عجائب الأمور في مواد الدستور


2014-09-24    |   

عجائب الأمور في مواد الدستور

لا تقتصر مشاكل الدستور اللبناني على غموض نصوصه احيانا، والثغرات العديدة التي تساهم في تفاقم الأزمات السياسية. فالمتصفح لهذا الدستور الهرم الذي صدر سنة 1926 سرعان ما سيلاحظ  وجود مواطن خلل لا تتعلق فقط بالمضمون، بل تطال أيضا الشكل، بحيث يخيل للفرد انه أمام نص هجين تخترقه الأخطاء اللغوية والمصطلحات البائدة، علاوة على ركاكة بعض الجمل. لذلك سنستعرض بعض هذه العجائب التي يزخر بها دستور لبنان الذي يتألف من 102 مادة موزعة على ستة أبواب. وأدناه أبرز الملاحظات:
 
· المادة الرابعة التي تتكلم عن لبنان الكبيرعلما أن المادة 101 تنص صراحة على انه "ابتداء من أول أيلول سنة 1926 تدعى دولة لبنان الكبير الجمهورية اللبنانية دون أي تبديل أو تعديل آخر"· فلماذا الابقاء على هذا التناقض الذي يذكرنا بعصر الانتداب.
 
· المادة 16 التي تنص على ان " تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب" والأدق القول السلطة التشريعية.
 
· المادة 21 التي تقول أن "لكل وطني لبناني…" والصحيح هو لكل مواطن لبناني، وكذلك الأمر بالنسبة للمادة التاسعة التي تستخدم عبارة "الأهلين" بدل المواطنين.
 
· المادة 24 التي عدلت بعد اتفاق الطائف والتي تنص في الفقرة الأخيرة منها على الاتي: "وبصورة استثنائية، ولمرة واحدة، تملأ بالتعيين دفعة واحدة وبأكثرية الثلثين من قبل حكومة الوفاق الوطني، المقاعد النيابية الشاغرة بتاريخ نشر هذا القانون والمقاعد التي تستحدث في قانون الانتخاب، تطبيقاً للتساوي بين المسيحيين والمسلمين، وفقاً لوثيقة الوفاق الوطني". فهل يعقل، وعلى الرغم من انقضاء هذه المرحلة من تاريخنا أن تظل هذه الفقرة لتذكرنا بأنه تم تعيين نوابنا بعد الحرب؟ لماذا لا يتم حذفها مثل سائر التعديلات الاستثنائية التي خضع لها الدستور؟
 
· المادة 28 التي تجيز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة وتحدد بأن "الوزراء يمكن انتقاؤهم من أعضاء المجلس النيابي أو من أشخاص خارجين عنه أو من كليهما"· والصحيح القول أشخاص من خارج المجلس. فكلمة "خارجين" تشير إلى التمرد والعصيان مثل الذين يخرجون عن السلطة الشرعية.
 
· المادة 30 التي كانت تمنح مجلس النواب صلاحية النظر في الطعون النيابية. وهي على الرغم من الغائها لا تزال تطبع في متن الدستور بدل حذفها نهائيا كما يتم عادة مع المواد الملغاة.
 
· المادة 36 ذات الاسلوب الهش والضعيف: " تعطى الآراء بالتصويت الشفوي أو بطريقة القيام والجلوس…" والصحيح، القول التصويت الشفهي أو المناداة بالاسم.
 
· المادة 37 التي تذكر "عمدة المجلس" علما أن النظام الداخلي لمجلس النواب يتكلم عن مكتب المجلس. فهل النظام الداخلي اضطر لمخالفة الدستور من حيث التسمية كي يستبدل هذا التعبير القديم والمستغرب بمصطلح أكثر حداثة؟
 
· المادة 38:" كل اقتراح قانوني…" والصحيح القول كل اقتراح قانون. علاوة على ذلك لم تفرق هذه المادة بشكل واضح بين مشروع القانون الذي تتقدم به الحكومة، واقتراح القانون الذي يتقدم به النائب، مما دفع المجلس الدستوري الى توضيح هذا الالتباس بالقرار رقم 4 الذي اصدره في 29 أيلول سنة 2001.
 
· ورود كلمة "خطاً" بدلا من خطياً في المادة 47.
    
· المادة 66: "لا يلي الوزارة إلا اللبنانيون…" في زمن الانتداب كان هذا الأمر ضرورياً لمنع تعيين الفرنسيين كأعضاء في الحكومة، أما اليوم فهل يعقل أن يتم تعيين شخصية غير لبنانية وزيراً؟
 
· المادة 67:" للوزراء أن يحضروا إلى المجلس أنى شاؤوا وأن يسمعوا عندما يطلبون الكلام ولهم أن يستعينوا بمن يرون من عمال ادارتهم". أنى، تعبير غير محبذ، وكلمة "عمال" بدلا من موظفين أو مساعدين تدعو الى الاستغراب.
 
·  الخلط في المادتين 83 و84 بين التعابير والمفاهيم التالية: ميزانية، موازنة، ومشروع موازنة.
 
· المادة 87 والتي تنص في جزئها الأخير:" … وسيوضع قانون خاص لتشكيل ديوان المحاسبات". والمعلوم أن القضاء المالي يتولاه في لبنان ديوان المحاسبة، فما هو ديوان المحاسبات هذا؟
 
· الباب الثالث لا يحمل عنوانا.
 
· الباب الخامس المعنون : "أحكام تتعلق بالدولة المنتدبة وبعصبة الأمم"، والذي الغيت جميع أحكامه وما زال قائماً متحدياً الدهر والزمان، والغريب أن عصبة الأمم قد ولّت أيامها، والدولة المنتدبة لا توجد إلا في كتب التاريخ فقط.
 
· الخلط بين البرلمان ومجلس النواب. فقبل تعديل 1927 كان يتألف البرلمان من مجلس الشيوخ ومن مجلس النواب، أما بعد الغاء مجلس الشيوخ فقد أصبح البرلمان هو ذاته مجلس النواب، لذلك نلاحظ أن الدستور يستخدم تارة تعبير مجلس النواب وطورا تعبير البرلمان.
 
· مشكلة الترجمة بين النص الفرنسي والنص العربي. فالظروف التي أحاطت بتحرير الدستور اللبناني غامضة وملتبسة اذ لا نعلم يقين العلم ما هو مصدر النص المعمول به حاليا: هل اللجنة الفرنسية التي أنشأتها حكومة فرنسا أو "اللجنة المؤسسة" التي انتخبها المجلس التمثيلي اللبناني سنة 1925 والتي تألفت من 12 عضوا. في مطلق الأحوال يمكن ملاحظة بعض الاختلافات الجوهرية بين النصين العربي والفرنسي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك المادة التاسعة التي تتكلم في الفرنسية عن حرية الضمير (liberté de conscience) بينما يكتفي النص العربي بتعبير "حرية الاعتقاد" الديني. ومن المعلوم أن حرية الضمير أوسع من الحرية الدينية كون الأولى فردية بينما الثانية تتعلق بالجماعات وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
 
· يبقى أن نشير الى موضوع القضاء. فهل يعقل أن السلطة القضائية، وهي سلطة مثل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، لا ذكر لها في الدستور إلا في مادة واحدة (المادة 20) هي بالطبع عاجزة عن تجسيد أهمية القضاء في دولة القانون والمؤسسات. لذلك يجب تخصيص باب بأكمله في الدستور عن السلطة القضائية، يتطرق الى مجلس القضاء الأعلى وإلى مجكمة التمييز ومجلس شورى الدولة ولو بشكل عام، لأن تكريس هذه المؤسسات في نصوص دستورية واضحة من شأنه تعزيز مكانتها وصون موقعها في النظام، كما هو الحال في دستور الجمهورية الخامسة (1958) في فرنسا. 
 
إن كل هذه الأخطاء الشكلية قد تؤدي أحيانا إلى التباس في فهم المضمون كما تبين معنا من بعض الأمثلة السابقة. لذلك كان من الضروري القيام بورشة تهدف إلى تشذيب هذه المواد الدستورية المتهالكة التي باتت اشبه بمتاهة من الأحاجي والطلاسم. فالقارئ لدستور لبنان يشعر بأنه أمام طبقات مختلفة من النصوص خضعت لعمليات تعديل وبتر أفقدت الدستور وحدته الداخلية واتساقه المنطقي. فهذي بعض غرائب الزمان التي يحفل بها ما تبقى من دستور لبنان.

الصورة منقولة عن موقع athabat.net
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

دستور وانتخابات ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية