غسيل الكِلَى في الرديّف: آلام الحوض المنجمي


2025-03-05    |   

غسيل الكِلَى في الرديّف: آلام الحوض المنجمي

في زيارته يوم 24 جويلية 2021، زار الرئيس قيس سعيد المستشفى الميداني بقفصة ومن ثمّ مستشفيات مدن الحوض المنجمي، وهي أمّ العرائس والمتلوي والمظيلة والرديّف. بعد تلك الزيارة، انعقد اجتماع لمجلس الأمن القومي بحضور أعضاء الحكومة ورئيسها الأسبق هشام المشيشي وأعضاء الديوان الرئاسي وعدد من الإطارات العسكرية تحدّث فيها عن الوضع الصحّي بشكل عامّ، وخصوصًا عن الحالة الوبائية ومدى استعداد المستشفيات لإيواء المرضى وتوفير التلاقيح. قال سعيّد في ذلك الاجتماع: “منظومة الصحة التونسية لا بدّ أن نُعيد النظر فيها. هذا أمر ضروري، لأنه لا يمكن أن نواصل بالشكل الّذي بدأنا به…وصلنا إلى حدّ لا بدّ من اتخاذ إجراءات جديدة”. وفي مدينة المتلوّي، لم يكن قيس سعيّد مُرحَّبًا به، حيث رُفعت في وجهه شعارات “غادر”، dégage بالفرنسية، وثّقتها مقاطع فيديو تداولها عدد من الصفحات في ذلك الوقت. وفي زيارته لمنطقة الرديّف في 13 جوان 2023 قال قيس سعيّد : “يوم 24 جويلية كنت هنا في الرديف، يوم 25 جويلية اتّخذت القرار، ولا رجوع إلى الوراء”، وكأنّه يوحي للمتساكنين هناك بأنّ سردية التدابير الاستثنائيّة بُنيَت على الوضع الصحّي خلال الأزمة الوبائيّة كوفيد 19. و

منذ ذلك الوقت، ظلّ الوضع الصحي على حاله، بخاصّة وأنّ سكّان منطقة الرديّف دعَوْا إلى تنظيم وقفة احتجاجيّة في 24 فيفري الماضي احتجاجًا على غياب وحدة لتصفية الدم وغسيل الكلى بالجهة. يكشف تحقيق المفكرة القانونية عن الأبعاد المغيبة داخل السردية الرسمية بخصوص حقيقة الوضع الصحي في منطقة المناجم، وبخاصة مدينة الرديف. 

ألم متعدّد الأبعاد

في عيادة غسيل الكِلَى في المتلوي، استقبَلَنا الحاجّ رابح، وهو رجل سبعينيّ كان يشتغل في إحدى شركات نقل الفسفاط في منطقة الرديّف في الحوض المنجمي، وقد شَرع في عمليّة تصفية الدّم، حيث وُضع بجانبه جهاز يستخرج الدّم من ذراعه لتصفيته وإعادة ضخّه من جديد في الجسم. يتحامل الحاجّ رابح على نفسه حتّى يستقبلنا ويُرحّب بمجيئنا، رغم أنّه استيقظ في ساعة مُبكّرة. يُحدّثنا: “أخضع إلى عملية تصفية الدّم منذ 11 شهرًا، ولكنّ أعراض القصور الكَلَوي بدأت تظهر منذ الثمانينات، بسبب تراكم الحصى في الكلى. في العام 2015 بدأت أشعر بالانتفاخ في جسمي، وبدأت أتنقّل بين قفصة وصفاقس، إلى أن تبيّن أنّ الكليتَين متضرّرتان. خلال أيام التصفية، أستيقظ منذ الثالثة أو الرابعة صباحًا. أتجهّز في انتظار قدوم السيارة التي ستُقلُّنا إلى المتلوي، في حدود الساعة الخامسة والنصف صباحًا. تبدأ عملية التصفية في حدود الساعة السابعة وتمتدّ على ثلاث ساعات ونصف. عندما تنتهي عملية التصفية، تخور قوانا تمامًا ولا نعود قادرين على الوقوف. هناك من يُغمى عليه وهناك من يتقيّأ، وفينا من يعاني هبوطًا حادًّا في ضغط الدّم أو السكّري. نستقلّ السيارة مرة أخرى في اتجاه الرديف في حدود منتصف النهار لنعود إلى بيوتنا، ليزيد الطرّيق من عذابنا وألمنا. نخرج من بيوتنا مُتعَبين، ونعود إليها أشدّ تعبًا”.

أمّا مصطفى، مهندس الكهرباء فيتنقّل ثلاث مرّات في الأسبوع من الرديّف إلى المتلوّي، ليصطحب والده إلى مركز تصفية الدّم والكلى الاصطناعية بمصحّة الضمان الاجتماعي. في بعض الأحيان، يضيق مصطفى ذرْعًا بسبب الانتظار والاستيقاظ باكرًا وتحمّل مطبّات الطّريق وتعطيل مشاغله، لكنّه لا يملك سوى أن يواظب على هذا الموعد إزاء والده، الّذي كان مُضطجعًا على جنبه الأيمن، لا يكاد يقوى على الحراك، مع بداية عمليّة تصفية الدّم. في الغرفة المجاورة، تستلقي فاطمة الجوهري على ظهرها في انتظار أن تنتهي عمليّة غسيل الكلى، فيما تجلس أختها بجوارها، تُؤنسُها وتُخفّف عنها الألم وطول ساعات الانتظار، وتُساعدها على تغيير وضعيّتها بين حين وآخر. تُحدّثنا شقيقتها الصغرى: “لا أكاد أفارق أختي لأنّها غير قادرة على الحركة بمفردها. شخصيًّا، لم أعد قادرة على التفرّغ للعناية بشؤون عائلتي، فأنا دائمًا معها. أستيقظ معها باكرًا لنلتحق بالحافلة التي ستُقلّنا من الرديّف إلى المتلوّي، وأُمضي معها ساعات غسيل الكلى، ونعود معًا إلى الرديّف، ولا أكاد ألتقط أنفاسي وأتفرّغ لشؤوني حتّى يأتي موعد التصفية في اليوم اللاحق، وها نحن على هذا النّسق منذ سنتَين. هذه حكمة الله ولكننا نريد مركزًا لتصفية الدّم في الرديّف، حيث نسكن”. تعرّضت فاطمة في إحدى المرات إلى نوبة مفاجئة عند عودتها من رحلة التصفية، واضطرّ السائق إلى إيقاف السيارة حتّى تلتقط أنفاسها وتستعيد وعيَها. تتساءل فاطمة عمّا إذا كانت ستشعر بهذا الإرهاق لو كانت تخضع للتصفية في الرديّف، دون أن تتحمّل عناء التنقّل في ظروف صحيّة ولوجستية صعبة.  

يبلغ عدد مرضى القصور الكلوي الّذين يتوافدون إلى مركز تصفية الدم في المتلوي قدومًا من الرديف حوالي 22 مريضًا، وهم لا يطلبون سوى توفير مركز لتصفية الدم وغسيل الكلى في منطقتهم، حتّى يُخفّفوا عنهم عبء التنقّل إلى المتلوّي، التي تبعُد عن الرديّف حوالي خمسين كيلومترًا، وحتّى لا يتكبّدوا مشقّة الطّريق من وإلى مركز التصفية، إذ تستغرق الرّحلة من الرديف إلى المتلوي حوالي الساعة والربع، في طريق وعرة وكثيرة الحُفَر. وقد دعا مكتب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بمنطقة الحوض المنجمي إلى تنظيم وقفة احتجاجيّة من أمام المستشفى المحلّي بالمنطقة يوم الاثنين 24 فيفري، لرفع مطلبَيْن أساسيَّيْن: أوّلًا تغيير صبغة المستشفى من محلّي إلى جهوي، وثانيًا إحداث مركز لتصفية الدم. فالمستشفى المحلّي يؤمّن خدمات صحيّة وقائيّة، وخدمات الطبّ العام والتوليد والإسعاف. أمّا المستشفى الجهوي فيوفّر الإسعافات الطبيّة والجراحيّة المتخصّصة وفيه أسرّة استشفائيّة لإيواء المرضى. “الحق في الصحة حق دستوري ولا بدّ من إنفاذه ولا بدّ من توفير رعاية صحية في المستوى المطلوب. من حق مدن الحوض المنجمي أن تتمتّع برعاية صحية وبحقّها في بيئة سليمة. كفاها معاناة وتهميشًا”، يقول رابح بن عثمان رئيس فرع المنتدى بمنطقة الحوض المنجمي خلال الوقفة الاحتجاجية.

لم يكن الحضور مُكثّفًا في  الوقفة، إذ أن مرضى الكلى الّذين كانوا حاضرين لم يكن أغلبهم يقوى على الوقوف طويلا تحت أشعّة الشمس، خاصّةً وأنّ عددًا منهم تقدّم به السنّ، ولكنّهم أصرّوا على رفع مطالبهم وتبليغها. ورغم الوعود المُحتشمة بالتسريع في إحداث مركز لتصفية الدّم كانوا يدركون جيّدًا أنّ التعهّدات لن تتنزّل فعليًّا إلا بمواصلة الاحتجاج. فيما طالبت آمنة الذّوادي، إحدى أعوان الصحّة بالمستشفى المحلّي في الرديّف، بتخصيص نسبة من عائدات الفسفاط لفائدة مدن الحوض المنجمي بهدف تحسين بنيتها التحتيّة الصحية وتهيئة طُرُقاتِها وسِكَكِها الحديديّة.

مُدن المناجم الثائرة

لا يكتفي سكّان الرديّف بالمطالبة بمركز لغسيل الكلى، ولكنّهم أيضًا يشتكون من تبعات استخراج الفسفاط ومعالجته وما يتولد عنها من إفراز غازات سامّة تسبّبت لهم في أمراض تنفسّية وجلديّة وسرطانيّة. وقد عادت مغسلة الفسفاط بالرديّف للاشتغال يوم 21 فيفري الفارط، بعد إيقافها لمدّة خمس سنوات، وهي قادرة على إنتاج 2500 طنّ من الفسفاط يوميًّا.  

تأتي هذه الوقفة الاحتجاجيّة أيّامًا بعد الإضراب العامّ الّذي شهدته مدينة أمّ العرائس يوم 20 فيفري، الّذي أسنده الاتّحاد الجهوي للشغل بقفصة، على خلفيّة حادثة اصطدام شاحنة ثقيلة بحافة لنقل المُسافرين، ووفاة ستّة أشخاص نتيجة ذلك. أعادت تلك الحادثة الأليمة سرديّة الاحتجاج كتعبير عن الغضب الشعبي إزاء فشل السياسات العامّة في قطاعات النّقل والصحّة والبُنَى التحتيّة وغياب التنمية في المنطقة. وقد أعلن كلّ من الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة والفرع الجهوي للمحامين والرابطة الجهوية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد العام لطلبة تونس بقفصة في بيان صدر يوم 22 فيفري، عن الدّخول في عدّة تحركات نضالية دفاعا عن حقوق الجهة في التنمية والتشغيل، داعيةً إلى تنظيم يوم غضب جهوي احتجاجا على تردّي البنية التحتيّة وارتفاع نسب البطالة وتدهور المرفق الصحّي والتلوّث القاتل، وفق نصّ البيان المُشترَك. “المطلب الأساسي هو التنمية بصفة عامّة، وبصفة خاصّة الوضع الصّحي الّذي أصفه بالمتردّي والكارثي”، يقول الكاتب العام الجهوي لاتحاد الشغل بقفصة، محمد الصغير الميراوي، مع انطلاق يوم الغضب، مؤكّدًا مسؤولية الحكومة في أداء واجبها للنهوض بقطاع الصحّة والبنية التحتية والإصلاح العاجل للمؤسسات الصحيّة بشكل يكفل للمرضى حقّهم في التداوي والعلاج.

من جهته، يقول الهادي صدوق عضو الفرع الجامعي للصحة بقفصة للمفكرة القانونية، إنّ أغلب مستشفيات مدن الحوض المنجمي محلّية، ما عدا المتلوّي، وهي تُسدي خدمات الخطّ الأول فقط؛ الإسعافات الأولية وأقسام العمليات وطبّ النساء والتوليد، مع غياب اختصاصات أخرى. كما تمّ إحداث مبنى لطبّ الأطفال ولكن دون توفير الأعوان والأطباء المختصّين، حتّى أنّه ظلّ مبنى فارغًا. وفيما يخص التحاليل الطبية، يقول الهادي صدوق إنّ المستشفى المحلي بالرديّف بادَرَ باقتناء بعض الآلات باجتهاد منه مثل أجهزة قيس مخزون السكّر وتحليل التروبونين بالنسبة لمرضى القلب. “صحيح أنّ هناك بعض التجهيزات التي تعهّدت وزارة الصحة بتوفيرها، ولكنّها لا تفي بالغرض، نظرًا لتنوّع الأمراض خاصّة منها أمراض الجهاز التنّفسي وتفشّي مرض السرطان بوتيرة كبيرة، وخصوصية وضعيات بعض المرضى الّذين يضطرون إلى العلاج في ولايات أخرى. كما تفتقر المستشفيات إلى الأمصال وطبّ الأشعة وتحاليل الأمراض السرطانية والغُدَد وغير ذلك”، يقول مُحدّثنا، مُشيرًا إلى التقاطعات بين المسألتَيْن الصحيّة والبيئيّة، فعمليّة غسيل الفسفاط تُفرز مادّة الكاديميوم السامّة التي تنتشر في الآبار السقوية. “صحيح أنّه تمّ تركيز خزّانات لتفادي تلوّث المياه ولكنّنا مازلنا نجني مخلّفات هذه المادّة. قدّمنا منذ 2010 ملفّات وعقدنا جلسات عمل بحضور ممثّلين عن وزارة الصحة ولكن تمّ التكتّم عن الملفّ في ذلك الوقت”، يُضيف عضو الفرع الجامعي للصحة للمفكرة القانونية.

أمّا بالنسبة إلى مطلب وحدة تصفية الدم، يضيف مُحدّثنا: “طالبنا بإحداث مركز لغسيل الكِلى بعد الثورة وقدّمنا ملفات في الغرض ولكن لم يتمّ الردّ علينا. كان عدد المرضى في ذلك الوقت يُقارب الثلاثين شخصا من الرديف وعين الكرمة وتَمَغزة، ونحن حقيقة نتمنى التخفيف عن معاناة الناس. مستشفى الرديّف يُعاني نُقصا في عدد الأطباء مقارنةً بعدد مراكز الصحة الأساسية. فيه فقط 07 أطباء وهو عدد قليل بشهادة لجنة ممثلة عن وزارة الصحة”. فيما يظل “المطلب الأزلي” وفق عبارة الهادي صدوق هو تخصيص نسبة تُقدَّر بـ1% فقط  من عائدات الفسفاط للنهوض بقطاع الصحة. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني