في أنّ القضاء المستقلّ ضرورة لحسن انتظام الاجتماع البشريّ:


2015-02-20    |   

في أنّ القضاء المستقلّ ضرورة لحسن انتظام الاجتماع البشريّ:

تأتي هذه المحاضرة التي ألقاها أحد وجوه المقاومة المعروفين في فترة الاستبداد التونسي، في فترة تعكف فيها هيئات وعدد كبير من الحقوقيين والمثقفين على مناقشة مشاريع القوانين المتصلة باستقلال السلطة القضائية. ويسرّ المفكرة طبعا أن تنشرها كمساهمة اضافية منها في هذا النقاش العامّ (المحرّر).           
 
مثّل بروز فكرة القضاء بين الناس في خلافاتهم نقلة نوعية في حياة الإنسان تجاوز بمقتضاها ما شابها في بداياتها من توحّش وبداوة وانتقام شخصيّ وثأر قبليّ أو جماعيّ، وتحوّل معها إلى مرحلة الاحتكام لطرف ثالث يفترض فيه الحياد. وقد يكون صاحب الرأي الحصيف أحيانا، كما قد يكون الماسك بالقوّة المجتمعيّة في أغلب الأحيان باعتباره القادر على فرض ما يراه حقّا فيما يطرأ بين الأفراد والمجموعات من نزاع واختصام.
فالقضاء هو بهذه الصّفة حاجة اجتماعية لا يستقيم بدونها العمران في طموحه الدائم نحو إحكام الانتظام خاصّة إذا أمكن للأحكام أن تعانق صورة العدل التي إليها على الدّوام  وفي الأصل انجذابها، وإذا أمكن للحقّ أن يجد طريقه إلى النّفاذ لأنّه: "لا خير في حقّ لا يجد طريقه إلى النّفاذ" كما قال ذلك عمر بن الخطّاب في رسالته الشّهيرة إلى أبي موسى الأشعريّ.

وإذ تبقى فكرة العدل حلما متجدّدا وتوقا مستمرّا كونها مرتبطة بمدى تجسيمها لفكرة الحقّ، والحال أن الحقّ يتجاذبه أطراف النزاع فكلّ طرف يراه بصورة نسبيّة أي في علاقته فقط بمركزه في الخصومة وبالمصالح والمكاسب التي يتوقّع أن يجنيها من خلالها، فإنّ فكرة النّفاذ قد دفعت في الأزمنة القديمة أصحاب الأمر حسب تطوّر أنماط الإنتاج وترسّخ الرصيد الثّقافي للمجموعات، كي يتولّوا وظيفة القضاء بين النّاس بأنفسهم إمّا شخصيّا أو بواسطة من يعيّنونهم لذلك.

والملحوظ هنا هو أن قيام أصحاب الأمر بمسؤوليّة القضاء في شؤون النّاس شخصيّا ما كان ليخلو أبدا من نوازع الهوى؛ أمّا تعيينهم لمن ينوبونهم في هذه المهمّة فإذ جعل التّطوّر الاجتماعي ينزع  نحو مأسسة وظيفة القضاء ما خلق مثلا مؤسسة الموبذان بالمجتمع الفارسي أو مؤسّسة  قاضي القضاة بالمجتمع العربي، فإنّه (أي هذا النزوع ) لم يكن يخلو من محاولات أصحاب الأمر إجبار من يعيّنونهم على إصدار أحكام مطابقة للمصالح التي يرعونها والتي غالبا ما تكون مصالح اقتصادية واجتماعية وسياسيّة تعود إليهم مباشرة أو إلى قرابتهم أو إلى من يحالفونهم ويساعدونهم على استتباب الأمر إليهم. فهكذا ولدت جنينيّة فكرة استقلاليّة القضاة ثم تطورت عبر الزّمان.

وإذ تشابهت تجارب الشعوب في هذا المضمار، فإنّ وقوفنا من باب المثال عند تجربة المجموعة العربيّة كما تبلورت بمناسبة تأسيسها الحضارة العربيّة – الإسلاميّة قد يكون لنا  خير مرشد  في هذا السّبيل خاصّة وأنّ الفضاء الجغرافيّ والثقافيّ لهذه المجموعة يشهد اليوم تناميا للرّؤى التي تريد أن تخلق صورة مجمّلة ومجمّدة عن الماضي وترفعها بصورة نمطيّة في وجه الزّمن المتغيّر، وتحاول تسويقها للنّاس على أنّ فيها الدّفاع عن هويّتهم، وما هي كذلك البتّة لأنّه ثبت اهتمامها بالشّكل دون الجوهر، فتبيّن بالبرهان القاطع أن المسوّقين لتلك الصورة إنما يختبؤون واقعيّا وراءها خدمة فقط لمصالح ضيّقة، ما يمكن أن يسقطهم في فخاخ التوظيف لفائدة المخططات التي تعادي شعوبهم.

ومعلوم هنا أن الحضارة العربيّة الإسلاميّة كانت آخر حضارة أبدعها العرب بعد حضاراتهم العديدة الأخرى، وأنها في تواصل مع إرث تلك الحضارات حثّت على إقامة العدل ووجوب الحكم بالقسطاس (بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق/ حديث نبويّ)، فمثّلت نظريّا من حيث الرّصيد القيميّ والمعنويّ إضافة فارقة في تاريخ المجموعة العربيّة، ولكنّ الأمر لم يكن كذلك إلّا نادرا عند التطبيق. ولعلّه بإمكاننا توضيح هذه المسألة الشائكة من خلال أمثلة ثلاثة سترسم لنا ما نرمي إلى بسطه بالضبط حول موضوع استقلال القضاة.

 أما المثال الأوّل فهو مثال القاضي أحمد بن بديل الذي عاش في الدّولة العبّاسية وتوفّي بها سنة 258 هجري. وقد وافقت فترة تولّيه القضاء فترة بسط الجند الأتراك نفوذهم وسيطرتهم على جميع مجالات الحياة بهذه الدولة. وكان موسى بن بغا هو قائد هؤلاء الجند في تلك الفترة وكان صاحب سطوة  حتّى إن بني العبّاس وفيهم الخلافة كانوا يخشونه ويخافونه، وقد رغب في شراء ضيعة فيها سهم لأحد الأيتام فلا يمكن شراؤها دون موافقة القاضي. فأرسل كاتبه إلى أحمد بن بديل طالبا منه أن يتمّم هذه الشكلية الإجرائية – التي اعتبرها بسيطة – حتّى يفتح له باب شراء العقار المرغوب فيه؛ ولكنّ القاضي نظر في الأمر فوجد الشكليّة جوهرية توجب عليه ترجيح مصلحة اليتيم، فرفض أن يوافق، فقال له كاتب القائد وهو يقصد ترويعه: " إنه موسى بن بغا"؟؟؟ فأجابه القاضي: "إنه الله تبارك و تعالى"؟؟؟؟  فكلّ من الكاتب والقاضي قد رسم هنا مرجعيّته… فخشع الكاتب وبكى، ثم رجع إلى القائد وأخبره بالقرار القضائي وبحيثيات اتّخاذه فخشع القائد أيضا وبكى، وعدل عن رغبته في الشراء.

إن هذا المثال بإمكانه أن يدفع من أشرنا إليهم إلى اجتزائه بغاية إقناع كافة النّاس بضرورة إعادة إنتاج الماضي دون نظر في نقائصه ودون التفات إلى ضرورة التـّــثاقف مع الآخر- وهي ضرورة موضوعية – ودون اعتبار ما أسماه الأتراك- العثمانيون في نهاية القرن التاسع عشر "الأخذ بالتنظيمات"، وكانوا يقصدون بذلك الأخذ بما جاءت به الحضارة الأوروبية من أفكار وإجراءات وسبل تهدف إلى الارتقاء بالاجتماع البشريّ وإلى جعل القضاء مجسّما لصورة العدل والحقّ قدر المستطاع.

وبعيدا عن هذا المثال وتوظيفاته الممكنة، فإنّ تفحّصنا لوقائع التّاريخ كما جدّ حقّا، ستجعلنا نقف عكسا من رأي هؤلاء على أنّ مثال أحمد بن بديل ما هو إلاّ مجرّد استثناء نادرا ما تكرّر وأنّ أغلب الأمثلة الأخرى لم تكن على هذا القدر من البهاء، ما سنراه من خلال المثالين الثّاني والثّالث.
فأمّا المثال الثّاني فهو مثال العلاّمة عبد الرحمان بن خلدون الذي قبل وهو بمصر أي بأرض الكنانة منصب قاضي قضاة المالكيّة، وهذا ما قاله عن نفسه في مذكّراته:

" وقمت بما رفع إليّ من ذلك المقام المحمود، ووفّيت جهدي بما أمّنني عليه من أحكام الله تعالى، لا تأخذني في الحقّ لائمة، ولا يزغني عنه جاه ولا سطوة، قويّا في ذلك بين الخصمين، آخذا بحقّ الضّعيف معرضا عن الشّفاعات والوسائل من الجانبين".
هذا ما قاله عن نفسه صادقا، ولكنه لمّا كان عصره لا يحتمل ذلك فقد قال عنه ابن تغري – بردي صاحب "المنهل الصّافي": "باشر(ابن خلدون) القضاء بحرمة وافرة وعظمة زائدة، وحمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدّولة وشفاعات الأعيان، فأخذوا في التكلّم في أمره ولا زالوا بالسّلطان حتى عزله".

ومن المفهوم هنا أن العزل يمثّل في حياة الأفراد لحظة انكسار في مسارهم يلحق بهم النّقص مادّيا ونوعا من الهوان معنويّا، فهي إذن في حياة هذا الفرد الألمعيّ (أي عبد الرّحمان بن خلدون) محنة من المحن الكثيرة التي عرفها في حياته جرّاء استقامته والتزامه الحقّ، من الأندلس إلى المشرق العربي. أما نحن فقد أردنا أن نضرب من خلال محنته هذه مثالا تكرّر عبر تاريخ الحضارة العربيّة – الإسلاميّة ودفع قضاة كثيرين إمّا إلى الخنوع مخافة العزل أو إلى معاناة الاضطهاد، والأمثلة على هذا متناثرة في متون الكتب وسنأخذ منها فقط مثالنا الثّالث وهو مثال من خاف الخضوع للسّلطان وأراد أن يتوقّى العزل وسنرى ما وقع له نتيجة ذلك.

ونحن في هذا المثال الجديد أمام ألمعيّ آخر في حضارتنا ألا وهو أبو حنيفة النّعمان.
فهذا الإمام على رفيع مكانته لدى العامّة، وعلى عظيم فضله في الاجتهاد ما يشهد به التّاريخ لفائدته قد تعرّض إلى أسوإ محنة لمّا تمسّك بحرّيته الفكرية، إذ لمّا ذاع صيته وأقبل النّاس عليه يأخذون من علمه ويستمعون إلى فتاويه، عرض عليه أبو جعفر المنصور صاحب الدّولة العبّاسية منصب قاضي القضاة، ولكنّ وقائع عرض المنصب كانت تشير إلى أن السّلطان إنّما يريد استمالته إلى صفّه وشراء ذمّته، فما كان من القاضي إلا أن اعتذر رافضا الجاه والأبّهة قانعا بما يأتيه من رزق من تجارته المتواضعة، فإذا بالأمير لا يتأخّر عن الزّجّ به في السّجن بل ويأمر بتعذيبه وجلده بالسّياط. ثم لمّا أفرج عنه حبسه في بيته، ومنعه من الخروج إلى النّاس والجلوس إليهم، ما نسمّيه اليوم بالإقامة الجبرية… فظلّ على هذه الحال إلى أن مات … تصوّروا.

فالأمر في  مثال الحضارة العربيّة – الإسلاميّة بقي موكولا إذن  لصاحب السّلطة إن شاء خشع وبكى، وإن شاء استبدّ وعرّض القاضي إلى العزل الجائر أو إلى المحنة القاسية، فيمكن القول تعميما من هذه التجربة: إن تدخّل صاحب السلطة التنفيذية في شؤون القضاء إما بنفسه أو بواسطة من يعيّنهم نادرا ما تؤدي إلى العدل بل غالبا ما تؤدّي إلى حكم الهوى والاستبداد.

ومن الواضح عند هذا الحدّ أنّ توقّفنا عند وقائع الحضارة العربيّة – الإسلاميّة في علاقة باستقلال القضاء كشرط للمحاكمة العادلة – وفقا للعبارة الحديثة -، ما كان إلا لضرب المثال فقط. ولعلّ إشارتنا بعد هذا كأمثلة أوروبية إلى فظاعات محاكم تفتيش الضمائر باسبانيا بعد الحقبة الأندلسية أو إلى محاكمة غاليلي، من أجل قوله بكروية الأرض، ووشوك صدور الحكم بحرقه بالنّار لولا أنه أنكر علانية ما يؤمن به في سرّه، يمكن أن تغنينا عن الاستفاضة في مثل هذه الأمثلة التي من شأنها فقط أن ترسم لنا الدّرب الذي أدّى إلى بروز مطلب استقلال القضاء كما أصبحنا نعرفه اليوم ونرفعه.

لقد تطوّر هذا المطلب بوضوح تامّ بالمجتمعات الأوروبية وهي تتثاقف تثاقفها المعروف مع الحضارة العربية – الإسلامية ناهلة من إيجابياتها وآخذة للدّروس من سلبيّاتها (الرّسائل الفارسيّة لمونتسكيو مثلا). فجعلت  هذه المجتمعات من استقلال القضاء أحد المطالب الدّيمقراطية العظمى في مواجهة ظلم الملوك الإقطاعيّين المتحالفين مع الكنيسة، ثم جعلت شعوب الأرض تقتبس بعد ذلك ممّا فعلت.
وهكذا نهض المفكّرون الأحرار هناك  ينادون بفصل السّلطات عن بعضها البعض، وتصدّر المفكران جان لوك (1630 – 1704) ومونتسكيو (1689 -1755) هذه الدعوة، فقال مونتسكيو على سبيل المثال: "كي لا يتسنّى التعسف  في استعمال السّلطة يجب تنظيم الأمور بما يمكّن السّلطة من إيقاف السّلطة".

فعلى هذه الوتيرة، نصّ الدّستور الأمريكي سنة 1787 على فصل السّلطات التّنفيذية والتّشريعية والقضائّية عن بعضها البعض وفرض مراقبة كل سلطة للأخرى حفاظا على حقوق الإنسان والمواطن وتجنّبا لأيّ انحراف.
فمثل هذا النّظام هو الذي أخذت به فرنسا عند اندلاع ثورتها سنة 1789 لأن من كتبوا دستور فرنسا قد فهموا وكما قال ذلك جان جاك روسو أنّه: "ليس أمرا جيدا أن من يسنّ القوانين هو من ينفّذها".
وأصبحت أوروبا وهي الماسكة بناصية الحضارة مثالا يحتذى في هذا المضمار، فطرح العثمانيّون إشكاليّة الأخذ بتنظيماتها مناقشين مدى تعارض ذلك مع التّعاليم الإسلاميّة.

أمّا بتونس وقد كان أهلها يعيشون هم أيضا تحت طائلة ما يسمّى بالاستبداد الشرقي، فقد طمحت نخب حركة الإصلاح إلى تخليص الشّعب من المظالم التي كانت مسلّطة عليه من البايات ومحلّات جبايتهم، والتي نسوق منها – على سبيل المثال دائما – مظالم مراد الثّالث المكنّى ب"أبو بالة" حيث كان يتجول بين فينة وأخرى في الشّوارع ويضرب أعناق من يعترضونه صدفة ويزهق أرواحهم دون تهمة ودون دفاع ودون محاكمة. ويزعم وهو يرضي فقط نزوته المتوحّشة أن "البالة (أي السيف) عطشانة   للدماء".

وقد كان البايات الحسينيّون هم من يتولّون القضاء ويصدرون الأحكام على هواهم. فهذا ما فصّله أحمد بن أبي الضياف في كتــــــاب: "الإتحاف"، مبيّنا الظّروف التي حفّت بتكليفه بكتابة "عهد الأمان" الذي وقع التنصيص في فصوله عند الانتهاء من وضعه في سبتمبر 1857 على: "التّسوية بين المسلم وغيره من سكّان الإيالة في استحقاق الإنصاف، لأن استحقاقه لذلك بوصف الإنسانيّة لا بغيره من الأوصاف، والعدل في الأرض هو الميزان المستوي يؤخذ به للمحقّ من المبطل وللضّعيف من القويّ… بحيث لا يسقط القانون عن العظيم لعظمته ولا يحط عن الحقير لحقارته".
ولكن ذلك لا يعني الوصول في تلك اللّحظات إلى نظام غير استبداديّ، إذ ما يتوجّب علينا أن نعرفه هو أن عهد الأمان لئن حرّره ابن أبي الضياف بأسلوبه المعروف وبوعي ذلك العصر وعباراته، بقي يشكو من نقيصتين كبيرتين:

– أولاهما، هي أنه أملاه القناصل الأجانب على إثر ما اعتبروه ظلما لا يمكن السّكوت عنه من قبلهم، وقع ضدّ مواطن يهوديّ تونسيّ، بل إنّه تمّ فرض "العهد" في تلك الظروف بوقوف البوارج الحربيّة الفرنسية بميناء حلق الوادي في انتظار إقراره؛
– وثانيتهما، هي أن الباي احتفظ لنفسه بصلاحيّات قضائية قال عنها: "ولنا النظر في الإمضاء أو في التخفيف ما أمكن أو الإذن بإعادة الاعتبار".
ثم كان الاستعمار الفرنسي المباشر بداية من 1881  الذي أوجد نظاما قضائيّا يخدم مصالحه فترك مجالس شرعية للتّونسيين المسلمين وأخرى موسويّة لليهود ثمّ أنشأ عدالة للجالية الاستعمارية المتكونة من الفرنسيس والطليان والمالطيّة. وكان هدف هذا النظام القضائي هو قمع الطموحات الوطنية للتونسيّين فكانت الإعدامات والمنافي والتعذيب والحبس في أسوإ الظروف هي نصيبهم ونحن نذكر هنا أمثلة: الدّغباجي، والجرجار، ومحمد علي الحامي ورفاقه، وعبد العزيز الثعالبي، ونكتفي بذلك لأن القائمة تطول….
أما مع تونسة الدولة بعد 1956 ونهاية مرحلة الاستعمار المباشر فقد عرفت تونس مرحلتين، أولاهما هي المرحلة البورقيبيّة والثانية هي المرحلة النوفمبريّة.

* أما في المرحلة البورقيبية، فقد وقع إعلان الجمهورية وتوحيد النظام القضائي على غرار ما هو معمول به بالدول المتقدمة واعترف الدستور الذي سنته عام 1959  أوّل جمعية تأسيسيّة في فصله 65  باستقلال القضاة، ولكن هذا الاعتراف لم يجد سبيله إلى التجسيم العملي إذ جاءت الوكالة العامّة للجمهوريّة برئاسة المدعو محمد فرحات للتّضييق على القضاة حدّ الاختناق. وانتصبت المحاكم الاستثنائية ومحكمة أمن الدولة لإصدار الأحكام الجائرة ضدّ المعارضين. فهكذا تمّت مقاضاة اليوسفيّين والقوميّين أمام محاكم مرتجلة. أمّا محكمة أمن الدولة التي يجلس في تركيبتها أشخاص من البرلمان المنتخب صوريّا صحبة قضاة تابعين للنّظام فقد تصدّت طوال عقود من الزّمن لمحاكمة أجيال من اليساريّين (آفاق/ العامل التونسي) ومن المنتمين إلى الوحدة الشعبية (أي أنصار الوزير المعروف: أحمد بن صالح) ومن المناضلين النقابيّين (26 جانفي 1978) ومن المنتفضين بالسّلاح في قفصة سنة 1980، ومن الإسلاميّين من جماعة الاتجاه الإسلامي/النّهضة.

وكانت كلّ هذه المحاكمات بعيدة كل البعد عن صورة المحاكمة العادلة كما نصّت عليها المعايير الدولية إذ اضطهد فيها المتّهمون وتمّ الاعتداء أثناءها على لسان الدّفاع (سجن العميد الشاذلي الخلادي وشطب العميد محمد بللونة وغير ذلك من الوقائع).
وقد حاول القضاء التّونسي أن يقاوم. فمن ذلك أوّلا أنّ القاضي صلاح الدّين بن جعفر رفض في واقعة معروفة تدخّلا من وسيلة بورقيبة[1] في قضائه (وهي على ما هي عليه من نفوذ في ذلك الوقت) وأن الجمعيّة التّونسية للقضاة الشّبّان ثانيا نادت جميع القضاة شيوخا وكهولا وشبّانا إلى عقد المؤتمر الأول للقضاء الذي التأمت أشغاله يوم 9 أفريل (يوم الذكرى السنوية للشهداء) من عام 1982 بنزل أملكار(على ملك الاتحاد العام التونسي للشغل)، وتأمّلوا هنا في رمزيّة التّاريخ والمكان.

 تمحور المؤتمر آنذاك حول مطلب استقلال القضاء جاعلا من القاضي صلاح الدين بن جعفر سابق الذكر أحد رموزه إلى جانب الفاروق عمر بن الخطّاب. وتداول القضاة في كيفيّة تجسيد مطلبهم بل في كيفيّة فرضه. وتحمّس الشّبان المتخرّجون من كلّية الحقوق للموضوع مستنسخين في بعض الأحيان الأساليب النّضالية التي تربّوا عليها بالمركّب الجامعيّ وهم يقاومون تسلّط النظام على النقابة الطلابية (الاتحاد العام لطلبة تونس)، فوجدوا عند النّهاية أن مطلبهم الأساسيّ يتفرّع إلى فروع عدّة رتّبوها كما يلي:

– إلغاء التّنظير مع الوظيفة العموميّة في خصوص المستحقّات المادّية للقضاة،

– انتخاب القضاة لممثليهم داخل المجلس الأعلى للقضاء،

– إلغاء قدرة السّلطة التنفيذيّة على منح أيّ امتياز للقضاة (كالتّمديد لهم بعد التّقاعد مثلا)،

– خلق مؤسّسة دائمة لمراقبة دستوريّة القوانين.

ولم يفت المؤتمرين أمام هذه الشّروط الموضوعيّة المطلوب توفّرها أن ينادوا كشرط ذاتيّ هذه المرّة بضرورة توفّر الشّجاعة الأدبيّة لدى القاضي، وذلك لأنّ "استقلال االقضاء ينبع أولا وبالذات من شخصيّة القاضي ومن قوّته الأدبية"  كيفما جاء هذا بالكلمة التي ألقيت في افتتاح أشغال المؤتمر.
ووصل الأمر بعد ذلك بالقضاة إلى شن إضرابهم الشهير في 1985 لكن الإضراب بيومين كان أكبر من الطاقات النّضالية التي جمّعوها إذ فشل في اليوم الثاني نتيجة الضّغوطات، بعد أن نجح نجاحا باهرا في يومه الأوّل. فردّت السلطة على ما سنح من الضّعف بإيقاف 35 قاضيا عن العمل ممّن اعتبرتهم في مقدّمة صفوف الحركة ومن ضمنهم لطفي الباجي والفقيد مصطفى الشريف والطاهر زقروبة ومحمود الكعباشي والنّوري القطيطي والقائمة تطول طبعا لو أردنا ذكر جميعهم. وقد أحيلوا على مجلس تأديبي صوريّ سلّط عليهم عقوبات قاسية من العزل التاّم إلى العزل لمدد محدودة أقصاها ثلاث سنوات. وهكذا كان الانهيار التامّ للحركة المنظمة للقضاة في تلك الظّروف.

ثمّ جاء في المرحلة الثّانية – وتحديدا في نهايات 1987 –  النّظام النوفمبريّ، ليجد هذه الحالة من الانهيار. فألغى الوكالة العامة للجمهورية ومحكمة أمن الدولة فيما بدا وكأنه استجابة لمطالب الحركة الديمقراطية. ولكنّه كان يخفي في جرابه ما أمرّ من ذلك، إذ كان يدرك أن حالة الانهيار لن تسمح للقضاة بالمقاومة الجدّيّة.

وهكذا، وببساطة تامّة أصبحت محاكم الحقّ العامّ كلّها وفي أيّ جهة كانت، محاكم لأمن الدولة تقام فيها المحاكمات للمعارضين الإسلاميّين واليساريّين والنّقابيين والحقوقيّين دون خوف من عدم الإطاعة. وانتشر الفساد وأصبح القضاء خاضعا لذوي الجاه والسلطان والمال وشعار بعض أفراده "تبكي أمّهاتهم ولا تبكي أمّهاتنا"، كما أصبح مستعدّا لأن يقدّم كل الخدمات المطلوبة:

–  على حساب أرواح الناس (إصدار أحكام القتل بدون موجب مع التّسامح مع القتلة)،

– و على حساب سلامتهم البدنيّة (غضّ الطرف عن التعذيب الذي طالما كان شنيعا)،

– وعلى حساب حرّياتهم (حبس النّاس بدون احترام الإجراءات القانونيّة وتسليط أقصى العقوبات عليهم بتهم مفبركة ولا أساس لها في مبادئ القانون)،

– وعلى حساب ممتلكاتهم وأرزاقهم (مصادرة الأملاك والاستهانة بمبالغ تعويضها وتسليط الغرامات المجحفة المؤدّية إلى الإفلاس)،
ووصل الأمر – وأنا في هذه النّقطة أعيد تقديم قراءة كنت قدّمتها قبل هذا بمحاضرة ألقيتها حول هذا الموضوع بمؤسسة التميمي بتاريخ 4 ماي 2011– إلى إقرار القضاء الخاصّ من جديد أو فلنقل خصخصة جزء هام من الوظيفة القضائية – على غرار ما وقع للتعليم والصحّة – وذلك ببعث منظومة التحكيم التي ما تزال ظروف إقرارها في التّشريع التّونسي مشوبة بكثير من اللّبس والغموض حيث أصبح من الممكن للأطراف من أجانب وتونسيّين أن يتعاقدوا – وقد يكون ذلك بعقود إذعان أو بعقود دسّ في ثناياها شرط التّحكيم استغفالا للمتعاقدين – على الاحتكام لمن يريدون لحلّ النّزاعات التي تطرأ بينهم. فهي مناسبة للشّركات الأجنبيّة للتّهرّب من استحقاقات اللّجوء إلى القضاء الوطنيّ، ما ينسجم مع التوجّهات العولميّة القاضمة للمساحات السّياديّة لكل البلدان.

وإذ انتفض الشعب بداية من 17 ديسمبر 2010 زمانا وانطلاقا من سيدي بوزيد بالجنوب التونسي مكانا، مطالبا بالشّغل والحرّية والكرامة الوطنيّة، فإن أحد الأسباب الكبرى الكامنة وراء انتفاضته هي عدم رضاه على أداء الجهاز القضائيّ وتنديده بالمظالم المرتكبة أو التي يمكن ارتكابها من خلاله، مع أننا لا يمكن هنا أن نغفل عن التوجّه بالتّحيّة اللّازمة للقاضيات اللّواتي خضن وللقضاة الذين خاضوا ملحمة الممانعة في المرحلة النوفمبريّة ونعني بهنّ وبهم وبالاسم:

أولا: وسيلة الكعبي وكلثوم كنّو وروضة القرافي وليلى بحريّة ونورة الحمدي وأحمد الرّحموني وحمّادي الرّحماني اللواتي والذين تمسّكوا بالشرعيّة في إطار الجمعية التّونسية للقضاة ورفضوا الانقلاب الذي فرضه الاستبداد بمباركة والحقّ يقال من أغلبيّة مريحة من القضاة المتواطئين أو المروّعين.

وثانيا: مختار اليحياوي –الذي استقال بصورة فرديّة كشكل من الاحتجاج على عدم استقلال القضاء-.
فكلّ ما سبق من الأجواء بما فيها من نقاط قوّة أو نقاط ضعف، هو ما عكسه دستور 27 جانفي 2014 في بابه الخامس وتحديدا في فصوله من 102 إلى 124 التي نظّمت السّلطة القضائيّة تنظيما جديدا وباحت في الفصل 112 على وجه التحديد بتركيبة مبتكرة للمجلس الأعلى للقضاء حيث جعلته متركبا من أربعة هياكل هي:

– مجلس القضاء العدلي ،

– ومجلس القضاء الإداري ،

– ومجلس القضاء المالي ،

– والجلسة العامة للمجالس القضائية الثلاثة ؛

ثمّ جعلت كلّ مجلس من هذه المجالس الثلاثة متكونا:

– في ثلثيه من قضاة أغلبهم منتخبون،

– وبقيتهم معيّنون بالصّفة،

– وفي الثلث الباقي من غير القضاة من المستقلّين ومن ذوي الاختصاص،

فهنا – وفي النقطة الأخيرة تحديدا – إضافة والحقّ يقال، فرضها تشابك النّضال بين القضاة وغيرهم من الأطراف الاجتماعيّة والحقوقية من أجل استقلال القضاء، وهي ليست بالبدعة في كلّ الأحوال لأن القانون المقارن به أمثلة على مثل هذا التوجّه وخاصة بالاتحاد الأوروبي وعلى وجه التخصيص بالبرتغال وإيطاليا.

فالمؤمل أن تنعكس هذه الترتيبات الدستورية على تركيبة المجلس الأعلى للقضاء عند انبعاثه أواخر أفريل 2015، تطبيقا لما جاء بالفصل: 148-5 من الدستور في باب  الأحكام الانتقالية الذي نصّ على وجوب "إرساء" المجلس الأعلى في ظرف ستة أشهر من إجراء الانتخابات التشريعية وهي الانتخابات التي تمّت كما هو معروف يوم 23 أكتوبر 2014.  

ما يعني:

أوّلا: أن يقع تفعيل مقتضيات الفصل 105 من دستور 27 جانفي 2014 الذي اعترف بالدّور الرّيادي للمحاماة التّونسية وأقامها شريكا كاملا في إقامة العدل، فهذا ما يفتح الباب نحو جعلها تتبوّأ  -إلى جانب غيرها من الأطراف الحقوقية الأخرى بطبيعة الحال-  المكانة التي تليق بها في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء،

ثانيا: أن يكون المستقلون من ذوي الاختصاص من محامين وغيرهم، رافدا حقيقيا للقضاة المنتخبين صلب تركيبة المجلس الأعلى للقضاء يتعاونون مع بعضهم البعض لانبعاث قضاء جديد: شريف ونزيه وقابل في نطاق الشفافية التّامّة للمساءلة، وديدنه السعي إلى تحقيق العدل وتأمين حقوق الناس وحرياتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ألقيت هذه المساهمة ككلمة تمهيدية في الندوة العلمية التي نظمها مركز الدراسات والبحوث للمحامين التونسيين بدار المحامي بشارع باب بنات تونس بتاريخ 09 جانفي 2015.                                                                                                                   



[1]زوجة رئيس الجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة وكانت تعد من اكثر الاشخاص نفوذا في عهده. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية