملات المنزليات. فلئن كان إرجاع مشروع القانون إلى اللجنة دليلاً على اختلال المسار التشريعي جرّاء استخفاف بعض اللجان بوظيفتها التشريعية وانشغال الكتل النيابية بصراعاتها السياسوية، فإنّه قد يكون كذلك فرصة لتعميق النقاش حول الموضوع. مثل هذا النقاش لا بدّ أن يشرِك العملة المنزليين، حتّى في غياب نقابة تمثّلهم، وأن يأخذ بعين الاعتبار قابليّة التشريع للتطبيق، كي لا يقتصر الأمر على إصدار تشريعات جميلة تستفيد منها السلطة في التسويق لنفسها، أكثر من المعنيّين والمعنيّات بها.

  1. محكمة التعقيب، الدوائر المجتمعة، قرار عدد 32039، 1995/01/19.
  2. على عكس الدراسة التي نشرتها، سنة 2017، جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية، وهي دراسة كيفية شملت العاملات المنزليات التونسيات والأجنبيات:Afturd, Remue-ménage en Tunisie : La condition des travailleuses domestiques en question(s), 2017.
  3. الجمعيّة التونسية للنساء الديمقراطيات، “عاملات المنازل بإقليم تونس الكبرى: ظروف العمل، حقيقة الانتهاكات ورهانات العمل اللائق”، دراسة من إعداد د. زهير بن جنّات، تونس، جوان 2020.
  4. Organisation internationale du Travail, Étude sur les enfants travailleurs domestiques en Tunisie, Cas type des enfants originaires des gouvernorats de Jendouba et Bizerte, p. 41

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، تونس ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حقوق العمال والنقابات ، عمل منزلي ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مساواة



لتعليقاتكم