على خلفية قرار وزير العدل باعفاء 82 قاضيا: هل بدأت ساعات الحسم في آليات اصلاح القضاء؟


2012-05-28    |   

على خلفية قرار وزير العدل باعفاء 82 قاضيا: هل بدأت ساعات الحسم في آليات اصلاح القضاء؟

صدر يوم السبت 26-5-2012 بيان عن وزارة العدل التونسية تضمن ان الوزير اتخذ قرارا باعفاء اثنين وثمانين قاضيا من مهامهم على خلفية تورطهم في ملفات فساد وذلك كخطوة أولى ستعقبها خطوات أخرى لتطهر القضاء من العناصر التي افسدته. وقد اعتمد الوزير في قراره الصلاحية التي يخولها له الفصلان 45  و46 من القانون عدد 29  لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلّق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاةوالذي يمكنه من اصدار قرارات فردية في الاعفاء بحق القضاة من دون حاجة لأن يسبب قراره أو لاحالة القاضي المعني على أي جهة تأديبية. وكان وزير العدل قد صرح أن الاعفاء تم اتخاذه بعد تروّ وبعد القيام بكلّ الإجراءات اللازمة مع اعتبار قرينة البراءة، وقال لم تنبن القرارات على قرينة واحدة أو على ملفّ واحد بل بناء على عدد من القضايا، وبعد امهالهم فترة هامة، وبعد أن أعطتهم الثورة فرصة للتوبة والاصلاح الاّ أنهم واصلوا نفس النهج وارتكاب تجاوزات متكرّرة ومتعدّدة، حتّى بعد الثورة مما استحال معها الإصلاح.
واذ لقي القرار ترحيبا من قبل الرأي العام، رفضت في مقابل ذلك نقابة القضاة التونسيين وجمعية القضاة التونسيين طريقة اتخاذه؛ فصرحت السيدة كلثوم كنو رئيسة جمعية القضاة أن القرار جاء متسرعا وكان على الوزير انتظار بعث الهيأة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي لتتولى التعهد القانوني بمؤاخذة القضاة، ورفضت روضة العبيدي رئيسة النقابة التونسية للقضاة من جهتها، آلية الإعفاء لأنها “لا تخول فتح ملفات الفساد لمن خالف القانون كما لا تخول من تم إعفاؤه من مهامه الدفاع عن نفسه مثل أي مواطن تنسب له أفعال مخالفة للقانون وحذرت من خطورة هذه الآلية على أساس أنها “ستدجن القضاء التونسي كما لم يدجن في تاريخه". وتاليا، يظهر جليا أن الهياكل الممثلة للقضاة لا تنازع في وجوب مؤاخذة القضاة المتورطين بالفساد، الا أنها ترفض الآليات القانونية المعتمدة. ويستدعي فهم هذا الموقف الرجوع لتاريخية تعاطي هذه الهياكل والأطراف السياسية التونسية مع ملف تطهير القضاء منذ أن طرح عقب الثورة التونسية الى حد تاريخ القرار.
فكانت جمعية القضاة التونسيين، بهيئتها ذات المشروعية التاريخية في مواجهة النظام في 2005، قد نظمت يوم 12-2-2011، أي بعد أقل من شهر من نجاح الثورة، تظاهرة ضخمة شارك فيها أكثر من ألف ومائتي قاضيا رفعت شعار تحرير القضاء من خلال تطهيره من رموز الفساد. وعقب ذلك، تولت وزارة العدل اعفاء ستة قضاة ممن عرفوا بموالاتهم لمنظومة الاستبداد والفساد من مهامهم. ثم توالت دعوات القضاة لمواصلة التطهير إلا أن السلطة السياسية ممثلة في الحكومة الانتقالية رفضت فتح الملف وكان السيد الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة قد صرح بأن طلب جمعية القضاة تطهير القضاء سابق لأوانه وأن محاسبة القضاة الفاسدين ليست أمرا هينا يمكن مباشرته في ظل وضعية انتقالية. حاولت جمعية القضاة فرض التطهير بنسق ثوري فكلف مجلسها الوطني الذي عقد يوم  جوان 2011 لجنة بإعداد قائمة في القضاة الفاسدين الذين يجب استبعادهم. باشرت اللجنة التي كانت تركيبتها سرية أعمالها وسلمت نتيجتها لرئيس جمعية القضاة الذي أفاد الاعلاميين في تصريحاته الصحفية بأن اللجنة انتهت لوجوب تطهير القضاء من 214 قاضيا اشتهروا بالفساد متعهدا بتسليم القائمة للسلط الشرعية .
إلا ان القائمة المذكورة لم تنشر ولم يعلن عن القضاة الذين شملتهم كما لم تسلمها جمعية القضاة للحكومة وظلت قائمة سرية أعدتها لجنة سرية لن تعلن ولن تقرأ.
اعترضت نقابة القضاة التونسيين على مسار "الجمعية" وأكدت أنها ترفض فكرة القوائم واللجان السرية وتتمسك بمحاسبة فردية للقضاة المتهمين بالفساد تضمن لهم فيها حقوق الدفاع. أضحى مصطلح التطهير تبعا لذلك موضوع خلاف بين القضاة اذ تمسك أنصار الجمعية بكون التطهير شرطا من شروط العدالة الانتقالية، عرفته دول عدة في لحظات انتقالها من النظام الشمولي الى الديمقراطية، فيما اعتبر أنصار نقابة القضاة أن الحديث عن تطهير القضاء يحول دون استعادة الثقة بين القضاء والمتقاضين وبأن من افسدوا من القضاة قلة لا يجب تهويل الحديث بشأنهم بشكل يحجب أو ربما يمنع الاصلاح الفعلي للقضاء.
انتقل ذات الانقسام حول تطهير القضاء كمصطلح الى الساحة السياسية  فكان أن سربت مجموعة من نواب المجلس الوطني التأسيسي تنتمي الى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية -أحد أحزاب الائتلاف الحاكم- مشروع قانون قيل أنه سيعرض للتداول ويقترح إنشاء لجنة متكونة من 11 عضوا، تكون منتخبة من قبل أعضاء المجلس التأسيسي من القضاة العدليين والمحامين لدى التعقيب والأساتذة المحاضرين أو أساتذة التعليم العالي المختصين في القانون، تتولى البحث في شبهة الفساد المالي المتعلقة بالمنتمين لسلك القضاء العدلي. وفي مقابل هذا، كان موقف وزارة العدل متمسكا بوجوب التعامل مع ملف اصلاح القضاء بتفعيل قواعد المحاسبة القانونية في اطار الهياكل القانونية. واعتبر شق سياسي ان دعوات التطهير مجرد مزايدات سياسية تخفي تناقضات في الممارسة اذ أن من ينادون بتطهير القضاء ويجعلون مقولة التطهير شعارهم السياسي المركزي يتسترون على فساد الطبقة السياسية التي ينتمون اليها وبدأت صراعاتهم الداخلية تكشف خفاياها فليس من باب المصادفة أن تكون الكتلة النيابية التي تقدمت بمشروع قانون تطهير القضاء العدلي تعاني أزمة داخلية بعد ان انقسم الحزب السياسي الذي تنتمي اليه وتبادل أفراده تهم الفساد فيما بينهم.
كانت محاكمات الثورة المتمثلة في قضايا شهداء وجرحى الثورة وقضايا الفساد المالي مناسبات مضافة لإعادة انتاج الجدل حول تطهير القضاء. اذ يتداول الحقوقيون أحكاما قضائية صدرت ويشيرون لقرارات قضائية احترازية ليؤكدوا أن عدم المبادرة الى تطهير القضاء من القضاة الفاسدين أدى الى جعل هؤلاء جزءا من الهيئات القضائية التي تحاكم المشتبه فيهم. أن يشارك قضاة الادارة في محاكمة رموز نظام كانوا من أدواته الفاسدة يمثل تعديا صارخا على حق المتهمين في المحاكمة العادلة وحق الشعب في الحقيقة. فألا يميل القضاة المشتبه بهم بالفساد الى استغلال القضايا المعروضة عليهم لابراز شدة وصرامة تجاه من كانوا يتزلفون لهم بالأمس، تظهيرا لصورة "ثورية" زائفة؟
وفيما كان تنامي التجاء السياسيين والحقوقيين للمحاكم لمقاضاة خصومهم والبحث عن شرعية قضائية لمواقفهم دليلا يقدمه أنصار الاصلاح الهادئ على أن القضاء بدأ في استعادة عافيته وأضحى حكما نزيها خصوصا وقد تعهدت السلطة السياسية بعدم التدخل مجددا في أعمال القضاة وتطور وعي القضاة باستقلاليتهم تبعا للثورة.
وعدا عن أن استمرار هذا الاختلاف على آليات تطهير القضاء من العناصر الفاسدة سمح باستمرار تمتع المشتبه بهم بالتورط بالفساد بامتيازاتهم ومواصلتهم لأعمالهم، فانه مكنهم في الوقت نفسه من اعادة تنظيم صفوفهم، فأضحوا يتحركون بثقة كبرى في أنفسهم وينشطون في جمعية القضاة ونقابة القضاة والجمعيات الحقوقية. لا بل أن بعضهم انخرط في الجدل حول التطهير والمحاسبة. بالمقابل، دفعت المحاكم ثمن كثرة الحديث عن فساد القضاء من دون اصلاحه، فاهتزت الثقة بين القضاة والمتقاضين وأضحى القضاء في عمومه موضوع اتهام وتوالت انتهاكات حرمة المحاكم وتعرض القضاة لتجاوزات متعددة وبات التهجم عليهم في أشخاصهم حدثا غير مستغرب.
يعول القضاة على قرب اصدار قانون بانشاء هيأة الاشراف على القضاء العدلي لبدء الاصلاح الحقيقي في هذا المجال. وينتظر اذ ذاك ان يطرح ملف المحاسبة والتطهير في اطار يضمن استمرارية مرفق القضاء بالتزامن مع تنقيته.
ويشترط لتحقيق الكشف عن الفاسدين القيام بأعمال استقرائية تنطلق من أرشيف وزارتي الداخلية والعدل ومن الوثائق التي توجد بمصالح رئاسة الجمهورية لغاية تحديد المحاكمات المفبركة وبيان من تقمص الأدوار فيها من القضاة ونسق مع البوليس السياسي. كما يتعين على مصالح تفقد وزارة العدل مد هيأة الاشراف على القضاء العدلي بكافة الملفات التي تمسكها والتي تتضمن وقائع تثبت الفساد. وعلى الهيأة المشرفة على القضاء العدلي صاحبة الصلاحية القانونية استعمال ما سيتوفر لها من معطيات لإعداد ملفات تكون سند قراراتها التأديبية ومنطلق المحاكمات التي يجب أن تطال المتورطين بالفساد. فمن دون محاكمة ومؤاخذة تحمل الآثمين وزر خطاياهم، لن يتحقق التطهير الفعلي وبهذا المنظور يكون الحديث عن الاكتفاء بإصدار قرارات عزل جماعية او فردية هو حماية للفساد لا مقاومة له.كما يتعين تبين أسباب الفساد وتشخيصها من خلال دراسة كلية لمختلف الحالات بغاية البحث عن الخيط الذي جمع بينها ووجد سنده في آليات العمل القضائي والقوانين التي تؤطره.
ولكن، والى جانب ضرورة العمل على محاسبة القضاة المتورطين في الفساد، ثمة سؤالا لا يقل الحاحا ومفاده كيفية العمل لتجنب الآثار السلبية على القضاء والتي قد تنجم عن اثارة الفضائح القضائية في سياق ورشة المحاسبة، بل على العكس من ذلك لاعادة انتاج صورة جديدة للقضاء، بل قضاء جدير بثقة المتقاضين. ومن الحلول التي قد تطرح في هذا الصدد هو العمل على تعزيز القضاء بكفاءات حقوقية مشهود لها بالنزاهة وكانت من المدافعين عن استقلال القضاء. فالساحة الحقوقية تعج بمحامين وأساتذة جامعيين قاوموا الاستبداد وحافظوا على قيم العدالة في عملهم وكانوا من غير المنتمين حزبيا وان احتاج استقطابهم الى اقناع الهياكل القضائية الحالية بضرورة ضم أشخاص من خارج القضاء اليه ولكن وبالأخص تحسين الوضعية المادية والمعنوية للقضاة. وان تم فتح باب الالتحاق بالقضاء امامهم، فسيشكلون حتما بقيمتهم الاعتبارية وزادهم المعرفي سندا هاما للتيار الاستقلالي داخل الأسرة القضائية. وهذا ما يسمح به القانون المتعلق بنظام القضاء. وتتدعم الحاجة لهذا المدد اذا ما علمنا أن القضاء التونسي يعاني حاليا من نقص هام في عدد أفراده بما يجعله فعليا عاجزا عن توفير شروط المحاكمة العادلة أمام ضغط عدد القضايا التي تعرض عليه وينتظر أن تعمق أعمال المحاسبة والتنقية هذا العجز.
وختاما نتبين ان موضوع تطهير القضاء وان تمت المبالغة في طرحه في اطار تجاذبات سياسية وهيكلية إلا انه ما زال يستوجب مزيدا من البحث من قبل هيأة الاشراف على القضاء العدلي  ليتحول من مجرد شعار شعبوي اضر بمرفق القضاء الى فعل ايجابي يؤسس لقضاء مستقل ونزيه. فتطهير القضاء لا يمكن اختزاله في عمليات استبعاد لقضاة فاسدين في اطار تدخل جراحي، بل هو عملية مركبة هدفها اصلاح القضاء واعادة تأسيسه بما يضمن استمراره في تحقيق العدالة.

انشر المقال



متوفر من خلال:

تونس ، المرصد القضائي ، استقلال القضاء



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية