في اليوم العالمي للمفقودين أهاليهم يسألون: وينك يا دولة


2016-08-31    |   

في اليوم العالمي للمفقودين أهاليهم يسألون: وينك يا دولة

"دوّرت على ابني سنين. سـألت كتير وقالولي كتير، وما لقيت شي. بس رح ضلّ دوّر حتى انا وبالقبر. رح كون عم دوّر". كلمات مشفعة بالدموع قالتها السيدة السبعينية، والدة غصوب سلّوم. فقدت ابنها في العام 1983 ولم يكن قد بلغ الثامنة عشر من عمره بعد. وإلى اليوم وبعد اكثر من ثلاثين عاماً، لا تزال متمسكة بالحياة على أمل أن تعثر عليه يوماً ما.
يصادف الثلاثون من آب "اليوم العالمي للمفقودين"، وقد أحيت "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" هذا النهار من خلال احتفال أقيم عند الساعة الخامسة من مساء الثلاثاء في قاعة فرنسوا باسيل –حرم الابتكار والرياضة في جامعة القديس يوسف في بيروت. شارك في هذه المناسبة عدد كبير من اهالي المفقودين الذين حضروا محمّلين بآلآمهم وأوجاعهم، معلقين كل آمالهم على هذه البعثة لمساعدتهم على تبريد جروحاتهم ومعرفة حقيقة "طال انتظارها فيما الوقت بات يداهمهم".
بعد النشيد الوطني، كانت كلمة لنائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ماركو سوتشي أوضح فيها أن لبّ المشكلة يكمن في عدم "اتخاذ اية تدابير فعالة من قبل السلطات في الدولة اللبنانية لمعالجة قضية المفقودين". وقال: "ما زال اهالي المفقودين يبحثون عن الأجوبة ولديهم حق المعرفة المكرس في القانون الدولي الانساني، ومن مسؤولية السلطات الكشف عن مصير المفقودين وتزويد الأهالي بالاجوبة".

معرفة الحقيقة حق عالمي
وأشار سوتشي إلى أنه "بتنا اليوم في سباق مع الوقت. فقد اختفى البعض منذ أكثر من اربعين عاما، وبدأ أهاليهم يلاقون حتفهم دون الحصول على أجوبة. وما زالت الحكومة عاجزة عن معالجة هذه المسألة بشكل فعال". كما لفت إلى أن "اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدأت برنامجاً شاملاً في العام 2012 لجمع البيانات، المفقودة عسى أن تساعد هذه المعلومات في الكشف عن مصير المفقودين أحياء كانوا أم أموات".
وتحدث سوتشي عن 2400 مقابلة تم اجراؤها مع أهالي المفقودين في جميع انحاء لبنان. وقد بدأ جمع العينات البيولوجية المرجعية DNA)) من الأهالي منذ العام 2015 والتي بلغت 350 عينة، وذلك بعد انتظار سنوات لموافقة السلطات اللبنانية.
ولفت سوتشي إلى أن هناك "العديد من المنظمات الأهلية الأخرى التي تعمل على قضية المفقودين وقد قامت باتخاذ خطوات ملموسة للكشف عن مصيرهم. ولكن من دون تدخل السلطات اللبنانية، ستذهب كل هذه الجهود سدى اذ ان الحكومة وحدها قادرة على تزويد الأهالي بالأجوبة".

الجثث.. في الدكوانة
وما كاد سوتشي ينهي كلمته حتى قاطعه رجل ستيني وصرخ بكل ما أوتيَ من قوة: "12 اب 1976 اختفى 6000 آلاف شاب لبناني بمنطقة الدكوانة- تل الزعتر. أُخذ منهم سبعمائة لبناني إلى اسرائيل غير الفلسطينية.  وقد سلّمهم ايلي حبيقة. "وين السلطات اللبنانية" "نحن ما عننا سلطات" "نحن ليس لدينا حكومة تحمي الارزة اللبنانية".
وبكل حرقة ولوعة، طالب شقيق المفقود نمر غانم "إزالة العلم اللبناني والإبقاء على علم البعثة الدولية وحسب". وقال: "وقفنا أثناء أداء النشيد اللبناني احتراماً للفرقة الموسيقية وليس للحكام". نحن ما عننا حدا وما خلينا حدا. حتى أننا ذهبنا الى حافظ الأسد عندما كان على قيد الحياة ولم نعرف شيئاً. نحن شعب حقنا مهضوم بأسرانا، شبابنا وأهالينا. مضى على اختفاء اخي اربعين عاماً ولا زلت أطالب بمعرفة مصيره علماً أننا شاهدنا جثثاً خلف النافعة في منطقة الدكوانة".

لن نرمي في البحر
وقد كانت كلمة لرئيسة "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان"وداد حلواني، تحدثت من خلالها بإسم أهالي أكثر من 17 الف مفقود مسجلين رسمياً، يتألمون منذ أكثر من أربعين عاماً على أحبائهم. وقالت حلواني بكل ثقة: "نحن أهالي المفقودين، لا زلنا وسنبقى معاندين. لن نرمي قضيتنا في البحر. لن يكوينا ملحه اكثر، ولن نبلطه. استنفارنا مستديم، جهوزية التأهب ترفض مقولة الإشعار الآخر. حيث اننا لن نكف عن التذكير بحقنا وما يقابله من جرم تقاعس كل مسؤولي الدولة واصحاب القرار من دون استثناء".
وتوجهت إلى المسؤولين قائلةً: "إياكم ان تتناسوا انكم سبقى وان اعترفتم مكرهين بحقنا بمعرفة مصير أحبتنا. طالما انكم اعترفتم ويستحيل عليكم التراجع عن هذا الاعتراف، فلِمَ التأجيل لانهاء معاناتنا عن سابق تصور وتصميم؟ طلع الشعر على لساننا" ونحن نردد أن فعل الاعتراف يفترض فعل تنفيذه. ولا يكفي اعطاءنا رزماً لإستمارات نحن من ملأ فراغاتها بحبر وجعنا. واضح جداً أن ما من أحد منهم كلف نفسه فتحها وقراءة سطر واحد فيها".

كما طالبت المعنيين بتوضيح  "سبب تقاعسهم واستقالتهم عن مهمة اعتماد وتنفيذ حل لا يكلّف الخزينة ولا يتطفل على جيوب أي أحد. إنه حل يحتاج تفعيله العملي إلى أقل بكثير من 24 ساعة، خصوصاً انه لا يتقاطع مع خلافاتهم أو توافقاتهم السياسية واخواتها. وخصوصاً أنه حلّ لن يحاسب احداً ولا نية لدينا بالتماثل مع التجربة الارجنتينية التي تحاكم في هذه الأيام الخاطفين في زمن الحكم الديكتاتوري. ولن يشوّش على السلم الاهلي المهزوز والمنقوص".

نحو تشريع الضرورة
وشددت حلواني على أن الحّل يكمن في امرين: "الأول، جمع وحفظ العينات البيولوجية لمن بقي حياً، معتبرة أنها مسؤولية الوزراء ورئيس الوزراء. والثاني،ـ اقرار اقتراح القانون القابع في مجلس النواب منذ ما يقارب الثلاث سنوات وهو مسؤولية النواب ورئيس المجلس".
واعتبرت أن "الترجمة العملية للنقطة الاولى بدأت بها "البعثة الدولية للصليب الاحمر" عبر البدء بجمع هذه العينات. وذلك تمهيدا لتتسلم الدولة هذه المهمة، فالكرة باتت في ملعبها". وسألت حلواني "وينك يا دولة اخبرينا ماذا حصل بالهبة التي استلمتيها من الصليب الاحمر لزوم تخزين عيناتنا؟".

وأضافت: "الترجمة العملية للنقطة الثانية تكمن في عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب مخصصة لاقتراح القانون من اجل اقراره ووضعه حيز التنفيذ". وتوجهت إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري بالقول: "رب صدفة خير من ميعاد أجاد في التوقيت. فتزامنت ذكرى تغييب الإمام ورفيقيه واليوم العالمي للمفقودين. الحلّ امامك أيها الرئيس وأهالي المفقودين يحاصرونك. و12 ساعة من أصل 24 او أقل كافية لتشريع ضرورة تنهي معاناتنا وتعزز السلم الحقيقي في البلاد".
وعرضت حلواني لعناوين الحملات والتحركات التي خيضت دفاعاً عن المفقودين من 13 نيسان الى "خمية الأهالي" إلى حملة "حقنا نعرف" وغيرها، لتختم مؤكدة: "سنكمل معركة فرضت علينا. لم يعد الصبر مفتاح فرجنا بل فرض عمل جدي كي تكتمل دائرة الضوء وتشرق شمس الحق".

هذا وقد عزفت فرقة من "المعهد العالي للموسيقى" اغنية "خدني معك" كما رافقت الفرقة الفنانة أميمة الخليل أثناء اداءها لأغنية "عصفور طلّ من الشباك".
اذاً السنوات تمضي سريعاً على آلآم العديد من أهالي المفقودين في ظل تقاعس السلطة واهمالها او تجاهلها عمداً لقضية ابناءهم. على أن الحقيقة المؤكدة تبقى أن أي وطن لن يقوم دون حلّ لقضيتهم ووضع حد لجروحهم النازفة.       
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية