عن عمر طيبا الذي أنهت حياته رصاصة غدّارة في ساحة النور


2021-02-08    |   

عن عمر طيبا الذي أنهت حياته رصاصة غدّارة في ساحة النور
عمر طيبا

عند الثامنة صباحاً يوم الخميس 28 كانون الثاني، لفظ الشاب عمر طيبا أنفاسه الأخيرة بعد إصابته بالرّصاص في ظهره أثناء مواجهات مع القوى الأمنية في اليوم السابق في ساحة النور في طرابلس. كان موت عمر شرارة ألهبت المزيد من الاحتجاجات التي أدّت في محصّلتها إلى إشعال النيران في مبنى بلدية طرابلس. انضمّ عمر إلى أحمد توفيق وفؤاد السمّان اللذين سبقاه إلى الاستشهاد الأوّل في 17 شباط العام 2020 بعد أن أصيب في 26 تشرين الثاني والثاني بعده بحوالي شهرين في 28 نيسان من العام ذاته. 

عمر طيبا من ترعرع في منطقة التبّانة الفقيرة وتحديداً في أزقّتها الضيّقة المتشعّبة، وهناك تحديداً تعلّم أنّ قول “كلمة الحق” و”التمرّد على الواقع المجحف هو الطريق نحو الكرامة. 

طوال ثلاثة عقود هي عمره الذي أنهته رصاصة غدّارة قبل عشرة أيام، عاين عمر آثار الحرب في الجدران والنفوس التي صمدت في وجه القصف السوري، وتداعيات إهمال حكومات ما بعد الطائف. عايش شظف العيش، والفاقة بسبب البطالة. في ريعان المراهقة والشباب،  تحسس عمر التمرد على سلطة الدولة التي غيّبت الإنماء عن الشمال اللبناني منذ الاستقلال.

ورغم سيرته القصيرة، تعلّم الشاب المعروف بـ”أبو خضر” دروساً قاسية من الحياة، قاومها وصمد بوجهها ولكن لم تُفلح صلابته في مقاومة الإصابة في الظهر التي كانت قاسمة. ولم يقوَ جسده عليها، فارتقى إلى مستوى الشهادة من دون تحقيق أحلامه، إلّا أنّه ومن مرقده السماوي، تتطلع روحه إلى تحقيق العدالة ووقف الإفلات من العقاب أياً كان الفاعل ومهما علت رتبته. 

العائلة الحزينة 

في منزل عائلته في التبّانة، التقت “المفكرة القانونية” الدائرة العائلية الضيّقة لعمر، المؤلّفة من أب، وأم، وأربعة أولاد. تخفي البسمة الخجولة على محيا والده فاروق جرحاً عميقاً في القلب، وغصّة تختلط برائحة سيجارته العربية. أمّا الأم فتعيش حزنها بصمت، وتترجم فقدها لابنها بدمعة لا تُفارق عينيها لفراق “الحلقة الأضعف بقلبها”، حسب ما تسمّيه العائلة. وشقيق عمر، أحمد، يعيش شعور الفقدان للأخ والسند الذي كان يندفع ليؤمّن له الدعم بدون انتظار الطلب. لا تعترض العائلة على لعبة المصير، ولكنها تُطالب بالعدالة عاجلاً غير آجل. وتعتقد العائلة أنّ “ما حصل من إحراق للمدينة، كان للتغطية على جريمة قتل ابنها، وطمس معالمها”. 

عمر والأبواب المغلقة

ولد عمر عام 1991 ويقول والده فاروق إنّه “كان شاباً حيوياً، طيباً، ومحبوباً في محيطه، كما أنّه يُجيد بناء العلاقات الاجتماعية ولديه أصدقاء كُثر”. وتؤكّد العائلة أنّ عمر “كان هواه التبّانة ولم يكن بإمكانه مفارقتها”، رغم جميع الظروف المرّة التي مرّت بها المنطقة المهمّشة التي تحفل سيرتها بالأحداث والحروب المتكرّرة. لم يُعاين المرحلة التي كانت تعتبر التبّانة فيها “باب الذهب”. لذلك تمثّل سيرته نموذجاً عن حياة أبناء هذه الضاحية الواقعة على طرف طرابلس، وهامش لبنان.  

تحمّس عمر لثورة 17 تشرين، واندفع إلى ساحة النور، وشارك فيها في أيامها الأولى، إلّا أنّه كان يتحفّظ على تحويلها إلى “سهرات فلكلورية” لأنّ “المطلوب كان هزّ عرش السلطة”، كما تنقل عنه العائلة. ويختصر والده مسيرة عمر بأنه “مواطن مقهور تسكّرت بوجهه كافة الأبواب”. 

عاش عمر طيبا حياة مليئة بالتجارب وغنية بالخبرات، ورغم ذلك لم يتمكّن من تأسيس عائلة، وشراء شقة، أو تحقيق مسيرة مهنية مستقرة. ففي الأساس، لم يحظَ الشاب بتعليم عالي إذ بعد وصوله إلى الصف الخامس، غادر الطفل المدرسة، التحق بمسيرة العمل المبكر بقناعة ذاتية، لأنّ أبناء التبّانة يكبرون قبل وقتهم. تقلّب عمر بين الشغل بالميكانيك، وصناعة المعجنات، وصناعة الجبن، وصولاً إلى “العمل بالدليفري لدى أحد محلات المناقيش لقاء 15 ألف ليرة”، وهو مبلغ لا يكفيه لشراء أكثر من علبتي دخان وسندويشة. 

اتّصف عمر بأنّه “كتوم” ونفسه عزيزة لا يطلب من أحد مساعدة أو نفقة، يقول شقيقه أحمد “إذا لم يكن بجيبه ألف ليرة، لا يطلُب شيئاً لنفسه”. 

قصد عمر بيروت للعمل “سيكيوريتي” في إحدى مؤسّسات وسط بيروت، وكان العمل متعباً أجره قليل. يقول الوالد إنّه كان يقف لـ 12 ساعة على قدميه مقابل مبلغ دون 700 ألف. 

عمل عمر لثلاث سنوات في محل السمانة الذي كان يملكه والده فاروق، إلّا أنّ الظروف الاقتصادية عاكستهم وأدّت إلى إقفالهم المحلّ.  

شعر عمر بأنّ الأفق يضيق في لبنان، لذلك اتّجه إلى تركيا في عام 2020 بحثاً عن حياة جديدة بعد أن لحق بأحد أبناء عمومته وأمّن له والده تذاكر السفر. قضى في تركيا شهر وخمسة أيام، إلّا أنّ التضييق هناك حال دون استقراره في تركيا. فاتح عمر عائلته بنيّة “الهروب إلى أوروبا”، إلّا أنّ التسعيرة الجديدة بلغت حدود 5 آلاف دولار وهو مبلغ كبير على أبناء الأحياء الشعبية ومعظم الشعب اللبناني اليوم.

الصور النمطية والهجرة

كسر عمر الكثير من الصور النمطية التي تُلاحق أبناء التبّانة، فهو كما يؤكّد والده “لم يحمل السلاح، ولم يشارك في الاقتتال الأهلي”، ويشهد على سلميّته استصداره وثيقة سجل عدلي “لا حكم عليه” منذ فترة قريبة، لأنّه كان يُعدّ للسفر إلى تركيا من جديد، و”في حياته كلها لم يدخل إلى مخفر”. 

يقول الوالد فاروق إنّ “ابنه لا يتدخّل أثناء الإشكالات والاشتباكات في الانتفاضة”، ويروي أنّه عند التاسعة من مساء الأربعاء المنصرم، كانت العائلة تتابع التغطية المباشرة لأحداث طرابلس، وهالهم “إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين العُزّل”. تلقّى الأب اتصالاً من أحد أشقائه ليقول له “ابنك أصيب”. قصد الوالد فاروق مستشفى النيني، حيث كان عمر يصارع من أجل البقاء إلّا أنّه خسر المعركة لتعلن وفاته عند الثامنة صباحاً. 

لم تُعرَض جثة الشاب عمر على الطبيب الشرعي، ويشير الوالد إلى أنّهم تسلّموا الجثة بسرعة فور وفاته، ولم تأتِ أيّ جهة رسمية لوضع محضر. قامت العائلة بغسل الجثة ودفنها مباشرة. ويؤكّد فاروق طيبا أنّه “منع استثمار دم ولده لزيادة الاضطرابات في الشارع، لأنّه لا يريد أن يسقط المزيد من الضحايا”. 

المسار القانوني 

قانونياً، نظّمت العائلة وكالة للمحامين في الحراك أحمد ياسين ونايف عليوة وغسان مرعي لمتابعة ملف مقتل ابنها عمر. وتؤكّد العائلة أنّها متمسّكة بالمسار القانوني من أجل جلاء الحقيقة في القضية. ويعتقد الوالد أنّ هناك وقائع ومعطيات تُساعد على معرفة القاتل، “ففي ساحة النور كان هناك مجموعة من العناصر معروفة الهوية بالنسبة إلى قيادتها، ويمكن معرفة من أطلق النار مباشرة، كما أنّ ساحة النور مليئة بكاميرات المراقبة التي تسجّل الوقائع في المنطقة”. يضيف “إذا كان هناك دولة تُريد إحقاق الحق، يُمكنها توقيف الفاعل، لأنهم يعرفونه، وقد يتمّ إخراج الجثة لتحديد من الذي قتله بالرصاص الحي والمباشر”. 

يرفض الوالد فاروق التبريرات التي يتمّ سوقها، من قبيل أنّ القوى الأمنية كانت في محل دفاع عن النفس، ليتساءل “هل يستخدم الرصاص لمواجهة من يرمي حجراً”.

على رماد ودم، طوت طرابلس آخر جولات “التمرّد على سلطة الدولة. وبانتظار جلاء الحقيقة في ملف عمر طيبا، تنتظر العائلة التحقيقات التي بدأتها الأجهزة الأمنية والقضائية. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم