عن عريس البحر الذي لم ير ابنته وبيسان التي لم ترتدِ فستانها.. “الغرباء” موتى السّعي وراء الأحلام والعالقون في بواخر مرفأ بيروت


2020-08-31    |   

عن عريس البحر الذي لم ير ابنته وبيسان التي لم ترتدِ فستانها.. “الغرباء” موتى السّعي وراء الأحلام والعالقون في بواخر مرفأ بيروت
والد الضحية بيسان حاملاً شنطتها (تصوير نبيلة غصين)

عريس المرفأ

قرر أحمد عميرا، العامل السوري، العالق على متن الباخرة “أبو كريم 3” منذ 2017 في مرفأ بيروت، أن يتزوّج خطيبته ديانا التي انتظرته طويلاً وأبدت استعدادها للعيش معه على متن الباخرة. ولمّا كان ممنوع عليه النزول من الباخرة وكان يخشى الذهاب إلى سوريا، بسبب ظروف الحرب هناك وطلبه للخدمة العسكرية، طلب أحمد من وكيل الباخرة تقديم طلب عملٍ لخطيبته على متنها لتتمكن من القدوم بطريقة قانونية، وهكذا كان. عُيّنت ديانا كطبّاخة على الباخرة.

بعد انفجار المرفأ، تختلط دموع ديانا بضحكاتها وهي تروي مجريات زفافها في 14-11-2018: “جيت بثياب عادية، بس أنا كنت مخبّاية الفستان الأبيض بالشنطة”. أرادت ديانا أن يكون عرسها كسائر العرائس، وصلت إلى المرفأ، بدّلت ملابسها وزفّها أحمد كعروس البحر، التقطت لهما الصور، وبينما كان أحمد يجهّز لها العشاء، انهمكت هي بتجهيز غرفة النوم بالورود والشموع.

تقول ديانا إنّها أمضت أجمل أيام عمرها برفقة أحمد على متن الباخرة المحجوزة. ولكنها لم تكمل الشهرين على متنها، إذ اضطرت بعدها بسبب ظروف حملها الصعبة إلى النزول، وعادت إلى سوريا حيث وضعت مولودتها التي أطلقت عليها اسم دعاء. وكانت تدعو ربّها ليلاً نهاراً كي يجمعها بحبيبها مجدداً. ولكن أحمد لم يتمكّن من رؤية ابنته وزوجته لأنّه طوال ثلاث سنوات لم يستطع جمع الألف دولار التي كان يحتاجها لتسوية أوراقه ضمن ما يسمّى “زيارة قُطر”، بعدما اقتُطع من راتبه بسبب الظروف الإقتصادية. حصل الإنفجار، وأصابت شظاياه أحمد وهو يعدّ القهوة في مطبخ الباخرة منتظراً أصدقاءه، وانتهت حياته. ترمّلت زوجته، وتيتّمت “دعاء” التي أكملت عامها الأول بُعيد وفاته بأيام قليلة.

أحمد هو واحد من بين 190 شخصاً قتلهم تفجير مرفأ بيروت حتى الآن. وأحد الذين لم تُكتب قصصهم بعد من الضحايا الأجانب الذين بلغ عددهم أكثر من ثلث العدد الإجمالي، وتوزّعوا على الجنسيات السورية (45)، والمصرية (3) ، بالإضافة إلى عشرات من الجرحى من جنسياتٍ مختلفة منهم، بنغلادشيون، وفلبينيون وفرنسيون وأسترالي وهولندية وبلجيكي وألمانية وغيرهم.

محتجزون لسنواتٍ على متن باخرةٍ بلا طعامٍ ولا شراب

وقصة أحمد واحدة من قصص كثيرة كشفها انفجار المرفأ. قصص أبعد من الخيال لأشخاص عالقين على متن الباخرتين لصاحبهما تاجر المواشي اللبناني هلال خليفة “أبو كريم1″ و”أبو كريم 3” (التي قُتل على متنها أحمد) منذ عامي 2015 و2017 على التوالي. بقي هؤلاء لسنواتٍ محتجزين على متن الباخرتين بلا طعامٍ أو شراب، ممنوع عليهم بحكم  القانون النزول إلى رصيف المرفأ، حتى باتوا يستجدون المأكل والمشرب خلسةً من زملائهم وأصحابهم العاملين على متن بواخر أخرى. “المفكرة القانونية” التقت الناجيين عبد الغفار وربيع شويس اللذين كانا على متن الباخرة “أبو كريم1” بالإضافة إلى أرملة أحمد للوقوف على تفاصيل قصة الباخرتين وقصص البحّارة.

تظهر سجلّات حركة دخول وخروج البواخر من وإلى مرفأ بيروت أنّ “أبو كريم1” توقّفت عن الإبحار في العام 2015 بعد أنّ اتّضح أنّها مرهونة لصالح بنك الشرق الأوسط وأفريقيا الذي قام بالحجز عليها بعد توقّف مالكها عن دفع مستحقّات الرهن، أما باخرة “أبو كريم 3” المملوكة من الشخص ذاته فقد احتجزت في العام 2017 لصالح المصرف ذاته.

بعد صدور قرار الحجز، رفض عدد من السوريين العاملين على متن باخرة “أبو كريم1” النزول إلى حين حصولهم على مستحقّاتهم وتعويضاتهم، بالإضافة إلى خوف بعضهم من الترحيل إلى بلادهم حيث سيجبرون على الالتحاق بالخدمة العسكرية وهؤلاء المحتجزون هم: عبد الغفار وربيع اللذان تمكنّا من مقابلتهما، بالإضافة إلى موسى حافظ الذي قرر العودة إلى سوريا، قبل الانفجار بأشهر.

أما “باخرة عبد الكريم 3” فكان عل متنها إضافة إلى أحمد الذي قتل جرّاء الانفجار، محمد جانودي الذي أصيب بجروح، وأمين زين وعلي جبلاوي اللذين غادرا إلى سوريا قبل الكارثة بأيام. وكان وضع “أبو كريم 3” مختلفاً جزئياً عن “أبو كريم واحد” إذ قام البنك بتجديد عقود عمل بعض العمّال لحراسة الباخرة، وكان أحمد واحداً من هؤلاء.

يروي عبد الغفار قبطان باخرة “أبو الكريم1” سيرته المهنية التي بدأها على متنها في العام 2003، حيث كان يحصل على راتبه بانتظامٍ لغاية العام 2014، بعدها راح مالك الباخرة يتلكّأ في دفع مستحقات العمّال طالباً منهم الصبر والتريث لحين انتهاء الأزمة، إلى أن قام البنك بحجز الباخرة المرهونة. وهنا بدأت رحلة المعاناة، حيث كان على البحّارة الاختيار بين الترحيل إلى سوريا والتخلّي عن مستحقّاتهم، أو البقاء على متنها والسّعي لتحصيل الحقوق في حال بيع الباخرة في المزاد العلني، ولمّا كانت مستحقات عبد الغفار المتراكمة قد أصبحت كثيرة، لم يشأ الأخير ترك تعب عمره يذهب هدراً، لذا قرّر وزميله ربيع شويش الهارب من حرب سوريا والخدمة الإجبارية فيها، الاستمرار في مواجهة أصحاب الباخرة، في حين انسحب الآخرون لقاء تعويضٍ زهيدٍ.

خمس سنواتٍ أمضاها عبد الغفار وربيع على متن الباخرة الراسية في الرصيف رقم 9، من دون أن يلتفت إلى قضيّتهم ضابط أو جهاز أمني واحد، حتى عندما قرّر هؤلاء توكيل محامٍ لمتابعة قضيتهم، لم يتمكّنوا من ذلك كونه ممنوع عليهم مغادرة الباخرة، ومع مرور الوقت باتت الباخرة غير قابلة للإبحار بسبب الأعطال المتراكمة. عاش عبد الغفار وربيع في ظروفٍ لاإنسانية، وضعف جسماهما من قلّة الغذاء، كما كان ممنوع دخول طبيب إلى الباخرة فكانا في حالات المرض يطلبان من أصدقائهما جلب أدوية لهما. وقد تحمّل عبد الغفار وربيع الكثير بانتظار الفرج ليأتي أخيراً على شكل انفجار.

عبد الغفار: الحرية في روائح الموت

صارع عبد الغفّار الموت أكثر من مرة لحظة وقوع الانفجار، عند اندلاع الحريق نزل خلسةً إلى الرصيف رقم 9 حيث ترسو الباخرة، ومع دويّ الانفجار الأول رمى عبد بنفسه في البحر فسقط منه هاتفه النقّال على الأرض، ولم يكد يغوص في المياه حتى دوّى الانفجار الثاني الذي سحبه ضغطه إلى الأعماق فقاوم وسبح محارباً التيار الجارف. ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى سقطت شظايا فوق رأسه، ليعود ويُحتجز بين البواخر الراسية التي كانت تتأرجح بقوّة بفعل حركة الموج الهائج نتيجة الانفجار وكادت ترتطم به أكثر من مرّةٍ.

وبعد معاناةٍ كبيرة تمكّن عبد من الصعود مجدداً إلى رصيف المرفأ، وهناك ووسط عمليات الإنقاذ سمع رنين هاتفه الذي كان قد وقع منه سابقاً ففتش عنه بين الركام حتى وجده. نجا الهاتف الذي يحتوي على جميع صور أوراقه الثبوتية وعقود عمله، وبنجاته سيتمكّن عبد الغفار من متابعة قضيته ثانيةً. حينها انصرف عبد للمساعدة في عمليات البحث عن الضحايا هو أكثر العارفين بأماكن تواجد زملائه وأصدقائه، وقد تمكّن من إنقاذ عددٍ منهم وإيجاد جثث آخرين. وفي الفوضى العارمة التي عمّت المكان لم ينتبه عبد لإصابته حتى نقله المسعفون إلى المستشفى، وهكذا فقط وبفضل الانفجار وجراحه تحرّر من الباخرة والمرفأ وعاد ولو مؤقّتاً إلى حريةٍ كان قد نسي ملامحها.

ربيع شويش: في المرفأ المهدّم ينتظر موته

إذا كانت جراح عبد الغفار مكّنته من الخروج إلى الحرية، لم تخوّل إصابة ربيع الطفيفة الشاب من مغادرة المرفأ، ففي زحمة الموت ووسط إعصار الانفجار، كان هناك عنصر أمني متفرغ ليأمر ربيع بالبقاء داخل المرفأ لأنه لا يمتلك تصريح.

ربيع شويش مواطن سوري فضّل الاحتجاز على متن الباخرة “أبو الكريم واحد” على الخدمة العسكرية في بلاده. عند اندلاع الحريق في العنبر رقم 12، تسلّل ربيع لرؤية أصدقائه البعيدين نسبياً عن الرصيف 9 مكان وقوع الانفجار، لذا كانت إصابته طفيفة. وبعد الكارثة هرع ربيع إلى الباخرة علّه يستطيع إنقاذ أوراقه وهويته إلاّ أنه وجدها غارقة. ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أين يذهب هو الممنوع عليه التواجد إلاّ على متن الباخرة. حاول الخروج من المرفأ لكن عناصر الأمن العام لم يسمحوا له إلاّ من خلال تصريحٍ، والتصريح لا يمكن إصداره إلاّ عبر وكيل الباخرة، ووكيل الباخرة سقطت عنه الوكالة بحكم مرور الزمن. شرح ربيع قصته لأحد ضباط القوى الأمنية فأصدر الأخير فتواه بأن يستمر ربيع في العيش على متن باخرةٍ ثانيةٍ. اليوم يتمنّى ربيع لو أنه أصيب في الانفجار لتمكّن من الخروج، فهو اليوم عالق مرة جديدة على متن باخرةٍ لا صلة له بها لكن هذه المرة بلا أغراض وبلا أوراق ثبوتية.

(أحمد عميرا الذي قضى من دون أن يرَ ابنته التي ولدت في غيابه)

منازل خبيثة: أحمد الذي فقد نصف عائلته

“كل شي خلص بثانية”، بصوت مخنوق يقول أحمد حاج اصطيفي السوري المقيم في منطقة الكارنتينا قرب المرفأ، والذي يقطن لبنان منذ حوالي عشرين عاماً. التحقت به عائلته المؤلّفة من أربع بناتٍ وزوجة بعيد اندلاع الحرب في سوريا. مع دويّ الانفجار هرع إلى منزله فوجده مدمّراً وفيه كل أفراد عائلته. وجد ابنته لطيفة (22 عاماً) جثّة هامدة معلّقة على النافذة شاهدة على الدمار، ووجد جود ابنة الثالثة عشر أيضاً وقد فارقت الحياة فيما نجت ديما (14 عاماً) التي كانت تسند جزءاً من ركام سقف المنزل بجسدها. يقول أحمد إنّهم عندما تمكّنوا من انتشالها سقط السقف من جديد واختفى صوت زوجته التي كانت تستغيث، وكأن حبل السرّة انقطع بينهما من جديد. عاشت ديما وماتت الوالدة غافيةً في حضن ابنتها ديانا (17 عاماً) التي سقطت بقربها. ديانا التي تمّ انتشالها بعد 11 ساعة ترقد الآن في مستشفى الجامعة الأميركية مصابة في رجليها.

التقت “المفكرة” ديانا وبسبب جروح حنجرتها جرى التواصل معها كتابة عبر واتسآب. تقول ديانا إنها فتحت عينيها تحت الرّكام لترى الغبار يلفّ وجهها ويملأ أنفها ورئتيها. “فجاة سمعنا إنفجار ودغري صار البيت فوقنا، حدّي وقعت إمي، كان راسي على رأسها، تحدثنا كثير تحت الأنقاض مثل ما كنّا بالبيت، لما سمعت ماما إنّهم أنقذوا ديما فرحت كثيراً وقالت لي”الحمد الله شالو ديما يالله شوي وبشيلونا”، كانت قلقة على أختي لطيفة وأختي جود حتى وهي تحت الأنقاض، قبل ما تتركني قالتلي سامحيني يا ديانا ما قادرة ضلّني معك موجوعة كثير، حسيت بأنفاسها الأخيرة على جبيني، تمنّيت لو أحضنها كما كانت تحتضنني وأنا صغيرة، الحمد الله قدرت بوسها قبل أن تسلم الروح”. تتوقف ديانا عن الكتابة  وكأن دموعها تنهمر من الهاتف، تعود إلى الكتابة بعد صمتٍ دام لدقيقة “حاولت إنقذها بس ما قدرت، حاولت إنقذها بس ما قدرت”. راحت ديانا تكتب العبارة ذاتها مراراً وتكراراً وكأنها تحاول تبرئة نفسها من جرمٍ لم تقترفه.

 فستان بيسان

يشترك أهالي الضحايا بلغة جسدٍ متشابهة قوامها الحاجة إلى احتضان خاصّيات الفقيد طويلاً، هذا هو حال فدى التي منذ الانفجار إلى اليوم تمضي أوقاتها جالسةً تعيد مشاهدة صور ابنتها بيسان ( 7 سنوات) وفيديوهاتها المصوّرة. لم تجفّ دموعها الحارقة ولا سكن صوتها.

 تقطن فدى وعائلتها عند محطة شارل الحلو قرب المرفأ، في علّيةٍ صغيرةٍ فوق كاراج تصليح الإطارات الذي يعمل فيه زوجها سامر، غرفة صغيرة بسقفٍ منخفضٍ، تحتوي على سريرٍ وبعض قطع الأثاث الضرورية. يروي سامر كيف قذفه الانفجار لأمتار عدة، ليعي بعدها صوت زوجته تستغيث لإنقاذ إبنته “سامر، بيسان ما عم توعى”. لم يستطع سامر تسلّق الدرج المحطّم، فاستعان بالمارّة ودخل المنزل من الشرفة، وجد وحيدته مضرجةً بدمائها. حمل سامر ابنته وراح يبحث عن أحدٍ يقلّه إلى المستشفى، فلم يجد إلاّ أحد أصحاب الدراجات النارية. في أحضان والدها استفاقت بيسان من غيبوبتها فيما سامر يهرع من مستشفى إلى آخر ليجد من يوافق على استقبالها.

يكشف سامر عن كتفه ويشير إلى آثار أسنان بيسان التي كانت تعضّ عليه طوال الطريق من شدّة ألمها، يجهش بالبكاء وهو يتذكّر صوتها مستنجدةً به قائلةً “دخيلك يا بابا دخيلك، موجوعة كثير يا بابا”، سبعة ايامٍ قضتها بيسان في العناية الفائقة لتسلم بعدها الروح.

تتحدث فدى عن “نانا” وكأنها تحادث روحها، لا تنتظر أسئلة ولا مواساة، تروي كيف كانت بيسان تنتظر موعد خطوبة صديق والدها، وكانت كل يوم ترتدي الفستان الذي تودّ الذهاب به، تجرّبه وتقف أمام المرآة، “كانت تقلّي إنت رفيقتي يا ماما ما تتركيني أنا بزهق بلاكي، قلّها ما رح إتركك بحياتي، قامت هيي تركتني”، “نانا” التي كانت تلعب مع شقيقها حسن وتخيفه من الغول رغم اقتناعها بعدم وجوده. لكن الجميع كذب عليها فالغول كان قريباً جداً منها، ولم تدرك نانا أنّ اللعبة هي حقيقة غافية.

المصريون الجدعان

المصريون في لبنان كما السوريين، عمّال حفر عرق جبينهم في السنين دروباً لمستقبلٍ اعتقدوه أفضلٍ، ولكنه تلاشى في ثوان. ومن المصريين لقي ثلاثة عماّل حتفهم في الانفجار هم: إبراهيم أبو قصبة، رشدي الجمل وعلي شحاتة. هؤلاء كغيرهم من العمال كانوا يسعون للعمل والرجوع إلى بلادهم ربما لاختيار زوجات لهم وتأسيس بيوت، ولكنهم اليوم عادوا إلى أمهات ثكالى.

يترحّم فايز الجمل على شقيقه رشدي الذي كان يعمل مع ابراهيم ويتشاركان المسكن ذاته. يروي فايز أنه عند وقوع الانفجار حاول مراراً الاتصال بشقيقه وصديقة ابراهيم اللذين يعملان سوية في شركةٍ خاصة منذ خمس سنواتٍ، إلاّ أنّ محاولاته باءت بالفشل، فاستقل سيارةً من دوار ساسين إلى مار مخايل حيث يقطن رشدي، هناك شاهد الدمار والخراب الذي حلّ بالمكان، ووجد منزل شقيقه مدمّراً، أخبره الجيران أنه تمّ العثور على إبراهيم ميتاً، أماّ رشدي فقد نقل إلى المستشفى. جال فايز على عددٍ من المستشفيات، كان أمله بإيجاده حياً كبيراً إلى أن عثر عليه في ـحد البرادات. عادت جثامين المصريين الثلاثة إلى بلادهم ليزفّوا “شهداء الغربة”.

موتى السعي وراء الأحلام

في كارثة بيروت مات الكثير من العمّال الأجانب، مات سوريون طاردهم شبح الموت في غربتهم، والسوريون في لبنان هم ملح أرضه، هم البنّاؤون والحدّادون والمزارعون، هن نسوة الحقل، أطفال الورود وضحكات المدينة الحزينة، ونبض شوارعها. في كارثة بيروت مات عمّال المرفأ والعتّالة الذين لا تتجاوز يومياتهم 25 ألف ليرةٍ لبنانية، مات النواطير، وسائقو الشاحنات، ومات عمال مصريون ساعون وراء أحلام تلاشت في غبار الأمونيوم الملوّن.

ولأنّ الضحايا ليسوا أرقاماً ولهم أسماء وكان لهم حياة وعائلة وقصص لن تموت بموتهم لأنّ لهم أحبّاء سيخبرون عنهم أجمل الذكريات، غصنا في هذا التحقيق (وسنغوص في تحقيقات لاحقة) في بعض قصص ضحايا وناجين أجانب، لا يقتصر الظلم في قصصهم على فكرة موتهم بهذه الطريقة بل يتعدّاه إلى ظلم الحياة التي عاشوها وقسوتها عليهم، وهذه القصص لم يكن ليُكشف عنها لولا وقوع الكارثة، قصص أقلّ ما يقال عنها أنها خيالية تجسّدت واقعاً على أرض المرفأ.

انشر المقال

متوفر خلال:

تحقيقات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مجزرة المرفأ