في الحاجة إلى تدعيم الاستقلال الداخلي للقضاء في المغرب


2016-12-13    |   

في الحاجة إلى تدعيم الاستقلال الداخلي للقضاء في المغرب

يرتبط الحديث عن استقلال القضاء بشكل يكاد يكون ملازماً، باستقلاله عن التأثير الخارجي. ولذلك تتم المطالبات المهنية والحقوقية بضرورة سن قوانين تسدّ منافذ التأثير والتدخّل في القضاء. وقلما يتمّ الحديث عن الإستقلال الداخلي للقضاء داخل المحاكم. ونقصد بالإستقلال الداخليّ للقضاء بالمحاكم في هذا المقال، الطريقة التي يتم بها تدبير الشؤون الداخلية للمحاكم بما له علاقة بالعمل القضائي وكيفية إسناده وتوزيعه بين القضاة أنفسهم وما إذا كان لذلك تأثير على استقلالية القرار القضائي وسد منافذ توجيهه خارجيا أحيانا باستعمال آليات داخلية.

ومناسبة طرح هذا الموضوع الآن يعود إلى كون المحاكم المغربية على مستوى محاكم الإستئناف والمحاكم الإبتدائية تعرف في هذه الأيام[1] عقد جمعياتها العامة. فما هي الآليات القانونية الموجودة لدعم الإستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم؟ وكيف يمكن تطويرها؟

أولاً: الإطار القانوني الحالي لدعم الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم:
الإطار القانوني المتاح حاليا في المغرب لدعم خيار الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم هو مؤسسة الجمعيات العامة التي تتكون على مستوى محاكم الإستئناف والمحاكم الإبتدائية من جميع القضاة وأعضاء النيابة العامة تحت رئاسة المسؤولين القضائيين بهذه المحاكم وبحضور رئيس مصلحة كتابة الضبط وذلك قصد مناقشة القضايا الداخلية للمحاكم وتوزيع الهيئات القضائية والشعب والغرف والأقسام وتحديد أيام وساعات انعقاد الجلسات. بالمقابل، لا تعرف محكمة النقض المغربية جمعية عامة مشكلة من جميع المستشارين بها، وإنما فقط جمعية عامة مصغرة تسمى”مكتب” تتكون من الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام لنفس المحكمة  وؤساء الغرف بها وأقدم محام عام[2] وأقدم مستشار في كل غرفة[3].

وبالنظر إلى تاريخ وسياق إقرار هذه المقتضيات  القانونية التي تعود إلى سنة 1974، فإنه يمكن أن نحكم عليها من الناحية القانونية الصرفة وبغض النظر عن الممارسات الواقعية بأنها كانت جد متقدمة في تلك الفترة. فقد مكنت القضاة في المغرب من الآلية القانونية التي تجعلهم يناقشون كل شئ وبإطلاق داخل هذه الجمعيات العامة بحيث لم تضع أي تقييد. ويتضح ذلك من عبارة “تنظيم المصلحة الداخلية للمحاكم” الواردة في المرسوم المنظم للجمعيات العامة فضلا عن اختصاص توزيع القضايا والشعب والغرف والأقسام على القضاة وهذه القضايا.

وطبعا هذا الاطلاق التشريعي غير المعهود في تحديد اختصاص الجمعيات العامة بالمحاكم منذ سنة 1974 كان يمكن – لو مورس من طرف القضاة- أن يفضي إلى ممارسات متطورة وتراكمات يمكن البناء عليها لتطوير هذه التجربة. لكن للأسف من الناحية الواقعية، لم يمارس القضاة عبر تاريخ المغرب – مع بعض الاستثناءات – هذه القوة التشريعية المتاحة لهم باتجاه المزيد من دعم الإستقلال الداخلي ولم يبدأ النقاش حول هذا الموضوع بشكل جماعي إلا مع انشاء جمعية نادي قضاة المغرب نتيجة الإنفراج الذي وقع في حرية التعبير والعمل الجمعوي للقضاة مع دستور 2011 كما هو معلوم. وتم فرض نقاشات في هذا الاتجاه وخاصة مع طرح وزارة العدل والحريات مسودة مشروع التنظيم القضائي للنقاش مع الجمعيات المهنية ومع غيرهم من المهتمين. فأثمر ذلك عن بعض الإيجابيات التي لا يمكن نكرانها، من قبيل إقرار جمعية عامة لمحكمة النقض وهو مطلب أصيل لنادي قضاة المغرب وتنظيم الجمعيات العامة من الناحية الشكلية كتنظيم مسألة الاستدعاءات والنصاب القانوني لانعقاد الجمعيات العامة وطريقة اتخاذ القرار داخلها وإضافة اختصاصات لها كانت من صلاحيات جهات أخرى[4].

كما أن الاطار القانوني الحالي أيضا يعطي الإختصاص لرؤساء المحاكم لتعيين قضاة للبت في الملفات عند تسجيلها أول مرة من طرف المتقاضين. كما يعطي للنيابة اختيار هيئة الحكم في المجال الجنائي عند تعددهم داخل المحكمة بخصوص الملفات التي قررت النيابة العامة تحريك الدعوى العمومية  فيها[5]. وإذا تواجد اكثر من قاض للتحقيق داخل نفس المحكمة يبقى للنيابة العامة الحق وفقا لقانون المسطرة الجنائية  اختيار أي واحد منهم  لتقديم ملتمس إجراء تحقيق في قضية معينة [6].

ثانيا: كيف يمكن تطوير تجربة الاستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم؟
رأينا في النقطة الأولى أن المغرب لا تنقصه الآلية القانونية لدعم الإستقلال الداخلي للقضاء بالمحاكم إلى حد ما. لكن السؤال الذي يطرح الآن يتعلق بالآليات الموازية التي يكن الاعتماد عليها أولا لدفع القضاة باتجاه ممارسة هذه الآليات القانونية المتاحة وعدم تركها للمسؤولين القضائيين لوحدهم داخل المحاكم، وثانيا ما هي الآليات الممكنة للحد من اختصاص رؤساء المحاكم والنيابة العامة في مجال تعيين القضاة أو الهيئات لبت الملفات تفاديا أو دفعا لتهمة الإنتقاء في اختيار قاض معين أو هيئة معنية.

طبعا، بالنسبة لممارسة القضاة لدورهم داخل الجمعيات العامة، وهو موضوع ليس بالأمر الهين، فقد ينتهي تحت وطأة مصالح بعض القضاة والتنافسية إلى اللجوء إلى الطرق غير اللائقة كالتملق للمسؤول القضائي وغير ذلك. والأمر قد لا يكون بالضرورة بهدف معين كممارسة شعبة معينة وانما فقط بهدف المكانة  الاجتماعية (الوهمية) داخل الوسط القضائي أو وسط العدالة بشكل عام مع عدم استبعاد أن يكون مرتبطا بالفساد كذلك. كما أن حسن ممارسة القضاة لدروهم في هذه الجمعيات يرتبط بارتفاع نسبة الوعي القضائي ومدى إيمانهم بإمكانية القيام بدور فاعل داخلها تبعا للممارسات السلطوية المكرسة فيها طوال العقود الماضية. ولمواجهة ذلك، يحتاج الأمر إلى التحسيس الذي يبدأ من مؤسسة التكوين بالمعهد العالي للقضاء الذي عليه ليس واجب التكوين القانوني فقط، وإنما ايضا واجب التوعية وما يمكن أن نطلق عليه التربية على الاستقلالية والتواصل مع المحيط.

وبعد الوعي التام بممارسة القضاة لاختصاصهم داخل الجمعيات العامة، فإنه يجب الإنتقال إلى مرحلة أخرى، وهي إقرار ممارسة معقلنة حتى لا تتحول هذه الجمعيات العامة نفسها إلى احتكار للقرار وضرب الهدف القانوني العام من استقلال القضاء، ألا وهو خدمة المتقاضي. وفي هذا الصدد، يمكن اقتراح أن تقوم المحاكم بوضع أنظمة داخلية أو ميثاق أخلاقي لتدبير العمل داخل الجمعيات العامة باعتماد معايير معينة تستند على الكفاءة والأقدمية وجودة العمل والإنضباط المهني في احترام أوقات العمل مثلا وغيره من المعايير التي تكون في صالح العمل القضائي لا غير. ففي غياب ذلك، قد نسقط في ممارسات مسيئة لعمل القضاة داخل الجمعيات العامة[7] .

وأما عن النقطة الاخير المتعلقة باختصاصات رؤساء المحاكم والنيابة العامة في تعيين القضاة للبت في الملفات أو الهيئات القضائية عند تسجيلها أول مرة، فإننا نذكر بأن التجارب المتقدمة في العالم تذهب باتجاه البحث عن وسائل وطرق تقلل من تدخل العنصر البشري من خلال استعمال وسائل حديثة مثل الفرز والتوزيع التلقائي الإلكتروني أحيانا للملفات عند تسجيلها بالمحكمة أول مرة. وإذا كان لا بد من التدخل البشري في بعض الأحيان، فإنه  يجب أن تتم معياريته إلى الحد الاقصى تخفيفا من آثار التدخل المحتملة.


[1] – ينص الفصل 6 من  المرسوم رقم 498-74-2 وتاريخ 16-07-1974 على كون الجمعيات العامة للمحاكم تنعقد في الخمسة عشر الاولى من شهر دجنبر (شهر 12) من كل سنة (ميلادية).
[2] – تسمية المحامي العام تطلق على اعضاء النيابة العامة في محكمة النقض.
[3] – تراجع الفصول 4 و 5و6 من المرسوم رقم 498-74-2 وتاريخ 16-07-1974 المشار اليه قبله.
[4] –  يراجع مشروع القانون رقم 15-38 المتعلق بالتنظيم القضائي  الذي صادقت عليه الغرفة الاولى (مجلس النواب)بالبرلمان المغربي ولا زال معروضا على الغرفة الثانية (مجلس المستشارين) – متاح على الموقع الالكتروني لوزارة العدل والحريات المغرب على الرابط الآتي: http://www.justice.gov.ma/lg-1/documents/doccat-4.aspx تاريخ الزيارة هو : 09-12-2016
[5] – هذه الصلاحيات معطاة  لرؤساء المحاكم  وللنيابة العامة بمقتضى قانوني المسطرة المدنية أو الجنائية حسب الاحوال. غير أن  قضاة التحقيق لا يتم تعينهم من طرف
[6] – تراجع المادتان 52 والمادة 90 من القانون رقم 22-01 المتعلق بالمسطرة الجنائية  وهذه الوضعية منتقدة في المغرب لا من حيث تعيين الوزير لقضاة التحقيق ولا حيث منح النيابة العامة حق اختيار قاضي التحقيق عند التعدد. لذلك فإن التفكير جار لتغييرها في مشاريع القوانين المتعلقة بالمساطر .
[7] – للتفاصيل حول الجمعيات العامة بالمغرب  تراجع مقالات :  عبداللطيف الشنتوف : دمقرطة المحاكم بالمغرب – مقال منشور بموقع هسبريس الاليكتروني بتاريخ 21-12-2015 – وأنس سعدون : الجمعيات العامة للمحاكم بالمغرب الواقع والآفاق-  مقال منشور بنفس الموقع بتاريخ 21-12-2015 وفاتح كمال : الجمعيات العامة كألية جماعية لتسيير المحاكم – مقال منشور بموقع صوت العدالة – يوم 29-11-2016.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، المغرب ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *