“فصل تعسّفي”.. استمرار مسلسل الانتهاكات ضد الصحافيين المصريين


2020-12-30    |   

“فصل تعسّفي”.. استمرار مسلسل الانتهاكات ضد الصحافيين المصريين

في بداية ديسمبر 2020، وبدون سابق إنذار، أُبلغ أكثر من 24 صحافياً في “المصري اليوم” بإنهاء علاقتهم بالمؤسّسة وذلك إثر توصيات مجلس الإدارة بتخفيض عدد العاملين في المؤسّسة من أجل تقليل النفقات المالية.

يقول محمّد الشاعر[1]، أحد الصحافيين المفصولين، فإن معظم المفصولين مقيدون بنقابة الصحفيين.

وعليه، تقدم عدد من الصحفيين المفصولين بمذكّرة السبت 5 ديسمبر إلى النقابة يطالبونها بالقيام بدورها في حمايتهم والوقوف طرفاً أصيلاً معهم خلال المفاوضات مع الإدارة للإبقاء عليهم في وظائفهم. غير أنّه لفت إلى أنّ الصحافيين المفصولين لا يتّفقون على مطالب موحّدة فبعضهم يريد الاستمرار في العمل في الصحيفة بينما يفضّل آخرون إنهاء علاقة العمل معها والحصول على مستحقّاتهم كافّة. وأضاف أنّ مجموعة منهم عقدت لقاءً تشاورياً مع نقيب الصحافيين ورئيس لجنة التسويات في النقابة ضياء رشوان. وبعد توسّط نقابة الصحافيين مع رئيس تحرير “المصري اليوم” عبد اللطيف المنّاوي، وضعت الإدارة الصحافيين المفصولين أمام خيارين: الاستقالة والحصول على بعض المستحقّات المالية أو طلب إجازة لمدّة عام بدون راتب.

ويوضح عضو مجلس نقابة الصحفيين عمرو بدر[2] فقد تمّ الاتّفاق على بعض الخطوط العريضة لتسوية قانونية مناسبة تضمن حقوقهم الصحافية والأدبية، مشيراً إلى أنّ التفاوض يحصل مع النقابيين وغير النقابيين.

ويُخشى أن يُشكّل قرار فصل هذه المجموعة بدايةً لقرارات تنهي مسيرة إحدى أشهر الصُّحف الخاصّة في مصر. إذ من المفترض أن يستمرّ العمل في الصحيفة بعددٍ محدودٍ من الصحافيين والمصوّرين والمراسلين لمدّة ستة أشهر على أن يتمّ تقييم الوضع في نهايتها. وفي حال فشل التجربة، يقرّر مجلس إدارة “المصري اليوم” تصفية الصحيفة وتسريح الصحافيين وجميع العاملين فيها.

فصل الصحافيين… مسلسل متكرّر

ليست هذه المرّة الأولى التي يتعرّض فيها صحافيون للفصل التعسّفي في مصر بل تكرّر الأمر كثيراً خلال السنوات الأخيرة. ففي 2015، فصل موقع “دوت مصر” الإعلامي نحو 70 صحافيّاً، بحجّة مشاكل مالية ألمّت بالمؤسّسة. يقول عمرو حسني[3] أحد المفصولين إنّ الموقع الذي كان ملكاً لمستثمرين إماراتيين قبل أن تشتريه شركة “إعلام المصريين” لم يدفع للمفصولين رواتب 3 أشهر عمل. ويشير إلى أنّ عدداً من المفصولين توجّهوا إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بالواقعة وإثبات الحالة والشروع في مقاضاة المؤسّسة للحصول على الرواتب المتأخّرة وتعويضهم عن الفصل.

وفي نهاية مايو 2019، فصلت مؤسّسة الدستور نحو 65 صحافيّاً، وذلك في مكالمة هاتفية أبلغتهم فيها باستغنائها عنهم. وزعمت الإدارة أنّ الصحافيين المفصولين الذين عملوا فيها لسنوات، لم يكونوا معيّنين بل كانوا “متدرّبين”، وفي هذه الحالة يحقّ للمؤسّسة إنهاء علاقتها بالصحافيين من دون الرجوع إليهم أو إلى النقابة.

وتقول إحدى الصحافيات المفصولات من “الدستور”، فضَّلتْ عدم ذكر اسمها[4]، إنّها عملت في المؤسّسة لنحو 3 سنوات وتمّ فصلها تعسّفياً بدون تقديم أيّ مبررات. وتضيف أنّ الصحيفة زعمت أنّها متدرّبة وأنّها لم تكن حاضرة بشكل مستمرّ في الصحيفة كي لا تدفع لها مستحقاتها، كما تمّ حجب راتبها مقابل التوقيع على الاستقالة واستلام مستحقّاتها كافّة.

وفي أكتوبر 2018، فوجئ 45 صحافياً في صحيفة “العالم اليوم، بفصلهم من قِبل إدارة الصحيفة بحجّة تصفية الشركة المالكة. وبدأت الأزمة عندما توجّه أحد هؤلاء الصحافيين إلى مكتب التأمينات الذي يتبع له مقرّ الصحيفة ﻹثبات رغبة مالك الصحيفة في إغلاق الشركة. لكنّه اكتشف عند استخراجه طابعة تأمينات خاصّة به، أنّه تمّ فصله بناء على تصفية نشاط الشركة بأثر رجعي منذ 31 أغسطس 2014. علاوة على ذلك، لم يتقاضَ صحافيو “العالم اليوم” رواتبهم لأكثر من 20 شهراً من تاريخ تلك الواقعة.

تجدر الإشارة إلى ممارسة أخرى تنتهجها المؤسّسات الصحافية في مصر وهي فتح باب طلبات التسوية[5] بين الحين والآخر. في العام الماضي فتحت “المصري اليوم” باب تقديم طلبات التسوية تخفيضاً للنفقات، وكذلك فعلت مؤسّسة “الشروق”[6] في شهر أكتوبر من العام نفسه.

كيف يحمي التشريع الصحافيين؟

لم يعرّف المُشَرّع الفصل التعسّفي في نصٍّ صريحٍ لكن من المتعارف عليه أنّه “مخالفة القانون من قِبل صاحب العمل وإصداره قرار الفصل بشكل منفرد قبل انتهاء مدّة العقد المحدّد أو إنهاء العقد غير محدّد المدّة دون سابق إنذار للعامل مبيّناً الأسباب التي أُصدر على أساسها قرار الفصل، ولذا يكون الفصل في هذه الحالة فصلاً تعسّفياً طالما أنّ قرار الفصل كان يهدف لتحقيق مصلحة غير مشروعة لصاحب العمل أو أنّه كان يُقصد بإصدار القرار الإضرار بالطرف الآخر أو كان يهدف لتحقيق مصلحة لا تتناسب مع ما سيصيب العامل من ضرر”[7].

في هذا السياق، يقول المحامي في “التعاونية القانونية لدعم الوعي العمّالي” ياسر سعد[8] إنّ الصحافي الذي يعمل في مؤسّسات قومية يخضع لقوانين “الهيئة الوطنية للإعلام والصحافة”. أمّا إذا كان يعمل في مؤسّسة خاصّة فهو يخضع لقانون العمل رقم 12 لعام 2003 الموحَّد لعلاقات العمل في مصر، ويكون مكتب العمل المرجعيّة في حلّ النزاعات.

اشترط قانون العمل رقم 12 لعام 2003، على صاحب العمل أن يُخطر العامل قبل إنهاء العمل بثلاثة أشهر أو شهرين على الأقلّ، حسب مدّة الخدمة المتّصلة للعامل، وذلك وفقاً لنصّ المادة 111 من القانون[9]. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ جميع المصادر التي أجرينا معها مقابلات أكّدت أنّ قرارات الفصل جاءت مفاجِئة وبدون اتّباع الإجراءات أو احترام المدّة المنصوص عليها قانوناً.

ويشير سعد إلى أنّ العاملين بأجرٍ، ومنهم الصحافيون، وضعُهم سيّئ في مصر. حيث أنّ صاحب العمل يفصل العامل وإذا ما توجّه الأخير إلى القضاء يدفع له تعويضاً. ويشرح بأنّ “الفصل التعسّفي هو نتاج ذلك الوضع السيّئ، لأنّ القوانين المنظّمة للعمل لم تلزم صاحب العمل بإعادة العامل إلّا في حالة واحدة وهي إذا تمّ فصله نتيجة عمله النقابي، كما نصّت المادة 71 من قانون العمل”.[10]

هناك اختلاف في تفسير العمل النقابي، فالبعض يفسّره بأن يكون الصحافي عضواً في مجلس إدارة النقابة، بينما يعتبر آخرون العمل النقابي هو القيام بنشاط نقابي بدون الحاجة إلى إثبات أيّ صفة.

يُعَدُّ معظم المفصولين من “المصري اليوم” مقيّدين في جدول نقابة الصحافيين، لذلك يسري عليهم قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي نصّ على عدم جواز فصل الصحافي إلّا بعد التحقيق معه وإخطار النقابة المعنيّة بمبرّرات الفصل وانقضاء 30 يوماً من تاريخ هذا الإخطار، وبعد أن تحاول النقابة التوفيق بينه وبين المؤسّسة التي يعمل فيها.[11]

يقول سعد إنّ نقابة الصحافيين تحمي الصحافيين المقيّدين وفي بعض الأحيان غير المقيّدين لاحتمال انتسابهم لاحقاً. وفي حال تقاعست النقابة عن حماية أحد الصحافيين بعد فصله، عليه التوجّه إلى مكتب العمل لإثبات فصله ورفعِ قضيّة فصل تعسّفي، وغالباً ما يأتي حكم المحكمة العمّالية في مصلحة العامل.

يُجيز القانون لصاحب العمل تقليص حجم العمالة لضرورات اقتصادية شرط تقديم طلب إلى لجنة تُشكَّل لهذا الغرض مبيّناً الأسباب التي يستند إليها. ثمّ تصدر اللجنة قرارها على أن يكون مُسبَّباً سواء بالرفض أو القبول. وعليه، تجيز هذه اللجنة لصاحب العمل وتبعاً للظروف الاستغناء عن بعض العاملين أو كلّهم، حسب الأحوال[12]، وذلك وفقاً لنصّ المادّة [13]196 من قانون العمل. إلّا أنّ جميع القوانين والتشريعات لم تحمِ الصحافيين من الفصل التعسّفي والحرمان من حقوقهم المادية والأدبية.

[1] اتّصال هاتفي، 8 ديسمبر 2020.

[2] اتّصال هاتفي،10 ديسمبر 2020.

[3] مقابلة، 8 ديسمبر 2020.

[4] اتّصال هاتفي، 8 ديسمبر 2020.

[5] المقصود منها الحصول على إجازة سنوية بدون راتب أو إنهاء العلاقة مع المؤسّسة.

[6] مقابلة مع مصدر صحافي يعمل في الصحيفة فضّل عدم ذكر اسمه.

[7] ورقة قانونية بعنوان: “الفصل التعسّفي .. هيمنة للمؤسّسات وتشريد للصحفيين“، المرصد المصري للصحافة والإعلام، مارس 2019.

[8] اتّصال هاتفي، 12 ديسمبر 2020.

[9] نصّ المادّة 111 من قانون رقم 12 لعام 2003: “يجب أن يتمّ الإخطار قبل الإنهاء بشهرين إذا لم تتجاوز مدّة الخدمة المتّصلة للعامل لدى صاحب العمل عشر سنوات، وقبل الإنهاء بثلاثة أشهر إذا زادت هذه المدّة على عشر سنوات”.

[10] نصّ المادّة 71 من قانون رقم 12 لعام 2003: تُشكَّل المحكمة العمّالية من دائرة أو أكثر من دوائر المحكمة الابتدائية وتختصّ دون غيرها بالفصل في كافّة المنازعات العمّالية الفردية المشار إليها في المادة (70) من هذا القانون.

وتخطر المحكمة ممثّلاً عن المنظّمة النقابية المعنية، وممثّلاً عن منظّمة أصحاب الأعمال لسماع رأيهما في النزاع في أول جلسة، فإذا تخلّف أيٌّ منهما عن الحضور استمرّت المحكمة في نظر الدعوى.

وعلى المحكمة العمّالية أن تفصل – على وجه السرعة وبحكم واجب النفاذ ولو تمّ استئنافه – في طلب صاحب العمل بفصل العامل خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ أوّل جلسة، فإذا رفضت الطلب، قضت باستمرار العامل في عمله وبإلزام صاحب العمل بأن يؤدّي إليه ما لم يُصرف له من مستحقّات.

فإذا لم يقم صاحب العمل بتنفيذ الحكم باستمرار العامل في عمله اعتُبر ذلك فصلاً تعسّفياً يستوجب التعويض طبقاً لنصّ المادة (122) من هذا القانون.

وتقضي المحكمة العمالية – بصفة مستعجلة – وبحكم واجب النفاذ بتعويض مؤقّت للعامل يعادل أجره الشامل لمدّة اثني عشر شهراً إذا جاوزت مدّة عمله سنة كاملة، فإن كانت أقلّ من ذلك كان التعويض المؤقّت بقدر أجره الشامل عن مدّة عمله إذا طلب منها ذلك. وعلى العامل إعلان صاحب العمل بطلباته النهائية خلال ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتاريخ صدور الحكم بالتعويض المؤقّت إذا لم يكن قد سبق له إبداؤها.

وتقضي المحكمة العمّالية للعامل بمبلغ التعويض النهائي وفي باقي طلباته بعد أن تخصم المبالغ التي يكون العامل قد استوفاها تنفيذاً للحكم الصادر بالتعويض المؤقّت.

فإذا كان طلب فصل العامل بسبب نشاطه النقابي قضت المحكمة العمّالية باستمرار العامل في عمله إذا طلب ذلك ما لم يثبت صاحب العمل أن طلب الفصل لم يكن بسبب هذا النشاط. ويتبع فيما لم يرد بشأنه نصٌّ خاصّ في هذا القانون أحكام قانونَيْ المرافعات والإثبات في الموادّ المدنية والتجارية.

[11] بخلاف المتدرّبين أو الذين ينتظرون التعيين ثم الالتحاق بالنقابة، حيث غالباً ما تتجاهلهم النقابة بعد الفصل بحجّة أنّهم غير مقيّدين في النقابة.

[12] ورقة قانونية بعنوان: الفصل التعسّفي.. هيمنة للمؤسّسات وتشريد للصحفيين، المرصد المصري للصحافة والإعلام، مارس 2019.

[13] نصّ المادّة 196 من قانون العمل رقم 12 لعام 2003: يكون لصاحب العمل، لضرورات اقتصادية، حقّ الإغلاق الكلّي أو الجزئي للمنشأة أو تقليص حجمها أو نشاطها بما قد يمسّ حجم العمالة بها، وذلك في الأوضاع وبالشروط والإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون.

انشر المقال

متوفر من خلال:

حقوق العمال والنقابات ، عمل ونقابات ، مؤسسات إعلامية ، مصر ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *