في أول تطبيق لتجريم حرمان المرأة من الميراث: محكمة مصرية تقضي بحبس شخص حرم شقيقته من ميراثها


2019-03-01    |   

في أول تطبيق لتجريم حرمان المرأة من الميراث: محكمة مصرية تقضي بحبس شخص حرم شقيقته من ميراثها

في منتصف يناير 2019، أصدرت محكمة جنح أبو المطامير بمحافظة البحيرة، برئاسة القاضي خالد خلف، حكما بالحبس سنة على شخص امتنع عن تسليم شقيقته نصيبها من الميراث الشرعي الذي تستحقه عن والدتها. وهو أول تطبيق عملي لقانون تجريم حرمان المرأة من الميراث الذي كان سبق للمفكرة نشر تعليقاُ عليه[1]. قبل التعليق على هذا الحكم، يهمني إبداء ملاحظتين تمهيديتين: الأولى بشأن ظاهرة الحرمان من الميراث، والثانية، التذكير بمضمون القانون.

أولاً: ظاهرة الحرمان من الميراث:

العنف الأسري جزء لا يتجزأ من ظاهرة العنف ضد المرأة، المنتشر في العالم كله، وفي منطقتنا العربية بوجه خاص. ويتخذ العنف الأسري صوراً وأشكالاً متعددة، منها ما يجرمه القانون صراحة مثل العنف البدني المتمثل في ختان الإناث أو التحرش الجنسي، أو العنف الاقتصادي مثل حرمان المرأة من حقوقها المالية، وأبرز مثال على ذلك حرمانها من النفقة المقررة لها قانوناً، أوحرمانها من الميراث في بعض الأوساط الاجتماعية.

ويعد الحرمان من الميراث ظاهرة اجتماعية منتشرة في بعض الأوساط الاجتماعية في مصر، لاسيما في المناطق الريفية والبدوية، على الرغم من الآراء الفقهية الصريحة التي تحرم منع أي وارث من استيفاء نصيبه الشرعي في الميراث. ويعتبر حرمان الأنثى من ميراثها سلوكاً منافياً للأديان كافة، وعود بالبشرية إلى عصور الجاهلية الأولى، حيث كانت المرأة تحرم من حقها في الميراث، بل ومن حقها في الحياة. إلا أن النهي عن حرمان المرأة من الميراث وتأكيد حرمته الدينية لم يكن كافياً لردع الناس عن التمادي في هذا السلوك المنافي للأحكام الدينية والمبادئ الأخلاقية والفطرة البشرية السليمة، والذي يمثل في الوقت ذاته انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، بما يمثله من تمييز ضد المرأة، وعنفاً اقتصادياً ضدها، لا ينبغي قبوله أو التغاضي عنه، ويلقي على عاتق المشرع التزاماً دستورياً بحماية المرأة من هذا الشكل من أشكال العنف والتمييز.

 ووفاء بهذا الالتزام الدستوري، وبالالتزامات التى تفرضها المواثيق الدولية على الدولة المصرية، تدخل المشرع المصري في سنة 2017 لتعديل قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943 على نحو يتضمن تجريماً صريحاً لهذا السلوك.

ثانياً: التجريم القانوني لحرمان المرأة من الميراث:

بتاريخ 30 ديسمبر سنة 2017، صدر القانون رقم 219 لسنة 2017 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 77 لسنة 1943 بشأن المواريث([2])

طالبنا منذ أكثر من عشر سنوات بضرورة تدخل المشرع المصري لتجريم حرمان المرأة من الميراث([3]). كما تقدمت اللجنة التشريعية بالمجلس القومي للمرأة منذ سنة 2009 بمشروع قانون إلى البرلمان بهذا الخصوص يتضمن تعديل أحكام قانون المواريث، وإضافة مادة جديدة تعاقب من يحرم أحد الورثة الشرعيين ذكراً كان أو أنثى من نصيبه الشرعي في الميراث. كما أعد الاتحاد النوعي لنساء مصر في سنة 2014 مشروع قانون، صاغه كاتب هذا المقال، لمكافحة العنف والتمييز ضد المرأة، نص فيه على جريمة “حرمان أحد الورثة من نصيبه الشرعي في الميراث بأي طريقة كانت حرماناً كلياً أو جزئياً”.

وأول ما يلاحظ على النص الجديد عمومه وشموله من ناحية المجنى عليهم فى هذه الجريمة، بمعني أنه لم يقتصر على تجريم حرمان المرأة من الميراث، كما كانت تطالب به جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة، لكنه جاء عاماً ليشمل حرمان أي وارث، ذكراً كان أو أنثى، من نصيبه المقرر قانوناً من الميراث، وهو ما يؤكد المساواة بين الرجل والمرأة، ومنع التمييز بينهما في الحقوق والواجبات والحريات العامة([4])

وتشمل صور السلوك المجرم الأفعال التالية:

1- الامتناع عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث، وهي جريمة تتحقق بسلوك سلبي مجرد، مضمونه عدم الوفاء بالتزام قانوني يفرضه المشرع على المسؤول عن توزيع تركة المتوفى، يستوي أن يكون وارثاً أو غير وارث، كما لو كان موكلاً من الورثة.

2- حجب السند المؤكد لنصيب الوارث، وهي جريمة سلوك إيجابي مجرد، مضمونه إخفاء السند القانوني المؤكد لنصيب أحد الورثة، كالحكم القضائي الذي قضى بتوزيع التركة وفقاً للأنصبة الشرعية، إذا حجبه الجاني كي لا يعلم الوارث أنه من ذوي الأنصبة المقررة قانوناً.

3- الامتناع عن تسليم السند الذي يؤكد نصيباً لوارث، حال طلبه من أي من الورثة الشرعيين، وتقوم هذه الجريمة بسلوك سلبي مجرد، مضمونه الامتناع عن تسليم السند المؤكد لنصيب كل وارث على حدة، إذا طلبه أحد الورثة الشرعيين، للاستناد إليه في المطالبة بنصيبه الشرعي في الميراث. فمن يمتنع عن تسليم أحد الورثة إعلام الوارثة الصادر من المحكمة المختصة، يكون هدفه منع هذا الوارث من المطالبة بحقه في الميراث الثابت له في هذا الإعلام.

وقد شدد القانون عقاب الجاني في حالة العود (التكرار)، فرفع الحد الأدنى لعقوبة الحبس ليصير سنة بدلاً من ستة أشهر، كما جعل الحبس وجوبياً فى حال العود إلى ارتكاب هذه الجريمة، فلا يجوز الحكم بالغرامة وحدها.

ومع ذلك راعى المشرع الروابط الأسرية بين الورثة، التي ينبغي الحفاظ على ما تبقى منها في العلاقة بينهم، فأجاز الصلح في جرائم الحرمان من الميراث، في أي حالة تكون عليها الدعوى، ولو بعد صيرورة الحكم باتاً، على الرغم مما يتضمنه ذلك من مساس بحجية الأحكام الجنائية الباتة التي استنفدت طرق الطعن العادية وغير العادية.

ثالثاً: حكم الإدانة ومفاعيله الوطنية والإقليمية:

فيما يعد – على حد علمنا – أول تطبيق قضائي للجريمة المستحدثة في التشريع المصري، وهي الحرمان من الميراث، قضت محكمة جنح أبو المطامير بمحافظة البحيرة، برئاسة القاضي خالد خلف، بالحبس سنة على شخص امتنع عن تسليم شقيقته نصيبها من الميراث الشرعي الذي تستحقه عن والدتها.

وتخلص وقائع الدعوى في أن شخصا امتنع عن تسليم شقيقته نصيبها القانوني (فدانين) من أرض زراعية موروثة عن والدتهما. ورغم تكرار مطالبتها له بحقها القانوني بالطرق الودّية، إلا أنه لم يستجب لطلبها، مما اضطرها لتحريك الدعوى الجنائية بطريق الإدعاء المباشر، والمطالبة بتوقيع العقوبة المقررة عن الجريمة المنصوص عليها أعلاه. بالإضافة إلى الإدعاء مدنياً بالتعويض المؤقت عن الأضرار المادية التي لحقت بها، من جراء امتناع المتهم عمداً عن تسليمها ميراثها الشرعي، وهي الدعوى التي قضت فيها المحكمة بعقوبة الحبس لمدة سنة، وهي عقوبة تزيد على الحد الأدنى المقرر لعقوبة الحبس وهو ستة أشهر.

حكم الإدانة الصادر من محكمة جنح أبوالمطامير منتصف يناير 2019 صادف صحيح القانون، وهو لا يزال حكماً غير نهائي، يقبل الطعن عليه أمام محكمة الجنح المستأنفة، التي لن يكون أمامها إلا تأييد الحكم أو تخفيف العقوبة أو الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية للصلح بين الطرفين، إذا تحقق أثناء نظر الاستئناف، على الرغم من رفعها بطريق الادعاء المباشر من المدعية بالحق المدني. وتظل فرصة المحكوم عليه لتفادي الحبس قائمة، ولو بعد صيرورة حكم الإدانة باتاً. والغالب في هذه المنطقة الريفية، بعد صدور حكم محكمة أول درجة بالإدانة، أن يسعى الأهل والأقارب والعقلاء نحو دفع المحكوم عليه إلى تسليم شقيقته نصيبها الشرعي من الميراث، لوقف الإجراءات الجنائية عند هذا الحد بإثبات الصلح. لكن إذا تعنت المحكوم عليه ورفض تنفيذ التزامه القانوني بتسليم شقيقته المجني عليها حقها في الميراث، فالغالب أن التوجه سيكون نحو الضغط على المجني عليها لقبول الصلح بينها وبين شقيقها تفادياً لحبسه، ويكون سند الوسطاء في ذلك التذرع بالعادات والتقاليد، التي تأبى أن تتسبب فتاة ريفية من بيئة محافظة في سلب حرية شقيقها، ولو كان قد منع عنها حقها القانوني فى الميراث.

ومع ذلك ستظل مفاعيل هذا الحكم دافعة للمرأة نحو المطالبة بحقوقها الإنسانية، التي اعترف بها القانون بعد نضال طويل، لتغيير الثقافة الذكورية السائدة وتأكيد المساواة وعدم التمييز. وإذا لم يتم الصلح طوعاً، ورفضت الفتاة المجني عليها الخضوع للصلح قهراً، فإن حكم محكمة الجنح سوف يتأيد استئنافياً، ليكون سابقة قضائية تشجع النساء على المطالبة بحقوقهن الدستورية والقانونية والتمسك بها. ونأمل أن تمارس الهيئات المدافعة عن حقوق المرأة دورها المنشود في تثقيف الفتيات وتوعيتهن بهذه الحقوق وأهمية التمسك بها، وعدم الانصياع للضغوط الاجتماعية التي تجبرهن على التنازل عنها أو تصرفهن عن المطالبة بها قضاء، فالتفريط والتنازل المتكرر من جانب المرأة عن حقوقها يشجع الأخرين على التمادي في انتهاكها.

 


[1] راجع محمد عواد، “تجريم الحرمان من الميراث: هل يكفل للنساء في صعيد مصر حقهن؟”، المفكرة القانونية، 25-02-2018

[2] نشر القانون بالجريدة الرسمية بالعدد 52 مكررا (أ) بتاريخ 30 ديسمبر 2017.

[3] راجع: فتوح الشاذلى، الحقوق الإنسانية للمرأة بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، الطبعة الأولى، 2010، ص 319.

[4] حقيقة الأمر أن الحرمان من الميراث تكون ضحيته المرأة في أغلب الأحوال، لأسباب اجتماعية لا تخفي على أحد. أما حرمان الرجل من الميراث، وإن كنا لا ننكر احتمال حدوثه، إلا أنه جد محدود إذا قورن بحالات حرمان المرأة من هذا الحق.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، مصر



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *