فلسطينيو لبنان ممنوعون من العودة إليه… ماذا عن أولاد اللبنانية المتزوجة من أجنبي؟


2020-05-07    |   

فلسطينيو لبنان ممنوعون من العودة إليه… ماذا عن أولاد اللبنانية المتزوجة من أجنبي؟

قبل أكثر من شهر بدأت الحكومة اللبنانية بتنفيذ خطة إعادة اللبنانيين الذين علقوا في الخارج نتيجة انتشار فيروس كورونا وإقفال المطارات في العديد من الدول، من دون الإلتفات إلى فئات أصحابها غير اللبنانيين ولكن المقيمين في لبنان وحالياً عالقين خارجه.

وإذا كانت الخطة استثنت صراحة اللاجئين الفلسطينيين والعاملات الأجنبيات اللواتي أسمتهم “خدماً” في تعاميمها، فإنّ مصير أبناء وبنات اللبنانيات المتزوجات من أجانب بقي غير واضح.

طارق و”وثيقة الزعران”

الفلسطينيون ممنوعون من العودة على متن طائرات إجلاء اللبنانيين من الخارج” حقيقة لم يكن يعرفها طارق رفيق أبو طه، وهو المولود في لبنان لأب ولد بدوره في لبنان من أب فلسطيني وأم لبنانية، أي أنّ طارق لكان لبنانياً لو أنّ قانون الأحوال الشخصية في لبنان لا يميز ضد المرأة ويجيز لها إعطاء الجنسية.

طارق مهندس فلسطيني، ترك لبنان قبل فترة قصيرة متجهاً إلى الإمارات بحثاً عن فرصة عمل أفضل تساعده على تأمين عيش كريم له ولعائلته المتواجدة في بيروت، ولاسيّما أنّ قانون العمل اللبناني لا يسمح للفلسطينيين بالإنتساب إلى نقابة المهندسين أو الحصول على إجازة عمل، فالمهندس الفلسطيني مجبر على العمل تحت إشراف مهندس لبناني.

شاءت الأقدار أن يجتاح كورونا العالم وتقفل المطارات، فتقدّم طارق بطلب إلى الجهات المعنيّة من أجل العودة إلى لبنان، وسارت الأمور بشكل طبيعي، أتت الموافقة وأُخبر أنه سيعود ضمن الطائرة التي وصلت إلى بيروت يوم الأحد الماضي، أخبر طارق عائلته بالأمر، اشترى تذكرة السفر من شركة طيران الشرق الأوسط وتوجّه إلى المطار في الموعد المحدّد.

سارت الإجراءات الأمنية الروتينية بشكل طبيعي في مطار دبي” يقول طارق في حديث مع “المفكرة القانونية” ليتفاجأ عند وصوله إلى الطائرة بأنّ قرار عودة المغتربين يستثني الفلسطينيين وأنّ الأمن العام أصدر تعميماً بهذا الخصوص.

التعميم وحسب ما يمكن استنتاجه “لم يكن معمماً” على الجهات المعنية، إذ إن اسم طارق كان موجوداً على لائحة الأسماء المسجّلة على الطائرة، كما أنّ طارق أُبلغ بشكل رسمي بقرار الموافقة على عودته قبل أن يشتري التذكرة.

الاستثناء بحد ذاته لم يكن الأمر الوحيد الذي أزعج طارق بل أيضاً “الطريقة غير اللائقة التي تعامل فيها معه عنصران من الأمن العام فقط لأنه فلسطيني” كما يقول، شارحاً أنه عندما وصل إلى متن الطائرة أخذ عنصران من الأمن العام منه الوثيقة اللبنانية الفلسطينية الصادرة من الجمهورية اللبنانية، وأنّ أحد العنصرين لم يميّز الوثيقة، وسأله “شو هيدا لي غير” فأجابه طارق أنه فلسطيني لبناني، ليعود العنصر ويسأله “يعني بيّك وأمّك فلسطينيي” فردّ طارق بنعم.

وقف طارق ساعة كاملة بانتظار فهم ما يحصل، وخلال هذه الساعة كان عناصر الأمن العام يأخذون منه الوثيقة ويعيدونها، وفي هذا الأثناء سألت موظفة على متن الطائرة الأمن العام اللبناني عن المشكلة ولاسيّما أن طارق يحمل وثيقة لبنانية ليرد أحد عناصر الأمن العام بجملة نزلت كالصاعقة على طارق “هيدي للزعران” في إشارة إلى الوثيقة.

يصرّ طارق وخلال حديثه معنا على عدم تعميم ما قاله العنصر الأمني على كافة اللبنانيين فهو ابن لبنان ولطالما عاش مع اللبنانيين باحترام، ويقول: “هذا تصرّف عنصري طبعاً، ولكنّه يعكس عنصرية العنصر الأمني فقط، كلام هذا العنصر يمثله ولا يمثّل اللبنانيين حتماً“.

نزل طارق من الطائرة  بعدما عرف أن قرار العودة يستثني الفلسطينيين المقيمين في لبنان، وعاد إلى المطار حيث أجرى المعنيون اتصالاً مع  المدير عام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وفي هذا الإطار يقول طارق: ” اللواء في لبنان عرف القصة وسمح لي استثنائياً أن أعود إلى الطائرة انطلاقاً من أنّ هذا التعميم لم يعمم بعد، واسمي مدرج على اللائحة، ولكن كان الوقت قد سبقني وكانت أبواب الطائرة قد أغلقت“.

الأمن العام يفتح تحقيقاً في الحادثة

لم يمرّ ما حصل مع طارق مرور الكرام ولاسيّما أنه نشر ما حدث معه على صفحته الخاصة على فيسبوك وتفاعل معه الناس منددين بما اعتبروه عنصرية غير مقبولة.

الأمن العام اللبناني بدوره تفاعل مع الموضوع إذ نشر على صفحته على “تويتر” الإثنين 4 أيار أنه “يعمل وفقاً لقرار مجلس الوزراء القاضي بعودة اللبنانيين حصراً في هذه المرحلة، على أن يصار إلى عودة غير اللبنانيين الذين يحق لهم الدخول إلى لبنان في مراحل لاحقة“.

 وبخصوص الإهانة التي تعرّض لها طارق أوضحت المديرية العامة أنها “باشرت التحقيق مع الضابط حول ما ورد من معلومات عن تعاطيه بطريقة غير لائقة مع الشخص صاحب العلاقة، ليصار إلى اتخاذ الإجراءات على ضوء نتيجة التحقيق”، إلّا أنّ طارق أكّد في حديثه مع “المفكرة” أنه سمع بموضوع التحقيق من وسائل التواصل الاجتماعي وأن أي جهة لبنانية لم تتصل به لتعلمه بفتح تحقيق وأخذ أقواله.

ويشار إلى أنّ المديرية العامة للأمن العام اللبناني كانت أصدرت تعميماً إلى طيران الشرق الأوسط (الرقم 5932/م) بتاريخ 30 نيسان يقضي بعدم السماح للأشخاص من التابعية الفلسطينية اللاجئين في لبنان بالعودة إليه على متن طائرات إجلاء اللبنانيين من الخارج. ونصّ التعميم على تعديل المقصود باللبنانيين العائدين إلى “عائلة اللبناني (زوج، زوجة، أولاد) من دون السماح بمرافقة الخدم والأشخاص من التابعية الفلسطينية اللاجئة في لبنان“.

استخدام مصطلح “خدم” بدلاً من العمالة المنزلية أيضاً أثار استغراباً وتنديداً واسعين، إلّا أنّ مصدراً في الأمن العام أوضح وفي حديث مع “المفكرة القانونية” أنّ الموضوع لا يقصد به الإساءة إلى أحد، وأنّ التعميم يأتي تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء القاضي بعودة اللبنانيين حصراً في هذه المرحلة، لذلك لن يسمح للمرافقين وغير اللبنانيين بالعودة.

التعامل مع الفلسطينيين استنسابي دائماً

 وفي إطار التفاعل مع القرار، أكدّ عبد الناصر الأيي مدير مكتب لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أنّ اللجنة تتواصل مع الجانب اللبناني وتجري الاتصالات اللازمة على أعلى المستويات لتعديل القرار الصادرعن اللجنة الوطنية لإدارة الكوارث والأزمات والقاضي بمنع المقيمين الفلسطينيين المغتربين من العودة إلى لبنان ممن يحملون وثائق سفر صادرة عن السلطات اللبنانية المختصة.

وفي حين أكّد الأيي في حديث مع “المفكرة القانونية” أنه لا يوجد أي قانون يمنع الفلسطينيين المقيمين في لبنان من العودة إليه في حال مغادرته، أرجع ما حصل إلى غياب وجود “شخصية قانونية” للاجئ الفلسطيني في لبنان تحدّد ما له وما عليه، وتنصّ بوضوح على حقوقه وواجباته.

وفي الإطار نفسه اعتبر الأيي أنّ الاستنسابية هي المعيار الأبرز الذي يتم التعامل على أساسه مع الفلسطينيين عند كل استحقاق أو حدث ما يخلق بلبلة ناجمة عن عدم وجود تعريف محدّد للاجئ، قائلاً: “هناك استنسابية وضبابية واضحتين بالتعامل مع الفلسطيني المقيم في لبنان، فهو موضوع  على هامش القانون وذلك ليكون التعامل معه حسب هوى السلطة السياسية الموجودة“.

وكانت لجنة الحوار اللبناني الفلسطين أصدرت بياناً اعتبرت فيه أن استثناء الفلسطينين من العودة  قرار تمييزي و”يتناقض مع ما سبق في عملية الإجلاء الأولى، كذلك مع كل مسار العلاقات اللبنانية الفلسطينية” ومع “أبسط القوانين والمواثيق الدولية والعربية المعمول بها في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم“.

وجاء في البيان أيضاً أنّ “لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي تعمل منذ قيامها في العام 2005 على رعاية العلاقات اللبنانية الفلسطينية عبر الأطر السياسية والمؤسساتية للشعبين، ومعالجة ما يطرأ بالحوار، وتجهد لصيانتها من العثرات، تسعى لضمان معاملة انسانية لائقة مع اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، لجهة توفر الشروط المطلوبة لعودتهم، يقيناً أن مثل هذا التوجه يصب في مصلحة الشعبين الشقيقين، ويضمن عدم انحدار لبنان نحو ممارسات عنصرية خارجة عن شيمه وقيمه“.

إهانة طارق تعود لأجيال

حالياً ينتظر طارق أي تعديل في قرار مجلس الوزراء يسمح له بالعودة إلى لبنان، ولكنه سيضطر إلى دفع ثمن تذكرة السفر مرة أخرى إذ رفضت شركة “طيران الشرق الأوسط” إعادة ثمن التذكرة له أو حتى استبدالها بتذكرة أخرى يحدد تاريخها عندما يسمح لطارق بالعودة.

ولكن ما حصل مع طارق ليس فقط سوء تنسيق بين الجهات المعنية أوصله إلى الطائرة وأنزله منها، وليس أيضاً غياب رقابة ستجبره على دفع ثمن تذكرة السفر مرتين، وليس أيضاً وأيضاً عدم انضباط عنصر في الأمن العام يحمل عنصرية لم تردعه بدلته الرسمية من التعبير عنها، ما حصل معه بدأ يوم امتنعت الدولة عن تسوية أوضاع الفلسطينيين في لبنان بشكل يضمن حقوقهم، ويوم مُنعت جدته اللبنانية من إعطاء جنسيتها لوالده.

ماذا عن أبناء وبنات اللبنانيات المتزوّجات من أجنبي؟

في حين تبدو التعاميم الصادرة من الأمن العام والتي تأتي تنفيذاً لقرارات مجلس الوزراء واضحة لجهة حصر العودة بحاملي الجنسية اللبنانية، وفي حين أكّد المجلس الأعلى للدفاع  يوم الثلاثاء الماضي “اقتصار العودة على معيار الأفضلية والأولوية للبنانيين حصراً” أي أن العودة  لا تشمل أبناء وبنات اللبنانيات المتزوجات من أجانب كونهم غير لبنانيين، أوضح مصدر في لجنة متابعة التدابير والإجراءات الوقائية لفيروس كورونا في اتصال مع “المفكرة القانونية” أنّ أيّ شخص مقيم في لبنان وهو حالياً خارجه يحقّ له العودة إلى لبنان في حال كان أحد والديه لبنانياً.

وقال المصدر إنّ تعميم مجلس الوزراء يستثني من العودة الأشخاص من أم وأب غير لبنانيين، ولا يستثني غير اللبناني من أم لبنانية، مؤكداً أنّ هناك أكثر من شخص ليسوا لبنانيين ولكن يحملون إقامة على الأراضي اللبنانية بحكم أنّ والدتهم لبنانية عادوا على متن الرحلات السابقة.

وطلب المصدر من الأشخاص الذين رفضت طلبات عودتهم إلى لبنان بحجة أنهم أجانب ولو من أم لبنانية مراجعة اللجنة لأنّ الأمر مناف لقرارها.

ويشار هنا إلى أنّ رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية كلودين عون روكز كانت أكّدت أن عملية الإجلاء تحترم المساواة بين أبناء اللبنانيات وأبناء اللبنانيين، وكتبت على حسابها على “تويتر” في 18 نيسان/أبريل الماضي، أنّ وزير الخارجية والمغتربين نصيف حتي أكّد “اعتماد مبدأ المساواة بين اللبنانيين وأولاد وأزواج اللبنانيات الأجانب في عملية الإجلاء من دول الإغتراب في ظلّ أزمة كورونا”.

وفي الإطار نفسه كانت النائبة رولا الطبش كتبت على حسابها على “تويتر” في  22 نيسان أنّ وزير الخارجية أكّد لها أنّ أولاد الأم اللبنانية من أب أجنبي، لن يتم استثناؤهم من رحلات عودة اللبنانيين من الخارج.

الواقع لا يتطابق مع التصريحات!

على الرغم من هذه التصريحات التي تؤكد أنّ قرار العودة لا يستثني  أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب من قرار العودة إلى لبنان، تتلقى حملة “جنسيتي حق لي ولأسرتي” يومياً شكاوى من أمهات لبنانيات منع أولادهن من العودة لأنهم غير لبنانيين.

وفي هذا الإطار تقول مديرة الحملة كريمة شبو في حديث مع “المفكرة” إنّ الحقوق لا تصان بالتصريحات والتغريدات إنما بقرارات وتعاميم رسمية، وحتى اللحظة لا يوجد تعميم يستثني أبناء اللبنانيات من عدم العودة، مشيرة إلى أن هناك أكثر من 60 حالة تواصل أصحابها مع الحملة لأبناء غير لبنانببن لم يتمكّنوا من العودة إلى لبنان رغم أنّ أمهاتهم من الجنسية اللبنانية. ومن الشكاوى التي وصلت إلى اللجنة  شكوى لأم لبنانبة موجودة في فرنسا لم يسمح لها بإعادة ابنتها معها باعتبار أنّ ابنتها غير لبنانية، فرفضت الأم العودة بمفردها بطبيعة الحال. وأخرى لأم لبنانية لم يسمح لابنها الموجود في إيطاليا، بهدف استكمال دراسته، بالعودة مع اللبنانيين باعتباره من أب غير لبناني ويحمل الجنسية الأجنبية.

وتؤكد شبو أنّ المشكلة الأساسية هي طبعاً بقانون الجنسية المجحف والتمييزي إذ إن هؤلاء الأشخاص يمنعون من العودة إلى لبنان بحجة أنهم غير لبنانيين، مشدّدة على ضرورة تعديل هذا القانون بشكل يسمح للمرأة اللبنانية إعطاء جنسيتها لأولادها من أجل تكريس العدالة الاجتماعية.

وتعتبر شبّو أنّ حرمان النساء اللبنانيات من الجنسية يضع أسرهن رهن كافة الانتهاكات والحرمان من أبسط الحقوق ومستلزمات الحياة وهذا ما كان واضحاً في أزمة كورونا، بدءاً من استثناء أبناء اللبنانيات من المساعدات المقدمة لعائلات تلامذة المدارس الرسمية وصولاً إلى رفض شمولهم بقرار العودة.

واعتبرت شبو أنّه من المعيب في هذا الظرف الحديث عن لبناني وغير لبناني وعن أولويات، فالأولوية  لحقوق الإنسان، وهناك إنسان مقيم في لبنان وحقه في العودة لا يرتبط بجنسية أو دين أو أي شيء آخر، معتبرة أنّ قرار اقتصار العودة على اللبنانيين قرار تمييزي وعنصري بحق عدد من  الفئات الممنوعة والمحرومة من العودة  مثل اللاجئين الفلسطينيين والعاملات الأجنبيات وأولاد وأزواج النساء اللبنانيات زوجات الرجال الأجانب  .

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *