فيروس كورونا في تونس: إستعدادات اللحظة الأخيرة في ظل قطاع صحي عمومي مأزوم


2020-03-11    |   

فيروس كورونا في تونس: إستعدادات اللحظة الأخيرة في ظل قطاع صحي عمومي مأزوم

لم يطل الأمر أكثر من شهرين تقريبا على ظهور المرض في الصين، حتى تم الإعلان رسميا عن أول إصابة بفيروس كورونا "كوفيد 19" في تونس يوم 02 مارس 2020. في أقل من أسبوع، تطور عدد المصابين إلى سبعة، كما خضع أكثر من ألفي مواطن ومواطنة إلى إجراء العزل أو الحجر الصحي الذاتي. من جهة أخرى أقرت الحكومة التونسية إجراءات وقائية تمثلت في إيقاف كل الرحلات البحرية بين تونس وإيطاليا، واختصار الرحلات بين تونس فرنسا إلى رحلة واحدة في الأسبوع من تونس الى مرسيليا بدل رحلتين. إضافة إلى عدم استقبال الرحلات الجوية القادمة من إيطاليا باستثناء روما مع خفض عددها من 14 إلى 3 رحلات فقط. كما تمّ تقديم العطل في كل مستويات التعليم لتبدأ يوم الخميس 12 مارس وإلغاء التظاهرات الرياضية والثقافية والتربوية التي تجمع مشاركين من بلدان ظهر فيها فيروس كورونا.

سعي الحكومة الحثيث لاحتواء المرض واتخاذ الإجراءات الوقائية في مختلف القطاعات التي قد تساهم في تفشي الفيروس، لم يسلّط الضوء على وضعية المستشفيات ومراكز الصحة الأساسية العمومية التي تمثل ساحة المعركة الرئيسية أو خط الدفاع الأهم في حال تواصل ارتفاع حالات الإصابة. للعودة على وضع قطاع الصحة العمومية في ظل التطورات الأخيرة وحقيقة الاستعدادات صلب المؤسسات الاستشفائية العامة، كان لنا هذا الحوار مع الطبيب المقيم في مستشفى شارل نيكول، زياد بوقرة عن منظمة الأطباء الشبان.

 

المفكرة القانونية: لنبدأ أولا بالتعرف على ماهية فيروس كورونا؟ وما هي أهم أعراضه؟

زياد بوقرة: فيروس كورونا أو كما يسمى علميا فيروس COVID -19، وهو فيروس مشابه لنزلة البرد العادية أو نزلة الأنفلونزا ولكن ما يميز هذا الفيروس إلى حد الآن أنه لا يوجد أي تلقيح ضده على عكس الباقين كما يتميز على مستوى الشكل بما يشبه التاج الذي يحيط بجسمه.

وقد تمّ اكتشافه في الصين، وفي مدينة "ووهان" تحديدا. ولكن العدوى انتقلت بسرعة كبيرة لتطال 80 دولة تقريبا، ومن بينها تونس التي أعلنت عن أول حالة رسمية في الثاني من شهر مارس الجاري، ليتبين أن المصاب كان في إيطاليا التي تعتبر أكثر الدول الأوروبية الموبوءة.

أما عن أعراض الإصابة بهذا المرض فتتمثل في ارتفاع درجة حرارة الجسم والسعال الحاد، لأن هذا الفيروس يتميز بانتقاله مباشرة إلى الرئتين، مما يؤدي إلى مشاكل رئوية حادة قد تؤدي في حالة ضعف مناعة المصاب إلى الوفاة. ولكن تجدر الإشارة إلى أن حالات الوفاة تضل قليلة ومعدودة مقارنة بفيروسات أخرى حيث لم تتجاوز نسبة 2.5% إلى حد الآن.

 

المفكرة القانونية: كرجل ميدان، كيف تقيّمون إجراءات وزارة الصحة وأداء خلية الأزمة؟

زياد بوقرة: استعدادات خلية الأزمة شملت عديد المستويات، على غرار البعد الوقائي في الإجراءات المتخذة في المطارات ومراقبة في الموانئ البحرية والمنافذ الحدودية. أما المستوى الثاني فكان إقرار اجبارية عزل الحالات المشكوك في إصابتها، وهي نقطة أعتبرها إيجابية نظرا لإمكانية استهتار البعض بمثل هذه التدابير والتي يمكن أن تتكفل بحماية مجموعة أو مدينة بأسرها. وعلينا أن نؤكد أنه مقارنة بالإمكانيات الوطنية المحدودة، فإن حصيلة التدابير الوقائية التي وضعتها خلية الأزمة ووزارة الصحة تعتبر ناجعة حتى الآن في التصدي لفيروس كورونا مقارنة بدول أخرى على غرار إيطاليا وإيران وفرنسا التي تعد اليوم مئات الحالات التي تفشت في ظرف قصير جدا لا يتجاوز الأسبوع.

رغم المجهود الجبّار والنجاح النسبي للوزارة على مستوى حملات التوعية والخطاب المطمئن والإيجابي، لكن يبقى هذا العمل محدودا لارتباطه الدائم بظرف معين ولا يعكس عمق مشاكل قطاع الصحة العمومية، ولا يمكن أن يحجب كم النقائص الهائلة خاصة على مستوى المعدات والإعداد المادي واللوجيستي لمواجهة الأزمة.

 

المفكرة القانونية: هل استغلت السلطات الحيز الزمني بين تاريخ اكتشاف الفيروس لأول مرة في الصين وتاريخ تسجيل أول إصابة في تونس للاستعداد جيدا والتنسيق مع مختلف الإطارات الطبية وشبه الطبية في المؤسسات الاستشفائية العمومية؟

زياد بوقرة: خلال تلك الفترة التي تجاوزت الشهر ونصف تقريبا، لم تكن الاستعدادات بالكيفية اللازمة والسرعة المطلوبة. ونظرا للفارق الكبير في الإمكانيات المادية بيننا وبين الدول الأوروبية التي سخرت إمكانيات هائلة لا نقدر على توفيرها، فإن استراتيجية السلطات التونسية ركزت على عامل الوقاية والحد من انتشار الفيروس. ولكن الإجراءات لم تكن بالحجم الكافي ولم تراعِ خصوصية المستشفيات التونسية. فلم يتم الاتصال بي أو بقسمنا في مستشفى شارل نيكول أو التباحث معنا حول سبل التصدي لهذا الوباء. بل ما زلنا حتى هذا اليوم نطالب بتوفير الكمامات الطبية وسائل تنظيف اليدين. هذه الوسائل البسيطة والضرورية غير متوفرة منذ فترة ليست بالقصيرة، وقبل ظهور فيروس كورونا وارتفاع الطلب عليها.

 

المفكرة القانونية: كم عدد المخابر التي يمكنها إجراء التحاليل الخاصة بفيروس كورونا على المستوى الوطني؟

زياد بوقرة: حسب المعلومات المتوفرة لدي هناك مركز واحد على المستوى الوطني يقوم حاليا بإجراء التحاليل حول فيروس كورونا ويتبع مستشفى شارل نيكول، كما أنه المخبر الوحيد القادر على إعطاء النتائج التي تؤكد إصابة الشخص من عدمها. وجود مركز استشفائي جامعي وحيد قادر على القيام بهذه التحاليل يطرح العديد من الإشكاليات، خصوصا على صعيد بطء عملية التشخيص في حال ارتفع عدد الإصابات وتوزعها بين عدد أكبر من الولايات، وهو ما سينعكس سلبا على الجهود الرامية للحد من تفشيه. وأعيد التأكيد هنا، أنه بالإمكانيات الحالية المتوفرة في المستشفيات الجامعية وبمخبر التحليل الوحيد الموجود على مستوى الجمهورية، إذا تفشى هذا الفيروس (نظرا لسهولة العدوى) فمن المرجح أن نجد أنفسنا في وضع حرج للغاية خصوصا في ظلّ عدم توفر الأقسام الضرورية لتأمين العزل الصحي لهؤلاء المرضى.

 

المفكرة القانونية: ما مدى سوء الوضع في هذا المستشفى وغيره من المستشفيات العمومية؟

زياد بوقرة: المستشفيات العمومية في وضع سيء وسيء للغاية، وكنا نبهنا إلى ذلك منذ سنوات وخاصة أن لنا تجارب سابقة مع تفشي الأمراض والأوبئة على غرار انفلونزا الخنازير أو فيروس الالتهاب الكبدي أ. فمرض كورونا ليس الأخطر في الفيروسات التي تفشّت سابقا في تونس وقرعنا نواقيس الخطر في مناسبات عدة بضرورة تعزيز البنية التحتية لقطاع الصحة العمومية، لأننا موجودون على عين المكان ونباشر يوميا المرضى ونعاين النقائص الفادحة لأدوية قاعدية وأساسية. واليوم تتحدث خلية الأزمة عن توفر لكل المعدات والأدوية، ولكن يمكنني أن أؤكد لكم أن الأقنعة الخاصة بحماية الطاقم الطبي والشبه الطبي من هذا الفيروس غير متوفرة في أغلب أقسام المستشفيات ومراكز الرعاية الأساسية، إضافة إلى فقدان منظف الأيدي في كل العيادات، حتى طريقة عزل المرضى الوافدين على مركز الاستعجالي تعرض المريض إلى العدوى لغياب أي تراتيب لحماية الزوار. وهنا علينا أن ننتبه إلى نقطة أساسية، إذ وبالتوازي مع ضرورة اتخاذ التدابير والاستراتيجيات العاجلة بالشراكة مع كل المصالح المتداخلة في علاقة بالوقاية لحماية المواطنين من هذا الفيروس، يجب كذلك العمل على حماية الطاقم الطبي والشبه الطبي، والتي تمثل أولى تعليمات المنظمة العالمية للصحة نظرا لتواصلهم الدائم مع المرضى الزوار والوافدين، وإغفال هذا الجانب قد يؤدي الى انتشار الفيروس. فحماية الطبيب هي حماية للمرضى أيضا.

 

المفكرة القانونية: ما هي أسباب تردي قطاع الصحة العمومية بتقديركم؟

زياد بوقرة: قطاع الصحة العمومية شأنه شأن بقية مؤسسات القطاع العام التي تعاني مشاكل عويصة منذ سنوات. لكن تظل أهم مشاكل هذا القطاع هي ضعف الإمكانيات المادية. لقد بات ضروريا اليوم تسخير ميزانية أكبر لقطاع الصحة. المسألة الثانية تتعلق بالحوكمة الرشيدة المتمثلة في مراقبة الميزانية ومكافحة الفساد ومراقبة كل الطرق الملتوية لمحاولة تحويل وجهة الإمكانيات المالية المرصودة لخدمة لوبيات الفساد والمصالح الخاصة لبعض العاملين في القطاع الصحي.

أما المسألة الثالثة فتتعلق بالقرار السياسي. إذ لا بد للسياسيين المسؤولين على سلطة الإشراف اتخاذ قرارات جريئة على مستوى إصلاح وضع المستشفيات وتوفير ميزانيات أكبر لقطاع الصحة، وخاصة سن القوانين التي تعزز من نجاعة المرافق والخدمات الصحية العمومية. ولعل أبرز مثال على ذلك مشروع القانون الأساسي المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية الذي لا يزال حتى يومنا هذا على رفوف مجلس النواب دون أن تتم المصادقة عليه. لقد عملنا منذ سنوات من أجل إصدار هذا القانون، ولكن مع الأسف بعد أن أكملنا مهمتنا وأحلناه على مجلس نواب الشعب كان مصيره التأجيل. هذا بدوره يحيل إلى مشكلة أخرى تتمثل في سوء التنسيق بين مختلف السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، لندفع نحن الأطباء والإطارات شبه الطبية المباشرين في مختلف المرافق الصحية العمومية ثمن هذا البطيء، بالإضافة طبعا إلى المواطن التونسي الذي يستحق رعاية صحية تليق به وتحترم انسانيته شأنه شأن جميع البشر.  ولضمان جودة الخدمات الصحية لابد من توفر عديد المقومات التي حددتها منظمة الصحة العالمية على غرار ضمان الحد الأدنى من النظافة وضمان الحد الأدنى من تواصل العلاج وضمان الحد الأدنى من احترام خصوصيات المريض. الوضع الراهن للمستشفيات العمومية في تونس جعل المواطن ينظر بتوجس إلى المرفق الصحي العام، وأود أن أؤكد أن هذا المرفق العمومي هو بدوره ضحية للسياسات الحكومية في قطاع الصحة، وإصلاحه يبدأ بتكاتف الجهود بين الإطار الطبي والشبه الطبي والمواطنين ومواصلة الضغط على المسؤولين وعلى أصحاب القرار لتغيير هذا الواقع ليتمكن لاحقا الطبيب والإطار الطبي والشبه الطبي من العمل في ظروف جيدة وتقديم أفضل الخدمات الصحية.

لكن وللأسف، تراكم هذه المشاكل وصمم سلطة الإشراف، أدى في نهاية المطاف إلى ارتفاع هجرة الأدمغة من الأطباء نظرا لغياب ظروف العمل الملائمة وهو ما خلق إشكالا على مستوى التعويض. إذن أن نقص الكفاءات داخل المستشفيات أدى إلى ضعف العامل البشري الذي يباشر مهامه والذي نتج عنه في نهاية الأمر تردي الخدمات.

 

المفكرة القانونية: هل يجب على التونسيين الهلع مع تزايد حالات الإصابة بفيروس كورونا؟

زياد بوقرة: لاحظنا منذ بداية ظهور هذا الفيروس ودخوله إلى تونس حالة من الهلع غير المسبوقة والذي غذّته حالة الغموض الكبيرة التي تحوم حول هذا الوباء. وللأمانة فإن سلطات الإشراف تحاول قدر الإمكان إرساء مناخ من الشفافية وتوفير المعطيات والمعلومات حول تطورات الوضع عبر تكثيف الظهور الإعلامي وحملات التوعية والتفسير للوقاية من هذا المرض، ولكن هناك أزمة ثقة وشرخ كبير بين المواطن التونسي ومؤسسات الدولة ووزارة الصحة على وجه الخصوص. إلاّ أننا نطمئن التونسيين بأننا نبذل أقصى جهودنا لحماية صحتهم، ونقوم بمجهودات جبارة للحد من العدوى، رغم ضعف الإمكانيات واحتمال تعرضنا كأطباء وإطارات شبه طبية للعدوى بشكل كبير. والأهم يجب تكثيف الاحتياطات وإجراءات الوقاية وبالأخص تجنب الدخول في حالة من الهلع التي قد تفشل كل هذه الجهود وتكون عاملا في تفشي الفيروس بشكل أكبر.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *