فيلم بنات ألفة: رِحلة في متاهات البحث عن الانتماء والحرية


2023-12-05    |   

فيلم بنات ألفة: رِحلة في متاهات البحث عن الانتماء والحرية

بعد فيلم ”قصة بسيطة كهذه” لعبد اللطيف بن عمّار سنة 1970، عادَت السينما التونسية إلى مهرجان كَان الدّولي هذه السّنة بفيلم ”بنات ألفة” للمخرجة كوثر بن هنية. يروي الفيلم قصّة أم تونسية التحقَت ابنتَاها بالمجموعات الجهادية، فقرّرت خوض رحلة من أجل استرجاعِهما. كما يسلّط الفيلم الضّوء على أهمية الظروف الاجتماعية والنفسية التي مهّدت لذلك، ويُناقش تطوّرات العلاقة بين ألفة وبناتها قبل الثورة ومن بعدها، من خلال المزج المتواصل بين البعد التوثيقي والسينمائي.

ألفة نِتاج منظُومَات الهيمنة

من العسير فهم شخصيّة ألفة الحمروني داخل الفيلم ومَسارات تطوّرها الاجتماعية والسّلوكية دون الرجوع إلى مفهوم الهيمنة، الذي يُمكّننا من فهم كيف أُلقيَ بهذه المرأة في رَحم جملة من الروابط الاجتماعية القائمة على السيطرة. في بداية الأمر، تشكّل هذا النمط القمعي داخل الماضي الأسري لألفة، حيث قضّت جزءًا مُهمّا من حياتها وحيدة بعد فقدان أبويها بسبب الموت، ممّا وضَعَها مباشرة أمام تحدّي إثبات ذاتها عبر العمل -بما يُمثّله من عوالم استغلالية- ثم عبر تجربة الزواج الأولى التي أخذت حيّزا مهمّا في بداية الفيلم، من خلال أسلوب كوميدي لخَصَ علاقتها بالرجل. سمَحت هذه التجربة بتوغّل سموم الشخصية الذكورية المُسيطرة داخل ألفة الحمروني عن طريق العنف الرمزي والمادي المسلّط عليها، ولم تكن تجربة الزواج في النهاية إلا تعبيرة اجتماعية منحرفة تهدف إلى خلق رابط التبعية بين ألفة ومحيطها العائلي والزّوج. أحدث هذا الوافد الجديد تغييرا عميقا في شخصية ألفة الحمروني، التي اصطدمت بالعنف الذكوري للمرة الأولى خلال ليلة الدّخلة، حيث أصرَت -إلى درجة تعنيفها لزوجها- على التمرّد على طقوس استباحة العذرية، حتى لا تظهر في صورة امرأة تقليديّة ذات فستان الزفاف الأبيض الحامل لدماء العفّة.

مَثّلت تلك الحادثة ذكرَى مُضحكة- مؤلمة في حياة ألفة وداخل الفيلم أيضا. فالكوميديا تُعبّر في هذا السياق عن الوزن الرّمزي للتحوّل الذي خَلقَه الزواج، حيث نلاحظ بوضوح رؤية مخرجة الفيلم النقدية لطبيعة العلاقة النمطية بين المرأة والرجل في المجتمعات العربية والتي يقع تَمثُّلها من زاوية سيطرة مُكثفة ثلاثية الأبعاد؛ فهي ثقافية وجسدية وجنسية في آن واحد. في المقابل، تمكّنَت ألفة من الظهور في هذه الحقبة العصيبة من حياتها كامرأة قوية بالمعنى الذكوري ومتمرّدة بالمعنى النسوي، من حيث رفضها الدخول في منطق المرأة المُسيطَر عليها جسديا ومعنويا وجنسيا، وذلك بالرغم من ضغط العائلة (أختها بشكل خاص) التي كانت تنتظر منها إشهار عذريتها خلال ليلة الدُّخلة.

بعد ذلك خَلق قدوم بناتها، غفران ورحمة وآية وتيسير، تغيرّا جديدا في شخصية ألفة الحمروني، بالتوازي مع تعفّن علاقتها بزوجها الذي أصبح مصدرًا للعنف اليومي المُمارس على الجميع. هذا الأمر عمّقَ لديها الشعور بالخطر الذي دفعهَا إلى التخلّي عنه، عبر افتكاك سلطته الرمزية داخل العائلة، لترتسم بالتالي معالم شخصية جديدة قِوامها القسوة والسيطرة من أجل فك الارتباط مع صورة الأمّ العاجزة و”الهجَّالة”[1]. وبذلك تصبح العائلة الحاملة لاسم ”بنات ألفة” الإطار المثالي لردّ الاعتبار للأم التي تُواجه روابط السيطرة الاجتماعية. ولكن هذا الاستحواذ الأحادي الذي كان ضروريا قد أطَّرَ بسرعة علاقة ألفة ببناتها على قاعدة الترهيب. وهو ما يقتضيه منطق قيادة العائلة من وجهة نظر الأمّ بعد انسحاب الأب، ممّا سيُساهم ببطء في خلق هشاشة ستكون لها تبعات تراجيدية فيما بعد. لأن صورة ألفة المتأرجحة بين الأم الحامية mère surprotectrice والأم الشُّجَاعَة mère courage والأم المُتسلّطَة mère oppressive لم تمكنّها من استيعاب المنطق القائل بأن السيطرة تُنتج في بعض الأحيان قفزات من الحريّة المشوَهة.

ألفة وبناتها وثورة 14 جانفي 2011: الكيمياء المُشوّهَة

فتحَت ثورة 14 جانفي لألفة وبناتها مُمكنًا سرديا جديدًا، يتمثّل في إعادة بناء الذات المُنكسرة التي شوّهها المحيط الاجتماعي الإجرامي. لذلك عَملَت المخرجة على تبيان انعكاسات هذا الحدث على مستوى تفكير الأمّ وبناتها، الذي شهد انقلابًا راديكاليا. كانت إعادة تجربة الزواج أول القرارات “الثورية” لألفة. حيث شَكّلَ ”وسام” الحبيب القادم من محيط إجرامي (سجين سابق بسبب جريمة قتل) إمكانية جديدة لسدّ الرمق العاطفي وتلبية الحماية لها ولبناتها. ومَثّلَت هذه اللحظة الجديدة مُحاولة في التمرّد على الذات التي يرفض الماضي تحريرها، وخطوة من النقد الذاتي لتمثّل الحياة، وبشكل خاص للعلاقة مع الرجل. لذلك تميّزَت هذه الفترة في بادئ الأمر بالانفتاح، حيث عاشت ألفة مُتعة المغامرة العاطفية، ممّا خلَق لديهَا حالة من الإشباع الوهمي، لأنها انسابَت بعفوية وبإرادة الحياة في تجربة جديدة. في المقابل كان تأثير الثورة أكثر تشكًلا عند البنات، وخاصة عند رحمة وغفران اللتين اتجهَتَا نحو تعابير راديكالية متنافرة في سياق التعرّف على الحرية التي فتحتها ثورة 14 جانفي. في مرحلة أولى، كان الجسد المدخل المثالي للفعل التحرّري عبر الحب والعادة الشهرية، ثم صار أكثر تماسكًا عبر الممارسة الأدبية العفوية (صياغة المذكرات journal intime ) التي تكثّفَت فيها عُقدة البحث عن التوازن العاطفي والنفسي كردة فعل على الماضي العنيف والإجرامي لمحيط العائلة وعلى تسلّط الأمّ أيضا. لكن سرعان ما استغلَّ الأب الجديد وسام هذا التطلّع لينحرف به، حيث استغلّ غياب ألفة عن المنزل ليتحرّش ببناتها، وهو مَا خلقَ ارتدادًا عن بعض المكاسب التي اعتقدَت الأم أنها نجحت في إيجادها.

في مرحلة ثانية، تَقاطَعَ الجُنوح الرّاديكالي مع مفهوم الانتماء، من خلال مستويين متناقضَين؛ حيث يتمثّل الأول في اتجاه رحمة وغفران إلى عالم موسيقى الـ”Metal” الذي مكّنَهُما من الاحتكاك بمكونات اجتماعية كانت مغمورة إلى حدّ بعيد قبل الثورة، وسمحَ لهما بالتطبيع مع مسألة الاختلاف الجذري عن باقي المجتمع، نظرًا لما أتاحَه هذا العالم من تفرّد على مستوى المُوضة بشكل خاصّ. في الواقع كان هذا الانتماء العفويّ تعبيرا استهلاكيًّا عن أزمة المشروعية التي تُعاني منها بنات ألفة، وهي تعبيرة تروّض إرادة البحث عن الاعتراف والتحرّر بمجرّد إكسابها تمردا شكليا وغير مقاوم. رفضت ألفة هذا السلوك الجديد بتعلّة تنافيه مع الدين والأخلاق وترجَمت موقفها عبر العنف المادي، ممّا يظهر تراجعها عمّا رسمته من أهداف بعد اندلاع الثورة. وهكذا تَعود الأم إلى صورتها الأصلية كسلطة مُتمَترسة وراء العنف. أما المستوى الثاني، فقد تميّزَ بنوع من الحدّية، لأنّ له بُعدا عقَائديا -رغم عفويته- تَمثّلَ في الانتماء لتنظيمات الإسلام الجهادي إثر حضور الإبنة رَحمَة صدفة في إحدى الخِيم الدعوية التي كان يُنظّمها تيّار أنصار الشريعة، حيث تَوجّهَ نحوها أحد عناصر التنظيم وألبسها نقابًا، ممّا أحدَث لديها حالة من الدهشة والرّضا عن النفس أيضا. قَسَمَت هذه الواقعة الفيلم وحياة ألفة معا إلى نصفين، وزرعَت علاقة تصادم بين الأم من جهة ورحمة من جهة، ثم غفران من جهة أخرى.

في الواقع لم تخرج بنات ألفة عن القاعدة: فالتنظيمات الجهادية تفهم جيدا فرائسها الهشّة فكريا ونفسيا في سياق بحثها عن مناصرَات ومجنَّدات جديدات. فالمهم هنا ليس التساؤل عن كيفية استقطاب رحمة ثم غفران من قبل هذا التنظيم، بل كيف فرضَ هذا الأخير نفسه على العائلة حتى أصبحت تعيش تحت تأثيره بشكل يومي. إذ وصل الأمر برحمة تطبيقها حدّ الجلد على أختها الصغرى آية بسبب تركها الصلاة. أما الأم ألفة فلم تستوعب في البداية خطورة الوضع الجديد على مستقبل العائلة، حيث اكتفَت بقليل من الحذر وشيء من التطبيع مع بعض مظاهر هذا الإسلام الراديكالي، معتبرة أنها تُمثّل موجة عابرة لا غير.

لفهم هذا التحوّل الفجائي والمنطقي في نفس الوقت، علينا الرجوع إلى مسألة الفهم العفوي للتديّن وأزمة البحث عن الإشباع النفسي في ارتباطه بالبحث عن الانتماء الذي مَكّنَ رحمة وغفران من إعطاء قيمَة لحياتهما بغض النظر عن خطورته، ووضع حدّ لحالة التّيه التي تعانيان منها. ولكنّه أسّسَ مع ذلك لنقطة اللاعودة بشكل واعٍ، إذ أنّ كل من التحق بالتنظيمات الجهادية قد حَسم نهائيا علاقته بالعائلة. خَصّصَت المخرجة في هذا المستوى ما يناهز الثلاثين دقيقة لتفسير ما حدث انطلاقا من لحظة الاستقطاب الأولى مرورا بعملية المبايعة، ثم مرحلة التجنيد ضمن تنظيم داعش بمدينة صبراتة الليبية.[2] تقبّلت إذن ألفة وبناتها ثورة 14 جانفي بطريقة مُشوّهَة فكرا وممارسة، حيث بحثن بأساليب مختلفة ومتناقضة عن خلاص الفرد والعائلة في نفس الوقت، وهو ما كان مُستحيلا.

سينما البداهة

لا شكّ أن مِثل هذه الدّرامَا العائلية تَحتاج إلى أسلوب سينمائي مُختلف قادر على وضعنا أمام ذواتنا ومساءلة الأسس التي بُنيَت عليها مجتمعاتنا. فليس لعائلة ألفة أي سردية لتتباهى بها، ولكنّها بصدد البحث عنها لحظة صناعة الفيلم. فنحن إزاء عائلة مبتورة وهشّة تتقاذفها السرديات الهيمنية الكبرى، المتأتية إمّا من ثقافة المجتمع الذكوري أو من مجموعات الإسلام الجهادي المُتلاعب بالعقول الخاوية للشباب الحالم.

تمّت صناعة الفيلم على مراحل. فالمخرجة لم تشرع في التصوير إلا بعد أن قضّت أشهرا بجانب ألفة الحمروني، كي تفهَم قصة عائلتها وملابسات التحاق ابنتيها بالمجموعات الجهادية. ولكن توقّفَ التصوير في الأثناء حتى تستطيع المخرجة التفرغ لفيلم الرجل الذي باع ظهره”. أثناء فترة جائحة كورونا أعادت كوثر بن هنية الإشتغال على فيلم ”بنات ألفة”، ولكنها اقتنعت بأن المادة التي تم تجميعها لا ترتقي فنيّا حتى تستطيع التعبير بحق عن تراجيديا ألفة وعائلتها، فأعادت بالتالي الاشتغال عليه، ولكن باستعمال تقنيات سينمائية جديدة.

اندرجَ العمل منذ بدايته في إطار النقد الذاتي، حيث تُشكّل هذه المسافة النقدية استفهامًا حول قدرة المخرجة على تمكّنها من شخصياتها ومن الإشكاليات الفنية لعملها، وهو ما يمكن ملاحظته باستمرار داخل الفيلم، وذلك على الأقل من خلال دور الممثلة التونسية هند صبري التي جسّدت شخصية ألفة في الأجزاء المتعلقة بخيال المخرجة، أي بما هو سينمائي بحت. وهو ما يُحيلنا إلى الحديث عن ثنائية التوثيق الواقعي والخيال الفني Docu-Fiction التي سعَت كوثر بن هنية إلى استثمارها، إلى حدّ خلق نوع من الخلط المتعمّد بين ألفة بما هي كائن واقعي وألفة بما هي كائن سينمائي. وفي الحقيقة لم يكن هذا الخلط مُمكنًا لولا الالتجاء للتغريب Distanciation، الذي يَدفَع الجمهور مباشرة إلى النّظر للفيلم من زاوية الترابط الجدلي والإشكالي أيضا بين الحقيقة الواقعية والحقيقة السينمائية. هكذا أرادَت المخرجة عبر هذه الأداة تحقيق هدفين، حيث يتمثّل الأول في إقحام المتفرّج عنوة في الفيلم عبر استدعاء وعيه النقدي من خلال مادة سينمائية غير معتادة، نجد فيها ممثلين يخاطبون المخرجة بكل حرية أثناء الفيلم ويطلبون منها الإدلاء برأي أو بموقف. هكذا، تمّ إخضاع مفهوم المتفرّج لإعادة قراءة من زاوية مراجعة عملية التقبّل التقليدية. لأن حكاية ألفة لا يجب أن تجلب الشفقة حسب المخرجة، بل عليها أن تَفتَح بكل بداهة إمكانيات للجهوزية الفكرية اللازمة لفهم ما جرى وما يجري داخل عائلة ألفة، بعيدا عن إصدار الأحكام الذاتية المسبقة. وحينئذ، يَنتقل المتفرّج من وضعية التقبل التقليدي إلى المشاركة العضوية في الفيلم. يتمثل ثاني هذه الأهداف في الحفر في مفهوم الحقيقة المتعلقة بشخصية ألفة التي تُلامس قصتها البداهة عن طريق الكاميرا التي لا تنقل لنا كلماتها وإنما أزمتها. فلكي نصل إلى  تلك الحقيقة لا بدّ من وعي أركيولوجي قادر على إيجاد إجابة لسؤال: كيف أنتج الزمان والمكان والسياق مثل هذه الشخصية في إطار هكذا روابط؟ أما البداهة فتفرض علينا نفسها دون تكلّف أو تصنّع، فتظهر ألفة و بناتها والمخرجة لنا في كل مرة بطريقة بديهية جديدة تستوجب قراءتها وإعادة قراءتها، حتى نستوعب ما هو ثابت وما هو فوضوي وما هو مُحرج فيهن.

نستحضر في هذا السياق السينمائي أفلام المخرج الإيراني ”عباس كيرستامي” الذي اشتغلت أعماله على إزالة الحدود بين الخيال والتوثيق عبر أسلوب بسيط قوامه اجتناب مشاهد الحركة ذات الدلالة المركّبة واستعمال ديكور ميّال للقلّة minimaliste والحياد، من أجل استدراج وعي المتفرّج. وهذا ما نجده في فيلم بنات ألفة، حيث أنه لا وجود لتطلّب مبالغ فيه في اختيار الديكور وملابس الممثلين الذين وقع توظيفهم تماشيا مع تشكّل أزمة الشخصيات التي تتجلى بطرق مختلفة في كل مرة. إن البداهة هنا هي هذا التجلّي المُختلف الذي يفرض نفسه علينا من دون مقدمات، لأنه يُحيلنا باستمرار إلى شخصيات حامِلة لوزر محيطها الاجتماعي من دون القدرة على تفكيك تأثيره فيهم، ولكنهم يحاولون رغم ذلك.

 طوال ساعتين إلا ربع، تداعَى الجميع أمام الكاميرا التي لم تغادر مكانها. فهي تُحدّق فيهم باستمرار وتستدرجهم للتفوّه بما لا يريدون الحديث عنه أو التفكير فيه. ففيلم بنات ألفة حصّة عصيبة من العلاج النفسي، أين تتساقط الشخصيات بعفوية وألم على عقولنا، كي نتساءل عمّا حدث بعد 14 جانفي 2011، وكي نبحث عن بؤر الأزمات الموقوتة التي تغلغلَت داخل عائلاتنا ومجتمعاتنا.           [1] 


[1] لفظ وصمي من الدارجة التونسية يعني المرأة التي تركها زوجها إما بسبب الطلاق أو الموت

[2] حكم على رحمة وغفران الشيخاوي سنة 2016 بـ16 سنة سجنا لكل منهما وتقبعان الآن بسجن سبراطة


انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، إعلام ، حرية التعبير ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية