عيد الأبجدية: التشريع بحثا عن اسطورة تأسيسية


2011-11-08    |   

عيد الأبجدية: التشريع بحثا عن اسطورة تأسيسية

اقر المجلس النيابي في جلسته المنعقدة في 2-11-2011 قانونا باستحداث عيد للابجدية، وذلك بناء على اقتراح تقدم به النائب نعمة الله ابي نصر. وقد حدد تاريخ العيد في 8 آذار من كل عام، وتنظمه وزارتا التربية والثقافة من دون تعطيل. وفيما خلت الجلسة النيابية من اي مناقشة او اي خطاب لتبريره، حدد صاحب الاقتراح في بيان اصدره بعد ختامها انه يأمل منه "احياء تراثنا الحضاري وابرازه للعالم" و"ايجاد صدمة ايجابية تجمع ابناء هذا الوطن حول ما يجمعهم من قواسم تاريخية غير طائفية، والإضاءة على دور لبنان، اول من اوجد الكلمة كاداة حوار تجمع بين الشعوب". وهكذا بدا كأنما الهدف مزدوج: فهو من جهة التوحد حول انجاز حضاري (وضع الابجدية)، ومن جهة اخرى التباهي امام الآخرين (سائر الامم) الذين عليهم ان يتذكروا ان لبنان هو الذي علمهم الحرف، "اساس كل المعارف البشرية". وتبعا لذلك، كان من الطبيعي ان يحدد تاريخ العيد في اليوم السابق ل"عيد المعلم" (9 آذار). اما مرتكزات النائب للمفاخرة بذلك فهي مستمدة حصرا من عالم الاساطير، ومآلها التعامل مع الشخصيات الاسطورية على انها حقائق تاريخية: فقدموس هو الذي نشر هذه «الالفباء الفينيقية الكنعانية» وهو من دون ادنى شك "المعلم الاول" او الاكبر، وهو تاليا المعني الأول بعيد المعلم.
مهما يكن، مع هذا القانون، دخل التشريع اللبناني خضم تجربة جديدة: تجربة البحث عن قواسم مشتركة في عالم متخيل او اسطوري، تجربة البحث عن اساطير تأسيسية يتفاخر فيها اللبنانيون وتترسخ من خلالها هويتهم.
والاغرب (او ربما لحسن الحظ) ان اعلان هذه الاسطورة التأسيسية تم في ختام الجلسة ، فيما كان النواب يهمون بالخروج، وعلى سبيل المجاملة بعدما ناداهم ابي نصر: "هو! يا عمي، وين رايحين؟".. وبعدما اكد لهم ان العيد لا يستتبع تعطيلا للمؤسسات العامة، وبعدما استنتج نبيه بري انه "لا يقدم ولا يؤخر". فكأنما ايا من النواب لا يحمل محمل الجد هذه "الأسطورة" او "توحد اللبنانيين" حولها او بواسطتها، وهي ربما من الاساطير النادرة التي يكرسها برلمان بمنأى عن اي نقاش مجتمعي. لكن الأمر يصبح اكثر جدية بالطبع حين يؤول هذا الخطاب الشعبوي للنيل من الآخرين، للانتقاص من حقوقهم الاساسية بمسميات مختلفة، ابرزها حقوق الجماعات والمحافظة على التوازن الديمغرافي وما يستتبعها من عنصرية وتطييف (ماذا يتبقى معها من الوحدة؟). يكفي تذكير ابي نصر بمواقفه من التوطين (مناقشات قانون تملك الأجانب) ومن منح الجنسية للمولودين من ارحام اللبنانيات[1] اللواتي هن ايضا من حقهن ان يحتفين بعيدهن في 8 آذار.



[1] راجع: جريدة الاعمار والاقتصاد، 9 نيسان 2010، زاوية "برلمان"، "مشروع قانون انشاء البطاقة الخضراء لزوج المرأة اللبنانية الاجنبي واولادها".
انشر المقال

متوفر من خلال:

غير مصنف



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية