عقوبة جماعية جديدة ضد اللاجئين السوريين: إحراق مخيّم في بحنين وتهجير 93 عائلة


2020-12-28    |   

عقوبة جماعية جديدة ضد اللاجئين السوريين: إحراق مخيّم في بحنين وتهجير 93 عائلة

كانت الساعة تقارب الثامنة من مساء السبت 26 كانون الأوّل 2020 عندما علا صوت في محيط المخيّم رقم 9 للاجئين السوريين في بلدة بحنين في قضاء المنية يأمر بإحراق المخيّم: “احرقوا المخيّم”. وفي لمح البصر أُفرغت ثلاثة غالونات من البنزين في نقاط ثلاث متباعدة من المخيّم الذي يضمّ 93 خيمة، وأضرمت النيران. يقول شهود عيان لـ”المفكرة القانونية” إنّ اللاجئين صاروا يفرّون من كلّ حدب وصوب حاملين أطفالهم ليرموا بهم من فوق الجدران التي تسيّج المخيّم. كان المعتدون على اللاجئين قد أُقفلوا المداخل والأبواب التي يخرج منها هؤلاء، ولم يكن السلّم الخشبي الذي نُصب على السّور يكفي لنحو 700 نفر تحاصرهم النيران. لحظات وبدأت قوارير الغاز تنفجر في بعض الخيم وهو ما زاد من هلع اللاجئين وصراخ الأطفال والنسوة، فيما ارتفعت النيران لثلاثة أمتار على الأقل، وغطّت سماء المنطقة سحب الدخان الأسود. هكذا ختم المخيم 9 في بحنين في قضاء المنية الضنية قصّته مع البلدة التي طالما احتضنت اللاجئين السوريين منذ العام 2014، من مخيم يعجّ باللاجئين إلى كومة من رماد، فيما تهجّرت العائلات إلى الشارع. 

جرى كلّ ذلك عقب إشكال فرديّ بين شبّان لبنانيين وأحد سكان المخيّم، أدّى إلى العقوبة الجماعية لكلّ اللاجئين السوريين فيه، هكذا حصل في جب جنين على خلفيّة منع سكّان مخيّمات اللاجئين من الخروج بسبب جائحة كورونا، وكذلك في بشرّي عقب إقدام أحد السوريين على قتل شاب من البلدة حيث ما زالت بعض العائلات التي تهجّرت من المدينة تعتصم أمام مكاتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس بلا مأوى. صار بعض اللبنانيين كما يبدو يستسهلون العقوبة الجماعية كلما وقع إشكال مع سوريين في مناطق مختلفة من لبنان.

في الوقت نفسه مضى نحو ساعة من الزمن على حصول الاعتداء واندلاع الحريق قبل أن تصل القوى الأمنية إلى المكان، وفق ما أشار أكثر من لاجئ. أحد اللاجئين يؤكد لـ”المفكرة” أنّه رأى شبّاناً شاركوا في إحراق المخيم يقفون متفرّجين بين الجموع على ما فعلت أياديهم “كان الجيش وصل بس يمكن ما بيعرفوهن فما قبضوا عليهم”. 

تفاصيل الإشكال

وفق الرواية التي سردها أكثر من لاجئ أنّ شبّاناً من آل المير، من بلدة بحنين، دخلوا عنوة “من دون إذن والدكّان مسكّر”، إلى محل لاجئ سوري من آل الجدوع في المخيّم. وعندما احتجّ ابن صاحب الدكّان على دخولهم كونه لا يوجد أحد من أصحابه في الداخل هجموا عليه وضربوه “شو مفكّرنا حراميي”. في هذه الأثناء وصل أحمد الجدوع، صاحب الدكّان: “صاروا يخبطوا راس أحمد الجدوع ع الأرض وضربوه بكعب المسدس”، كما أفاد أحد الشهود مفضّلاً عدم ذكر اسمه. حاول الرجل الدفاع عن نفسه، والتمّ من حوله أقاربه فأخذوا المسدس من المعتدين و”أعطوه إلى شبان لبنانيين آخرين كانوا في المحيط، بس ليمنعوا سقوط دم وقتلى”، كما قال الشاهد اللاجئ. عندها ثارت ثائرة المعتدين واتّصلوا بأقارب لهم وأصدقاء ما لبثوا أن وصلوا مع عصي وأدوات حادة ليتوسّع الإشكال ويضمّ العشرات “بل المئات، فكّرنا كلّ بحنين صارت بالمخيم وعم تضربنا” كما قال أحد اللاجئين، فيما أصرّ لاجئ آخر على عدم التعميم “كانوا كتار لي اعتدوا علينا وحرقوا المخيّم، بس كل البلدة استنكرت وفي أكتر منهم بكتير لي فتحوا لنا بيوتهم وحاولوا يساعدونا”. وخلال الإشكال وعلى وقع إطلاق النار في الهواء من أسلحة حربية حصل إحراق المخيّم.  

إنها العاشرة من صباح الأحد 27 كانون الثاني 2020، وما زال الدخان يتصاعد من المخيّم رقم 9 في بلدة بحنين. 93 خيمة تحوّلت إلى رماد وخردة، فيما تشرّدت 93 عائلة لاجئة على الأقل إلى الشارع بعدما فقد أفرادها كل شيء بما فيه الأوراق الثبوتية لمعظمهم. كيف للاجئين صاروا يرمون أطفالهم من فوق جدران المخيم لإنقاذهم من النيران المستعرة أن ينتبهوا إلى إخراج مدّخراتهم وأوراقهم مهما بلغت قيمتها “كان همّنا نهرب من الحريق”، كما قالت هنادي لـ”المفكرة”، مؤكّدة أنّ سكّان المخيّم خسروا كل شيء “في ناس عم تشتغل من سنين وتضب مصاريها، كلّو راح، في ناس فقدت ملايين”.

انتهى نهار الأحد بتوقيف مخابرات الجيش اللبناني ستّة سوريين للتحقيق معهم لمعرفة تفاصيل الحادث كما أوقف لبنانيَّان اثنان يشتبه في مشاركتهما في الاعتداء على المخيّم ويجري البحث عن بقيّة المتورّطين في الاعتداء، وفق ما أكّد مصدر عسكري لـ”المفكرة”. 

وصدر عن قيادة الجيش ـــ مديرية التوجيه، بياناً اليوم الإثنين، جاء فيه أنّه “بتاريخ 27/ 12/ 2020، أوقفت دورية من مديرية المخابرات في بلدة بحنين- المنية، مواطنين لبنانيين وستة سوريين على خلفية إشكال فردي وقع مساء أمس في البلدة بين مجموعة شبان لبنانيين وعدد من العمال السوريين، ما لبث أن تطوّر إلى إطلاق نار في الهواء من قبل الشبان اللبنانيين الذين عمدوا أيضاً على إحراق خيم النازحين السوريين. تدخّلت على إثر ذلك وحدات الجيش وسيّرت دوريات في المنطقة كما نفذت مداهمات بحثاً عن المتورّطين في إطلاق النار وإحراق الخيم وضُبط في منازل تمّت مداهمتها أسلحة حربية وذخائر وأعتدة عسكرية. سلّم الموقوفون والمضبوطات وبوشر التحقيق بإشراف القضاء المختصّ فيما تستمر ملاحقة باقي المتورّطين لتوقيفهم”.

ومن على سريره في مستشفى الخير، يؤكّد أحمد الجدوع لـ”المفكرة” أنّه فاقد للتركيز ولا يقوى على السير وأن التشخيص النهائي لحالته لم ينته بعد “بعدهم عم يعملوا لي صور”. يقول أحمد إنّه فقد الوعي ولم يستفق إلّا في المستشفى. ولم يتمكّن من الحديث أكثر، فيما أكّد بعض من كانوا في المخيّم أنّ هناك “حسابات مالية” بين الجدوع والمعتدين، “بيشتغلوا مع بعض من زمان”. 

لم يبقَ شيء

استهدينا إلى هنادي من صوت نحيبها وهي تبحث عن بطاقات الهويّة لعائلتها بين المدافئ والأواني والأدوات الكهربائية المحروقة التي تحوّلت إلى خردة، فيما لم يبق أثر لكلّ ما هو خشبي أو مصنوع من قماش كالفرشات واللحف والثياب والأغطية والسجاد والحصر وحتى الخيم نفسها. علا نحيب هنادي حين وجدت بعضاً من أوراقها محروقة وجعلت تبكي “ليش يا الله هيك عم يصير معنا، ليش؟”.

بالقرب من هنادي جلست لاجئة أخرى على حافة خيمتها وهي تغطّي وجهها بيدها وتبكي. لم ترد أن تقول أيّ شيء، جلست هناك غير آبهة لنداء زوجها وهو يطلب منها الرحيل معه. على طرف المخيّم من ناحية الطريق السريعة كان أحمد، ابن الـ13 عاماً، يحاول جرّ دراجته النارية التي لم يبق منها سوى الهيكل. لم يطع أحمد أمه التي أخبرته أنه لا يمكن إصلاح الدرّاجة “بكرا أبي بيصلحها” قال لها. 

ومن حول المخيّم جلس بعض اللاجئين واللاجئات مع أطفالهم يفترشون ألواحاً اسفنجية وسجّاداً حصلوا عليه كمساعدات من جمعيات ومنظمات وفدت إلى المكان، فهم لا يعرفون حتى تلك الساعة أين سيبيتون ليلتهم الثانية من التشرّد. عائلات سورية في مخيّمات قريبة استضافت عائلات من المخيم 9،  فيما أكّد لاجئون أنّ عائلات كثيرة من بحنين ومن كل شمال لبنان، من طرابلس إلى عكار، عرضت استقبالهم ومساعدتهم “بس نحن حبّينا نضل قراب من مخيّمنا”.

 تحمد ربى الله لأنّه لم يسقط ضحايا من اللاجئين “لو شفتي النيران ما بتصدقي إنّه بعدنا عايشين”. هربت ربى مع زوجها وأولادها لمجرّد البدء بإطلاق النار “لمن صار قواص انهزمنا”، تقول لـ”المفكرة”. هي لا تريد السكن في أيّ مكان غير المخيّم “يا ريت يخلوني حط فرشتي ونام هون، النفس تقيلة ما بدي روح لعند حدا”. 

يقول اللاجئ عبد المحسن الجاسم إنّ الدفاع المدني وصل إلى المخيم بعدما كان قد احترق بالكامل “بس طلّعوا شي عشرين جرّة غاز قبل ما ينفجروا”، ليؤكّد أنّ خسائر مادية كبيرة لحقت بسكان المخيّم “نحن هون من سنة الألفين، يعني كل خيمة متل البيت، وفي ناس عندها مصاري من شغلها وتعبها احترقت وراحت”. لجأ الجاسم إلى منزل شقيقته في مخيّم آخر قريب “لقيت عندها 5 عائلات سورية من هيدا المخيّم”. يؤكّد أنّ عائلات لبنانية عديدة عرضت عليهم تأمين مأوى لهم “اتّصلوا من طرابلس لآخر عكار وعرضوا بيوت ومساعدات”. 

على حافة المخيّم، جلس لاجئ شاب والدموع تملأ عينيه “نحن شعب منهان بسوريا وهون بلبنان مع إحترامي للبنانيين الأوادم”. يقول إّن شبان المخيم تحوّلوا إلى “ملطشة، يعني في كتير ناس بتبل إيديها فيهم. واحد ما معه حق دخان بيجي بياخد من سائق تاكسي حق دخّاناته، يعني خوّة. في واحد ما معه مصروف (وأعطانا أسماء نتحفظ عن ذكرها) بيجي بياخد مصروفه من شبان بيشتغلوا بالمخيم”. يلفت اللاجئ نفسه إلى أنّ بعض العائلات خافت من الاعتصام الدائم أمام المفوضية في الشمال “يمكن يجوا يضربوهن”. 

700 متشرّد ومتشرّدة

نائب مدير هيئة المتابعة للاجئين السوريين أحمد محيمد يؤكّد تشرّد أكثر من 700 لاجئ، معتبراً أنّ المذنبين هم الشبان الذين شاركوا في الاعتداء فقط وليس كل اللبنانيين. ويشير إلى أنّه لم يتمّ القبض على أيّ من المعتدين حتى ظهر أمس الأحد، والبالغ عددهم نحو ستة أشخاص على الأقل. 

يقول صاحب المخيّم محمود دنيا إنّه حاول حلّ الإشكال بين الشبّان من آل المير وبين صاحب الدكان “في بيناتهم شغل”، ولكن الأمور عادت وخرجت عن السيطرة بعد رحيله “اللاجئين ما ذنبهم، ومش كلّ اللبنانيين بيقبلوا ب يلي صار”. ويلفت دنيا إلى أنّ خسائر كبيرة لحقت باللاجئين جرّاء حرق مخيمهم “في ناس عندها مصاري وناس دهب، طلعوا الناس بالتياب لي عليهم بس”. ولا يعرف دنيا إذا كان سيتمّ إعادة بناء المخيم على الأرض نفسها أم لا “لنشوف شو بده يصير”.

آل المير: مندسّون أحرقوا المخيّم

واليوم الإثنين صدر بيان عن “أهالي بحنين والمنية عموماً وآل المير في بحنين خصوصاً” اعتبروا فيه أنّ مندسّين هم من قام بإحراق المخيّم وأهابوا بالقضاء اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية بالكشف عنهم، مؤكّدين أنّ “أحداً من عائلة المير ليس له علاقة بإحراق المخيم أو حتى إطلاق النار”.

وأوضح البيان أنّ “الإشكال الذي وقع مع بعض العمّال السوريين الذين يقطنون في مخيم في البلدة منذ اكثر من عشرين سنة ولم يحصل معهم خلافات أوصلتنا إلى الذي وصلنا إليه بالأمس فهناك عدّة نقاط يشوبها الغموض تستدعي توضيحاً للرأي العام إذ أننا وسكّان الورشة من الأخوة السوريين لا يوجد خلافات بيننا سابقة وهم يعملون معنا في قطاف الثمار منذ أكثر من خمسة عشر سنة على كافة الأراضي اللبنانية وعلى مدار السنة ويأخذون أتعابهم دون أي نقصان”. 

وأضاف البيان “نحن اعتدي علينا ولولا لطف الله لكان من بيننا ضحايا وإننا نستنكر الاعتداء علينا وعلى العمّال السوريين الذين اخطأوا في حقّنا وحقهم معاً فهم يعملون معنا منذ عقود ونستنكر أشدّ الاستنكار حريق المخيم من أيّ جهة كانت ونحن منه براء وهذا العمل التخريبي لا يخدم إلّا أعداء المنطقة (…) والذي أراد البعض إلصاقه فينا وتحميلنا عواقبه”.

وعن تفاصيل الحادث، أوضح البيان أنّ “ما حصل بالأمس هو ذهاب أحد أفراد آل المير لإجراء حساب مع بعض العمال فقاموا بالتهجّم عليه وضربه بالعصي دون حفظ أدنى معروف أو حتى مراجعة أولياء الأمور مما استدعى تدخّل أقربائه وكانوا عزلاً لا يحملون أي آلة حادّة فأقدم أكثر من خمسين شاباً من العمال السوريين يحملون عصيا وسكاكين وقاموا بالاعتداء على آل المير مما استدعى ردة فعل من أهالي المنطقة ولا نعرف من الذي أطلق النار في الهواء لردع العمال وردّهم عن الاعتداء على آل المير الذين تمّ جرح أكثر من أربعة أشخاص بضربة عصا أو جرح سكين وكانوا عزلاً”.

بدوره يستنكر عامر البقاعي، نائب رئيس بلدية بحنين، باسم المجلس البلدي ورئيسه إحراق مخيّم بحنين، ويؤكّد لـ”المفكرة” أنّ ما حصل هو حادث فردي “صار لهم 33 سنة عايشين معنا”. ويشير إلى أنّ البلدية ستبحث مع المنظمات والجمعيات المهتمّة بمساعدة اللاجئين في كيفية إعادة بناء المخيم، لافتاً إلى أنّ عائلات سورية وأخرى لبنانية استضافت اللاجئين المهجّرين من مخيّمهم “نحن ننسق في توزيع المساعدات ونبحث في كيفية إعادة إنشاء المخيم. وينفي البقاعي التهمة عن كامل عائلة المير “بس شارك بالمشكل شي ألف شخص ما بين لبنانيين وسوريين”.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في السكن ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، سوريا ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مساواة ، مقالات ، ملكية خاصة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *