فقه الدستوري الفرنسي حول مسألة انعقاد النزاع الدستوري


2015-05-26    |   

فقه الدستوري الفرنسي حول مسألة انعقاد النزاع الدستوري

أثارت مسألة سحب نائبين لإمضائهما عن عريضة الدعوى التي تقدّم بها ثلاثون نائبا طعنا في دستورية مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء الذي صادق عليه مجلس نواب الشعب في تاريخ 15/5/2015 العديد من التساؤلات علّ أبرزها يبقى مدى وجاهة قبول الدعوى شكلا من الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين[1].

 ولعلّه من المفيد التذكير في هذا الصدد بأن هذه الهيئة تتولى مراقبة دستورية مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثلاثين نائبا على الأقل…"[2]. ومن المفيد التساؤل عن الموقف الذي سيتّخذه أعضاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين في ظلّ سكوت القانون عدد 14 لسنة 2014 حول مسألة سحب الإمضاءات بعد إيداع عريضة الدعوى ومؤيداتها وفي ظلّ غياب فقه قضاء دستوري حول هذه المسألة في تونس.

عادة ما يقع اللّجوء في مثل هذه الحالات إلى فقه القضاء المقارن للاستئناس ببعض الحلول والخروج من المأزق القانوني الذي سيعترض حتما "القضاة الدستوريين" أعضاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عند انتصابهم للنّظر في النزاع الراهن.

هذا الاستئناس ببعض الحلول القضائية المقارنة يجد تبريرهفي مستويين على الأقلّ ’ أمّا  المستوى الأوّل فيعود إلى ضرورة البتّ في النزاع رغم سكوت النصّ والعكس يمثّل جريمة "نكران العدالة déni de justice  " وأمّا الثاني فهو مرتبط بموروث ثقافي غالبا ما طغى على المنظومة القانونية التونسية يتمثّل في تأثّر المشرع التونسي بنظيره الفرنسي. وتكفي الإشارة هنا ودون الخوض في التفاصيل إلى تبني كلا المنظومتين لفلسفة القانون الروماني على مستوى التشريع.

هذه الفكرة الأخيرة تنسحب على الأحكام الواردة بالقانون المنظّم للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين ضرورة أنها لا تختلف، على الأقل في خصوص  إجراءات النزاع الدستوري، عن ما هو معمول به بفرنسا. ويكفي الرجوع في هذا الإطار إلى المرسوم الصادر بتاريخ 7 نوفمبر 1958 والمتعلّق بالقانون الأساسي للمجلس الدستوري الفرنسي للوقوف على حقيقة هذا الطّرح[3].

وبدراسة فقه قضاء المجلس الدستوري الفرنسي، نلحظ أنّ القاضي الدستوري تعمّد المرونة في تعهّده بالنزاع الدستوري وذلك بغية تشديد نطاق رقابته على دستورية القوانين. هذه المرونة تبرز جليا من خلال قبول النظر في الدعاوى حتى في صورة تعبير أصحابها عن نيتهم في سحبها أو التخلّي عنها (1) ومن خلال تقنية التصدّي التلقائي لمشروع القانون برمّته (2).

      I.            التخلي عن الدعوى لا يحول دون انعقاد النزاع الدستوري:
إنّ فكرة انعقاد النزاع الدستوري منذ إيداع عريضة الدعوى لدى الهيئة المكلفة بمراقبة دستورية القوانين مرتبطة أساسا بطبيعة الدعوى الدستورية ذاتها.  فالنزاع الدستوري هو نزاع يهمّ النظام العام ويتجاوز مصلحة القائمين به. هذه المصلحة الشخصية للقائمين بالدعوى الدستورية تبقى قائمة إلى حدّ تاريخ إيداع عريضة الدعوى أماّ بعد ذلك فهي تنتفي لتحلّ المصلحة العامة محلّها.  وهو ما يجعلنا نقرّ بأن تقدير صحّة القيام يتمّ في زمن إيداع عريضة الدعوى وليس بعده ضرورة أنّه وبمجرّد استيفاء الدعوى لشروطها الشكلية زمن إيداعها ينعقد النزاع الدستوري ويخرج بذلك عن إرادة الأطراف.

ولعلّ القرارات التي صدرت عن المجلس الدستوري الفرنسي منذ نشأته تشكّل أبرز مثال على صحّة هذا القول، فقد طرحت أمام هذا المجلس عدّة إشكاليات إجرائية أبرزها تلك المتعلّقة بمسألة طرح الدعوى الدستورية بعد إيداعها وذلك عبر سحب بعض القائمين بها لإمضاءاتهم. ومن هنا جاءت القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري الفرنسي واضحة وصريحة في اتجاه رفض مطلب طرح الدعوى بعد إيداعها أمامه. ففي القضية عدد 96-386 بتاريخ 30/12/1996 أكّد المجلس الدستوري الفرنسي على عدم جواز سحب الدعوى الدستورية بعد القيام بها ضرورة أن النصوص القانونية التي تضبط اجراءات الدعوى أمامه لا تخوّل للقائمين بها سحب دعواهم" ومن ذلك جاءت القاعدة العامة التي مفادها أن "لا سحب بدون نصّ". فالدعوى الدستورية هي بالأساس دعوى جماعية وغير قابلة للتجزئة لذلك فان التخلي عنها في الأثناء لا يحول دون انعقاد النزاع الدستوري.

هذا الموقف الذي تبنّاه المجلس الدستوري الفرنسي برز في العديد من القرارات[4] ، حتى أصبح الباحث في القانون الدستوري يتحدّث عن فقه قضاء دستوري مستقرّ. ونذكر على سبيل المثال القرار عدد 99-421 بتاريخ 16/12/1999 والذي جاء فيه أنّه لا يجوز سحب العارضين لإمضاءاتهم عن عريضة الدعوى إلاّ في صورة ثبوت خطأ مادّي أو زور أو عيب من عيوب الرضى.  وفي هذه القضية انتهى القاضي الدستوري الفرنسي، ورغم تعبير بعض النواب عن نيتهم في التخلي عنها،  لاستيفاء الدعوى لشروطها الشكلية في ظلّ غياب ما يفيد وجود خطأ مادي أو زور أو عيب من عيوب الرضى. 

هذا المبدأ الدستوري الذي أقرّه المجلس الفرنسي يجد بعض الاستثناءات المرتبطة فقط بالنزاع الانتخابي، ضرورة أن الطبيعة الشخصية لهذا النزاع تحول دون انعقاده في صورة تعبير أحد القائمين به عن التخلي عنه خلال تعهّد المجلس الدستوري به. ولكن هذه الاستثناءات لا تنطبق على بقيّة الدعاوى للأسباب الآتي ذكرها.

   II.            انعقاد النزاع الدستوري ومسألة التصدّي التلقائي لمشروع القانون برمّته:
   إنّ ما يميّز عمل المجلس الدستوري الفرنسي هو المرونة في التعهّد بالدعوى الدستورية. ولعلّ من أبرز ما يؤسّس هذه المرونة في التعهّد التلقائي هو الحرص على ممارسة رقابة دستورية مشدّدة على القوانين. ناهيك أنّ الدستور هو أمّ القواعد القانونية.

    فالدّور الذي يقوم به القضاء الدستوري يعتبر من أسمى الأدوار التي يمكن أن تعهد لمؤسّسات الدولة، فهو الضامن لاحترام الدستور وهو وسيلة للرقابة القضائية على أعمال الحكومة والبرلمان. وانطلاقا من هذا الوعي بالمسؤولية المناطة بعهدة القاضي الدستوري الفرنسي، فقد توخّى هذا الأخير طريق التعهّد التلقائي- الحمائي  وهو ذات صبغة شمولية على مشاريع النصوص القانونية المعروضة عليه.

هذا التمشيّ الذي توخاه القاضي الدستوري ليس إلاّ محاولة منه لتدارك العيب التشريعي الذي طغى على المنظومة القانونية الفرنسية والمتمثّل في حرمان القاضي الدستوري من التعهّد التلقائي- الوقائي بالنظر في دستورية القوانين. ضرورة أن هاته المنظومة لم تعهد المبادرة في الطّعن بدستورية القوانين سوى لرئيس الجمهورية أو لرئيس الحكومة أو لرئيس مجلس النواب أو لرئيس مجلس الشيوخ أو لستين نائبا أو لستين عضوا من مجلس الشيوخ.

هذه الإمكانية التي تخوّل للقاضي الدستوري التصدي لمشروع القانون برمّته دون الاكتفاء بالمآخذ التي يوجّهها القائمون بالدعوى الدستورية تجد تبريرها حسب فقه قضاء المجلس الدستوري الفرنسي في غياب نصوص قانونية تمنعه من ممارسة رقابة شمولية على النصوص المعروضة أمامه. وانطلاقا من طبيعة الدعوى الدستورية وتعلّقها بالنظام العام، فللقاضي الدستوري الحقّ في إثارة مطاعن تلقائيا ودون حاجة للاكتفاء بالمآخذ التي يوجّهها العارضون على مشروع القانون المنتقد.

ومن أبرز القرارات التي تعهّد خلالها المجلس الدستوري الفرنسي بالنظر في النزاعات الدستورية التي لم يوجّه فيها أصحابها أيّة مآخذ دستورية على مشاريع القوانين نذكر القرار عدد 99-409 بتاريخ 15/03/1999 حيث انتهى المجلس الدستوري في هذا النزاع إلى مخالفة الفصل 10 من مشروع القانون المعروض عليه لأحكام الدستور رغم إقراره بأن الوزير الأول، وهو القائم بالدعوى في النزاع الرّاهن ، لم يوجّه أية مآخذ حول مشروع القانون المنتقد[5].

وفي قراره عدد 96-386 المذكور سابقا أقرّ المجلس الدستوري أنه " من بين نتائج انعقاد النزاع الدستوري ممارسة القاضي لرقابة شمولية على كلّ الأحكام الواردة بالقانون المطعون فيه ومن ضمنها تلك التي لم تقع إثارة عدم دستوريتها من قبل القائمين بها" ومن هنا ترسّخت القاعدة العامة التي مفادها أن القاضي الدستوري لا يخضع لأيّة شروط خاصّة عند ممارسته لصلاحيّة التصدّي التلقائي. إلاّ أن المتأمّل في فقه قضاء المجلس الدستوري الفرنسي يلحظ جيّدا أن القاضي الدستوري لا يتعسّف في استعمال هذه الصلاحية بل إن ممارستها انحصرت عامّة في أربع مجالات وهي عامة الأحكام الواردة بقانون المالية والتي لا علاقة لها بموضوع القانون أو ما يسمّى بالفرنسية CAVALIERS BUDGETAIRES أو الأحكام القانونية المخالفة لقاعدة منع تخصيص الموارد للدفوعات LA REGLE DE NON AFFECTATION DES RESSOURCES AUX DEPENSESأو احتواء القوانين الأساسية لأحكام قوانين عادية أو تلك المتعلّقة بخرق بعض الأحكام الإجرائية الخاصّة بالمصادقة على القوانين (من مجلس النواب أو مجلس الشيوخ)[6].

هذا التمشي اللّيبيرالي الذي اعتمده القاضي الدستوري الفرنسي في التصدي التلقائي للقانون برمّته يرسّخ فكرة دولة القانون علاوة على تعزيز دوره في حماية الدستور.

ولعلّه من المفيد لأعضاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين بتونس الاستفادة من تجربة المجلس الدستوري الفرنسي في ظلّ غياب أو سكوت المشرّع التونسي عن بعض المسائل كمسألة التخلي عن الدعوى عبر سحب الإمضاءات أو مسألة التصدّي التلقائي لمشاريع القوانين برمتها دون التقيّد بما أثاره القائمون بالدعوى الدستورية وذلك حتى يلعب القضاء الدستوري دوره في ترسيخ فكرة دولة القانون عبر بسط رقابة مشدّدة على دستورية مشاريع القوانين.

قاض بالمحكمة الإدارية بتونس
                                                                                                                



[1] المحدثة بالقانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 مؤرخ في 18 أفريل 2014 
http://www.legislation.tn/detailtexte/Loi-num-2014-14-du-18-04-2001-jort-2014-032__2014032000141
[2] الفصل 18 من القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 مؤرخ في 18 أفريل 2014المتعلّق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين 
[6] Pascal JAN, La saisine du Conseil constitutionnel, LGDJ, 1999
انشر المقال

متوفر من خلال:

أوروبا ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *