في المغرب.. التحرش والإكراه على الزواج والعنف ضد الأخوات جرائم يعاقب عليها القانون بالحبس


2018-02-22    |   

في المغرب.. التحرش والإكراه على الزواج والعنف ضد الأخوات جرائم يعاقب عليها القانون بالحبس

بعد أكثر من سنة ونصف من الانتظار، حسم البرلمان المغربي الجدل بشكل نهائي بخصوص مشروع قانون "محاربة العنف ضد المرأة"، إذ صادق عليه، يوم الأربعاء 14 02 2018، بأغلبية 168 صوت، مقابل معارضة 55 آخرين، مع عدم تسجيل أي امتناع.

 

مستجدات "ثورية"..

يحمل القانون مجموعة من المقتضيات الجديدة على الساحة المغربية، أهمها تجريمه التحرش الجنسي، ورصد عقوبات "ثقيلة" في حق مرتكبيه، إذ يعتبر مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 200 دولار إلى ألف، كل "من أمعن في مضايقة الغير في الفضاءات العمومية أو غيرها بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية، وكذلك بواسطة الرسائل المكتوبة أو الإلكترونية أو الهاتفية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية".

ومما حمله القانون الجديد أيضا، تشديد العقوبات خاصة في حالة تعرض المرأة للعنف من قبل المقربين منها أو الذين يملكون سلطة عليها والذين من المفترض عليهم حمايتها، إذ يجرّم إكراه الفتيات على الزواج، وخصص له عقوبة من ستة أشهر إلى سنة حبسا، وغرامة مالية من 10 آلاف إلى 30 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

كما ينص المشروع، على تجريم المساس بحرمة جسد المرأة، وتبديد أو تفويت أموال الأسرة بسوء نية، كما كل فعل ممارسة عنف ضد الأخ أو الأخت تكون عقوبته السجن بين ثلاثة أشهر إلى سنتين نافذا.

ورصد القانون مجموعة من التدابير الوقائية من العنف، من قبيل "إبعاد الزوج المعتدي، وإنذاره بعدم الاعتداء، ومنعه من الاقتراب من الضحية أو سكنها أو الأبناء"، مع "التنصيص على فورية اتخاذ هذه التدابير وتقرير عقوبات على خرقها".

كما ينص أيضاً على "التنسيق بين المعنيِّين في مجال مناهضة العنف ضد النساء وحمايتهن، وخصوصاً السلطة القضائية والدرك والشرطة والقطاعات الحكومية"، بالإضافة إلى "إنشاء خلايا مركزية وأخرى محلية على مستوى القطاعات الحكومية والقضائية، تُعنى بمحاربة العنف ضد المرأة ومواكبة ضحاياه".

 

لحظة بارزة..

ووصفت بسيمة الحقاوي، وزيرة الأسرة والتضامن المغربية، المصادقة على القانون بـ "اللحظة البارزة في مسلسل بناء دولة الحق والقانون".

وقالت خلال كلمة لها، أمام أعضاء الغرفة الأولى للبرلمان المغربي عند تقديم المشرع الجديد، إن "هذه اللحظة هي لحظة فاصلة في تاريخ تعاطينا المؤسساتي مع قضايا النوع الاجتماعي عامة، ومع قضية محاربة العنف ضد النساء تحديدا". وشبهت القانون الجديد، بـ "المولود الذي كان حمله ثمينا ومكلفا، ووضعه عسيرا، وخروجه مما تشرئب له الأعناق". وزادت " فكرة هذا المشروع انطلقت منذ سنوات، ولم تجد السياق والمناخ المناسبين". وأضافت أن "المرحلة الراهنة نضجت فيها الشروط والتقت الإرادات، تعزيزا للديمقراطية وتحقيقا للإنصاف وقيم العدل".

وقالت إن "خلفيات اعتماد هذه الوثيقة همت العمق الحضاري لثقافة تنبذ الظلم والعنف، وتنتصر للحق والسلام"، بالإضافة إلى كونها "ترجمة لدستورنا، الذي يمنع التمييز ويمأسس مكافحته ومحاربته، وينص على المساواة والمناصفة وحفظ سلامة الجسد وتأمين الحقوق"، بحسب تعبير الوزيرة.

 

قانون يرقى بالمجتمع..

ومن جهتها، وصفت إيمان لعوينة، عضو المرصد الوطني للعنف ضد النساء، ومنظمة تجديد الوعي النسائي إخراج هذا القانون بـ"اللحظة التاريخية"، مشددة على أن الآمال تعقد على هذا النص القانوني لمحاربة ظاهرة العنف التي تعرف تناميا مطرداً. وزادت "نتمنى أن يجر هذا القانون المجتمع المغربي ليرقى به إلى سلوكيات أحسن مما كانت عليه من قبل، فيصبح مجتمعا يرفض العنف ضد النساء بكل أشكاله، اللفظية والنفسية والجسدية والاقتصادية..". وزادت" "الإحصائيات الرسمية تتحدث عن ارتفاع مستويات العنف ضد النساء، خاصة في الفضاء العمومي، ما يعني أن هذا الأخير ليس آمنا، فما بالك بالفضاء الخاص"، مؤكدة أن "الثقافة المغربية تعزز العنف ضد المرأة في الفضاء الخاص". وأوضحت أن "العنف الذي تتعرض له المرأة في الفضاء الخاص، وبالضبط أسرتها، لا يتم الإفصاح عنه بدعوى الحفاظ على الأسرة وأن المعنف في آخر المطاف هو فرد من الأسرة".

وقالت إنه في ظل تنامي ظاهرة العنف ضد المرأة، فقد كان من الضروري إخراج قانون خاص ومستقل عن القانون الجنائي ومدونة الأسرة، وبالتالي يتضمن هذا النص الجديد، مجموعة من العقوبات المشددة والمتعلقة بالفعل الجرمي والعمدية في ارتكابه، بالإضافة إلى معالجته للعنف بكافة أشكاله. وأردفت "اليوم تم إخراج القانون، وسيدخل حيز التنفيذ بعد ستة أشهر، لتكون الكرة الآن في ملعب السلطات ورجال القضاء، من أجل تنفيذ حقيقي لهذا القانون بشكل يقطع مع ظاهرة العنف ويحاصرها".

 

دون الإنتظارات..

ومن جهتها، قالت خديجة الروكاني، المحامية، وعضو تحالف ربيع الكرامة (غير حكومي)، إن هذا القانون جاء مخالفاً لما كانت تنتظره الحركة النسائية الديمقراطية بالمغرب. وشددت الروكاني، في تصريح للمفكرة القانونية، على أن القانون لم يأت شاملاً كما كانت تطالب بذلك الجمعيات النسائية التي تشتغل في الميدان، وتستقبل يومياً النساء المعنفات وتواكب ملفاتهن عن كثب، سواء في المستشفيات أو المحاكم أو مراكز الشرطة والدرك. ولفتت إلى أن هذه الجمعيات كانت سباقة للاشتغال على مجموعة من الملفات الميدانية للعنف ضد النساء، وهو الشيء الذي جعلها تبلور تصوراً ميدانيا مُفصلا عن هذه الحالات ومشاكلها. وعلقت بالقول: "كان من الأولى أن تستعين الوزارة بخبرة هذه الجمعيات خلال إعدادها لهذا القانون، لكن للأسف لم تأخذ بنسبة كبيرة من مقترحاتنا"، خاصة "وأننا طالبنا بقانون شامل ومستقل لمناهضة العنف ضد النساء، يشمل الوقاية والحماية والزجر، ثم التكفل بالنساء ضحايا العنف"، تورد المتحدثة. وعابت الروكاني على القانون المُصادق عليه ما قالت إنه "تابع للقانون الجنائي الجاري به العمل"، والذي قالت إنه تم وضعه بخلفيات "سياسية" تعود لسياسة البلاد في الستينيات. وزادت "القانون ليس خاصا بالنساء فقط، بل يشمل حتى النساء والأطفال والفروع ومن له سلطة"، معلقة بالقول "إن كل فئة وظاهرة لها حل معين ولا يمكن تعميمه على باقي الفئات بنفس الطريقة والأحكام". وانتقدت "عدم تجريم القانون لجميع أنواع العنف، خاصة النفسي والاقتصادي"، موردة في هذا الصدد أن "تعريف القانون للعنف جاء ناقصا جدا، خاصة أنه يربط بين العنف والضرر"، إلا أن "التهديد بالعنف لا يحدث ضررا"، تقول المتحدثة. وأوردت "أنه لا يوجد في القانون ما يجبر الضابطة القضائية على سلوك مساطر معينة، ومعاقبتهم في حالة عدم قيامهم بذلك"، وهو الشيء الذي ترى فيه الروكاني فتحاً لباب التساهل في عدم تطبيق القانون. وأضافت خديجة الروكاني أن القانون يُتيح إمكانية الإفلات من العقاب في حال تنازلت المشتكية عن شكايتها، لتعلق "نحن نعرف المجتمع المغربي كيف يتعامل مع العنف، خاصة إن كان مُمارساً من طرف الزوج، إذ ترغم الزوجة على التنازل عن دعوى الحفاظ على الأسرة والحيلولة دون تشرد الأطفال".

وشددت على أنه كان من الضروري أن لا يُربط انتصاب جمعيات المجتمع المدني كمطالب بالحق المدني بموافقة الضحية، معتبرة أن في ذلك "تضييقاً" و"عرقلة" لعمل هذه المؤسسات، خاصة إذا كانت الضحية في حالة إغماء نتيجة العنف، أو في حالة غيبوبة أو تسبب في وفاتها، "فكيف سنأخذ هنا موافقتها"، تتساءل الروكاني.

 

خروج من عنق الزجاجة..

وبدأت فكرة إخراج قانون لمحاربة العنف ضد النساء بالمغرب، مع الحكومة التي كان يقودها حزب الاستقلال (وطني محافظ)، في الفترة ما بين 2007 إلى 2011، من خلال مشروع قانون أعدته الحكومة، في شخص وزيرة الأسرة والتضامن، نزهة الصقلي المنتمية لحزب التقدم والاشتراكية، إلا أنه لم يكتب له الخروج إلى الواقع.

وفي أعقاب حراك 20 فبراير 2011، والذي تزامن مع مظاهرات الربيع العربي، وما واكبه من تغييرات في مجموعة من الدول العربية، والتي من بينها المغرب، الذي غير دستوره وأعيدت فيه الانتخابات، ليتمكن حزب العدالة والتنمية (إسلامي معتدل)، من قيادة الحكومة، تمت سنة 2013 إعادة طرح مشروع آخر، على أنظار المجلس الحكومي، من طرف بسيمة الحقاوي التي شغلت منصب وزير الأسرة والتضامن في الحكومة التي ترأسها عبد الإله بن كيران ما بين 2012 و2017، وهي أول حكومة في المغرب يقودها إسلاميون.

وخلال طرح مقترح القانون، أمام أنظار المجلس الحكومي، لم يحظ بإجماع مكوناته التي كانت تنتمي آنذاك لأحزاب متباينة الإديولوجيات (شيوعية، إسلاميين، وسط)، ليتقرر إرجاؤه لطاولات المشاورات، بطلب من حزب التقدم والاشتراكية، ليتم تشكيل لجنة حكومية ترأسها آنذاك الراحل عبد الله بها، الذي كان يشغل منصب وزير دولة، عن حزب العدالة والتنمية (حزب إسلامي معتدل).

وامتدت المشاورات لسنتين ونصف، قبل أن تتم المصادقة عليه، في أواخر أيام حكومة عبد الإله بن كيران، بتاريخ 17 مارس 2016، ثم تمت إحالته وفقا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل، على مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، في الثالث من مايو 2016. وانطلقت بلجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، مناقشة مشروع القانون في 16 ماي 2016، لتصوت عليه في 18 يوليوز من نفس السنة، ثم تُصادق عليه بعد يومين، الغرفة الأولى في جلسة عمومية. وأحيل المشروع على مجلس المستشارين، الغرفة الثانية للبرلمان، في غشت 2016، ليتم عرضه على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بنفس الغرفة بعد شهرين من نفس التاريخ، إلا أن المناقشة التفصيلية للقانون، لم تبدأ إلا بتاريخ 19 يناير 2018، أي بعد ثلاثة أشهر من عرضه من طرف بسيمة الحقاوي، وزيرة الأسرة والتضامن. وصادق مجلس المستشارين على مشروع القانون في 30 يناير 2018، ثم التصويت على تعديلات مجلس المستشارين بلجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، في إطار القراءة الثانية بتاريخ 7 فبراير 2018، قبل أن تتم المصادقة النهائية عليه بمجلس النواب في 14 فبراير 2018.

ويُنتظر أن ينشر القانون بالجريدة الرسمية خلال أيام، ليدخل حيز التنفيذ ستة أشهر بعد نشره.

ولم يكن إخراج هذا القانون بـ"الأمر الهين"، إذ تطلب الأمر نقاشا طويلاً بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، كما واجه عدة انتقادات من لدن جمعيات حقوقية.

وكانت الحركة الحقوقية بالمغرب أطلقت حملة وطنية، مدعومة بمواقف منظمات دولية كـ"هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية"، تطالب بضرورة سحب مشروع قانون "محاربة العنف ضد النساء"، وتعويضه ب "قانون شامل للقضاء على العنف ضد المغربيات"، منتقدة "قصور المشروع عن ضمان الحماية والوقاية والتكفل وعدم الإفلات من العقاب"، بحسب تعبيرها.

وسبق لناشطات حقوقيات، أن وجهن انتقاداتهن لمحتوى هذا القانون، إذ اعتبرت سميرة بوحية منسقة اللجنة المركزية لحقوق المرأة في تصريح لـموقع “سيت أنفو” المغربي، أن “مشروع القانون لا يرقى لطموحات النساء المغربيات". وعللت المتحدثة انتقادها بكون القانون "لم يوجه بشكل أساسي للمرأة"، بل "أقحمت مع حقوق الأسرة والطفل". وأضافت "مشروع القانون الجديد قام بتعويم عدد من المفاهيم المتعلقة بالتحرش والعنف، متجنبا الغوص في تحليلها وتدقيقها". في المقابل، استشهدت المتحدثة بـ"التجربة التونسية التي استطاع من خلالها المشرع التونسي إقرار قانون مستقل لمحاربة العنف ضد النساء والقطع مع كل أنواع العنف الممارس عليهن، سواء الرمزي منها أو المادي".

وشددت على ضرورة "ملائمة قانون محاربة العنف ضد النساء للقوانين والمواثيق الدولية"، خاصة وأن "التعاريف التي خطّها القانون لا علاقة لها بالمرجعية الدولية، كما أنه قام بتعريف مفاهيم واضحة ولا تحتاج لنصوص قانونية لتعريفها، متجاهلا جملة من المفاهيم الأساسية من قبيل التحرش الجنسي".

من جهتها، علقت إيمان لعوينة، على الانتقادات السابقة التي كانت توجه لمشروع القانون آنذاك، بالقول "فعلا كانت لدى المجتمع المدني والجمعيات النسوية انتقادات شديدة لمضامين القانون قبل المصادقة عليه". وأردفت "اليوم، مر القانون من مراحل عدة، نقاش مجتمعي، نقاش داخل الغرفة الأولى للبرلمان، ثم الثانية، ثم عاد للأولى لتتم المصادقة عليه بشكل نهائي"، وزادت "خلال هذه المسيرة كلها، تم تنقيح القانون ليواكب تطلعات البلاد والتزاماتها الدولية".

 

– لمزيد من التفاصيل حول المسار التشريعي الذي قطعه مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء بالمغرب،

تراجع الدراسات التالية المنشورة بموقع المفكرة القانونية:

قراءة نقدية في مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء في المغرب

قراءة ثانية في مشروع قانون محاربة العنف ضد النساء في المغرب

تحالف ربيع الكرامة يقدم ملاحظاته حول مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء

– للاطلاع على النسخة الكاملة من قانون مكافحة العنف ضد النساء يرجى الدخول على الرابط التالي:

http://www.chambredesrepresentants.ma/sites/default/files/loi/rapp_com_103.13_2.pdf

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية