“عايزة نحبسه عشان مد إيده عليكي؟!”: عن الإبلاغ عن حوادث التحرّش والعنف الأسري في مصر


2020-12-15    |   

“عايزة نحبسه عشان مد إيده عليكي؟!”: عن الإبلاغ عن حوادث التحرّش والعنف الأسري في مصر

عبر مجموعات نسائية مغلقة على موقع فيسبوك، كتبت إحدى العضوات منشورا، تسأل الباقيات كيف يتصرفن في حال ضرب أحد ذكور أسرهن لإحداهن. وقد طرحت سؤالها هذا بعدما أعلمتهم أن شرطي النجدة أغلق الهاتف في وجهها، حينما طلبت منه التوجه إلى منزلها لإنقاذها. في التعليقات على منشورها، أكد عدد كبير من النساء الأخريات أنهن تعرضن للعنف، وأنهن تلقين استجابة مشابهة من أفراد الشرطة، سواء حين اتصلن بخطوط النجدة أو حين ذهبن مباشرة إلى مراكز الشرطة.

تكررت الشهادات على صفحة هذه المجموعة على مدار أشهر، لتلقي الضوء على معاناة النساء للإبلاغ عن حوادث العنف الأسري التي يتعرضن لها.

فتحت هذه الشهادات المجال للتقصي أكثر على إبلاغ النساء عن وقائع العنف الأسري التي يتعرضن لها، وخلال هذه الرحلة وجدنا أن المعاناة تتقارب، وتكاد تكون نفسها، عند الإبلاغ عن حوادث التحرّش كذلك. وبالتالي، يحاول هذا المقال إلقاء الضوء على رحلة المرأة التي تعرضت للعنف المنزلي، أو نوع من أنواع العنف الجنسي – التحرّش هنا – للإبلاغ عن تعرضها لذلك في قسم الشرطة.

وتجدر الإشارة إنه حسب الباروميتر العربي في استطلاعها المنشور بالعام الجاري فأن 63% من النساء تعرضن لأحد أشكال التحرّش الجنسي، فيما تقدر باستطلاع آخر، يرجع لعام 2016 أن نسبة النساء اللاتي يبلغن الشرطة عن التحرّش لا يتجاوزن 0.4%. بالنسبة للعنف المنزلي فيبلغ حسب هذا الاستطلاع 72% من الأسر المصرية، فيما لجأت فقط نسبة 16% من النساء المعنيات فقط للشرطة. في حين يفيد الإحصاء الرسمي للدولة والذي لم يُحدّث منذ عام 2015، إلى أن عدد النساء اللائي يُبلغن الشرطة عن العنف لا يتعدى حوالي 75 ألف امرأة، من أصل قرابة 8 مليون امرأة عانت من أحد أشكال العنف، بحسبه.

المقارنة بين الأرقام الرسمية والموازية تسفر عن فجوة بين تقدير الدولة والنسب الواقعية للعنف وفقا للمؤسسات غير الحكومية، وتكشف عن ندرة لجوء المعنفات إلى التبليغ بالحالتين. أما عن نسب وقائع العنف التي سعت النساء للتبليغ عنها، دون أن تلقى استجابة، فلا يوجد ما يرصدها، وهو ما يسعى المقال للتقصي عنه. ويعلق عليه المحامي بمركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب مايكل نبيل “البحث عن نسب هو بحث عن شيء غير موجود، مش هتلاقوا جهة تدي نسب عن حاجة زي دي” في إشارة إلى إحصاء لحالات نساء لم يتمكن من تحرير محاضر في قضايا العنف.[1]

بين سهام وميرنا: مواصلة السعي إلى قسم الشرطة لا تضمن حتمية الوصول إلى المحضر

في أواخر سنة 2018 نفسها، وقفت سهام[2] (50 عاما) أمام ضابط في أحد مراكز شرطة الدلتا، تحكي للمرة الخامسة عن تلقيها رسائل سبّ وقذف وتهديدات ذات صبغة جنسية من شخص مجهول. اخترق هاتفها، واستخدم معلومات ومكالمات شخصية منه، ليدلل على أنه قادر على معرفتها والوصول إليها وإلى ابنتها وصديقتها اللتين تتحدث إليهما باستمرار. تمسك سهام بهاتفها. تعرض على الضابط محتوى الرسائل ودليلها الذي تستند له كي يحرر لها محضرا. لكنها تفاجأت به يقول “اطمني مفيش حاجة، دي معاكسات كده عادي”.

رفض الضابط تحرير البلاغ، بعدما اضطرت لعرض حكايتها ورسائل هاتفها مع أكثر من أربعة شرطيين، موزعين على محطات وصولها إلى “كبيرهم” على حد وصفها، نقلا عنهم “لا متخفيش طالما سعادة الباشا الكبير هنا قالك خلاص يبقى خلاص متقلقيش” قال أحد المحيطين بالضابط. اكتفى الأخير بالرد على تكرارها طلب التبليغ “لو عملك حاجة، أبقي قوليلي”. غادرت سهام المركز، مسحت الرسائل، وهي تردد “اللي كان لازم يشوفوها، مشوني من غير ما ياخدوا بها أسيبها ليه، علشان حد يشوفها هنا ولا هنا، ملهاش لازمة”.

تقول المحامية عزيزة الطويل أن المعتاد في أقسام الشرطة أن يسمع العاملون من الشاكية الواقعة ويطالبونها بتكرار سرد ما حدث من شخص إلى آخر داخل مركز الشرطة وفي النهاية يرددون عليها أقاويل من عينة “حرام عليكي تضيعي مستقبله” في إشارة إلى المتهم، أو “بلاش عشان أنتِ اللي هتتفضحي” وخلافه. تشير إلى استخدام إشكالية الإثبات كعائق أولي، رغم أنه ليس من اختصاصه، “مش من حقه أصلا، هو دوره يعمل المحضر وملوش دعوة بيا ولا له يطلب مني دليل”.[3]

رغم تأكيد عزيزة عدم أحقية أي شرطي بالامتناع عن تحرير محضر لعدم وجود دليل، إلا أنها تضيف “حتى لو معها دليل، ممكن ميخدوش به أصلا” وهذا يطابق ما حدث مع سهام.

أما عن العنف الأسري، فالتواصل مع عدد من أصحاب الحكايات، التي ذكرناها في المقدمة، على الإنترنت، مطلع 2019، انتهى برفضهن الحوار حول الأمر، أو إعطاء مزيد من التفاصيل.

مرت ثمانية أشهر حاولنا العثور على حالات أكثر، تُفصح عن شهادات شفهية مباشرة لا تنحصر في المنشورات النسائية، ولكن تمتد لأخريات. وتكررت هذه الحكاية أثناء مشاركتنا في أغسطس 2019 في ورشة حول قضايا النوع الاجتماعي، على لسان صحافيتين، تقيم الأولى في القاهرة، والثانية في صعيد مصر. وهو ما يؤكد تكرار مواجهة النساء لهذا التعامل، في نطاق الجمهورية كلها، تصمت غالبيتهن خوفا، تُفضفض بعضهن سرا، تتشجع قليلات لتمثيل نفسها وغيرها علنا، ومنهن العشرينية ميرنا التي وافقت على البوح بتجربتها.

عادت ميرنا بالحكي إلى أبريل 2017، وقتما ذهبت ووالدتها وشقيقاتها الثلاث إلى قسم شرطة بمحافظة القليوبية، حيث تقطن، لتحرير محضر بتعديات جنسية وجسدية ولفظية من قبل الأب في حقهن جميعا، القاصرات منهن والبالغات أيضا. تقول ميرنا: “أمي بتضّرب من أول جوازها، واحنا كمان من واحنا أطفال بنضّرب، وزاد عليه موضوع التحرّش الجنسي من حوالي 4 سنين، اليوم اللي روحنا فيه القسم ده كان في علامات في جسم أمي وأنا كنت متعورة في إيدي. وهناك مكنوش عايزين يدخلونا القسم أصلا” (في إشارة إلى أفراد الأمن).[4]

من اللحظة الأولى لوصولهن إلى الحاجز الأمني الفاصل بين القسم والمارة، سألهم العسكري القابع على الحاجز، عن سبب حضورهم، مثلما يفعل مع كل المترددين على القسم. حين علم بأن الأب هو المتهم في محضرهن، قال: “طيب، ربنا يهديكي يا بنتي روحي”. ظلت ميرنا في مكانها وأصرّت على الدخول، “لما لقى الموضوع كبير وإني مش راضية أمشي، سابنا نعدي”. على بوابة القسم تكرر السيناريو نفسه مع عسكري آخر.

“مكناش عايزين نعمل محضر ضرب قد ما عايزين نبلغ عن التحرّش” تشرح ميرنا. لكن وبسبب التحرّش كان اندهاش وتغيير لهجة وملامح أفراد الأمن. “يا نهار أسود محضر تحرش ضد الأب والزوج، أنتو مجانين ولا إيه، فاللي هو لا مش هينفع الكلام ده، روحهم يلا” على حد قولها. أخيرا تمكٌن من دخول القسم، لكن بعد رواية حكايتهن للمرة الثالثة إلى أحد الضباط، أمرهن بالانتظار لمقابلة رئيس المباحث، ورواية الحكاية عليه لمرة رابعة، ليقرر هو إذا ما كانت تستدعي عمل محضر أم لا، وفقا لميرنا.

بعد ثلاث ساعات، أتى رئيس المباحث، إلا أنه لم يعرهن أي اهتمام. تصف ميرنا المشهد “احنا بنحكي وهو بيتكلم في التليفون وبيروح مشوار ويرجعلنا ونكمل حكي، كان فاكرنا بنستعبط، أو مجانين، تحرش إيه وضرب إيه”. شعرت حينها بأنه يشكك في حديثهن “مكدبنا، وفاكر إننا بنتبلى على أبويا”. بعد نص ساعة أو ساعة من الحكي، لم يكن منه سوى إحالتهن إلى نائب مأمور القسم، والذي بقين في انتظاره ثلاث ساعات أخرى.

أبدى نائب المأمور اهتماما أكبر وتعاونا حيالهن، بعد زوال صدمته الأولى مما يحكينه. “كان بيسأل بالتفصيل، ومستغرب إزاي سكتنا طول السنين دي على ضرب وإهانة وتحرش”. لكن تفهمه لم يمنعه من السؤال بين الحين والآخر “متأكدين من اللي بتقولوه، أو إنه الأب ده طبيعي ومش بيكون شارب حاجة وهو بيعمل كده؟ ما هو يأما هو شخص مجنون يا أنتوا اللي مجانين”، كتعبير عن احساسه بمبالغتهن. في النهاية نجحت محاولة عمل المحضر بموافقة نائب المأمور، دونت فيها شكوى الخمس نساء، بعدما استغرقت هذه المحاولة بقاءهن في قسم الشرطة من السابعة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل.

حسب المحامية هالة دومة[5] فإن هذا ليس مجرد تقاعس، وإنما عدم اعتراف بوجود ما يستحق الشكوى أو ما يرتقي للجريمة، بل واعتبار الشكوى ذريعة للومها والحط منها. تقول “لو في نطاق الأسرة بيقول “أب أو زوج ومن حقه يربيها، ولو اعتداء في الشارع بيقولها هو عمل إيه يعني، لمسك، طب معلش. بالنسبة لهم اللي جاية تبلغ عن حاجة زي دي أصلا واحدة قليلة الأدب ومش متربية”.

العنف لا يستدعي الاهتمام إذا كانت الشاكية امرأة؟

وحدها النهاية في رحلتي ميرنا وسهام مختلفة، طالما أن سيناريو التقاعس جمع اثنتيهما. أخذ التقاعس أشكالا ومستويات عدة، ابتداء بعدم الانضباط في تنفيذ القانون والتأخر والتباطؤ وحتى الامتناع عن التنفيذ، وهذا بالضبط ما أشار رئيس النيابة الإدارية إليه في بيان مفهوم الفساد الوظيفي لأي من العاملين بمؤسسات الدولة.

تقدر هالة دومة المدة الكافية لعمل المحضر بربع ساعة، لكن المماطلة في إنجازه لساعات طويلة هي إحدى آليات “تزهيق الشاكيات أحيانا” على حد وصف مي صالح مديرة برنامج العنف الأسري بمؤسسة المرأة الجديدة، أو إرغامهن على التنازل بأساليب ترهيب وترغيب وتهديد “هيطلع يجيب وشك بميا نار” إلخ أو بعمل محضر كيدي قصادها وفضيحة بفضيحة أنتِ اللي هتلبسي لأن الستات هي اللي بتتحمل.[6]

يوافقها المحامي المتخصص في قضايا العنف ضد المرأة عبد الرحمن مجدي[7]، وإن تحفظ على تأكيد أو نفي التقاعس قائلا “مقدرش أقول إن في تقاعس بشكل مباشر لأني مقدرش أثبته، ولا الشاكيات تقدر تقول إن الشرطة مبتعملش محاضر كده رسميا لأن مفيش دليل”. أبدت انتصار السعيد المحامية رئيسة مجلس أمناء مركز القاهرة للتنمية والقانون موقفا مشابها، بالإضافة إلى اعتقادها بأن الاستجابة الشرطية ليست هي مشكلة النساء في التبليغ، ولكن يرجع إلى عوائق أخرى، مثل القصور التشريعي، الذي يُغيب تجريم العنف الأسري، أو يحملها مسؤولية إثبات العنف في أحيان أخرى مثل التحرّش.[8]

بالرغم من ذلك، يُقرّ مجدي بأسباب عدم قدرة النساء على الإبلاغ عما تعرّضن له من عنفٍ نتيجة طول ساعات الانتظار وتكرار الأسئلة ومقايضتهن بشكاوى مقابلة. مشيرا إلى أن طرق الامتناع عن تحرير محاضر لا تتمّ بوضوح، وإنما تأتي كثيرا على لسان حالات روت لي ذلك في صيغ “أصل هم رخموا عليا، قالولي معندكيش دليل يا أستاذة وهكذا”. يشير مجدي إلى أنه بالرغم من عدم وجود أوامر من الدولة بعدم استقبال بلاغات أو تحقيق في قضايا العنف، إلا أن هناك تضييقا شديداً، أهمها عدم مراعاة البعد النفسي، وتوجيه نظرات تؤذي الناجية ونوعية أسئلة تشكيكية، كما كان الحال مع ميرنا مثلا.

في مايو 2013، أنشأت وزارة الداخلية إدارة لمتابعة جرائم العنف ضد المرأة. مهمتها دعم النساء نفسيًا وقانونيًا للإبلاغ عن العنف الذي يتعرضن له، وليس مكافحة العنف، الذي يمثل مهمة إدارات أخرى بالوزارة كما توضح منال عاطف مديرة الإدارة نفسها، في حوار صحفي سابق. يتمثل الدعم في وجود ضابط حقوق إنسان، يتبع هذه الإدارة داخل كل مديرية لتلقي البلاغات مباشرة، بالإضافة إلى إتاحة خط تلفوني لتلقي الشكوى، وتوجيه النساء إلى أقرب قسم شرطة للإبلاغ.

لم يلحظ مجدي دورا لهذه الوحدة، باستثناء تواجد للعقيدين المسؤولتين عنها في بعض الفعاليات. تابع ضاحكا “والله أنا كمحامي بيقى صعب عليا أوصل للمديرية وأدخلها أصلا، فما بالك لو ناجية تعرضت للعنف”. يستكمل “مش بقول إنه ممنوع، لكن إذا وضعنا في الاعتبار التخوف من تلقي معاملة غير مناسبة بأقسام الشرطة، فالأمر مضاعف في حال التوجه لمديرية كبيرة بحالة نفسية تتطلب تلقي استجابة”. لا تصدر الإدارة أي تقارير أو نتائج لعملها مما يُبقي أثرها غير معروف بالنسبة للمحامين، وأيضا العاملين بالمجتمع المدني ومنهم مي صالح التي تصرّح: “لم نسمع عن أي دور للإدارة ولا تعلن الوزارة عن تلقيها بلاغات”.

انتماء أفراد مؤسستي الشرطة والقضاء إلى المجتمع الذكوري نفسه، والذي يعتبر أنه من حق الرجل تعنيف النساء، يحيل المشكلة إلى أصلها، بحسب هالة دومة. تلتقط عزيزة الطويل طرف الحديث بالتطرق إلى أن الجهات المنوطة باستقبال البلاغات ينقصها مفهوم ملكية النساء لأجسادهن، وتبني عليه تقاعسها، من منطلق “عايزانا نحبسه عشان لمسك؟”. تتعدد طرق التقاعس بين ترهيب الشاكية بأعمال انتقامية قد يقدم عليها المتهم لاحقا للانتقام منها، أو مساومتها في حال أصرت على الاستمرار بعمل محضر مقابل من قبل المعتدي، يدعي عليها بأي تهمة مقابلة كالسرقة أو الضرب، وهو ما يتسبب في احتجاز الشاكية وتحولها إلى متهمة.

في رأي عزيزة الطويل، ينقصهم أيضا الرغبة في أداء عملهم المناط بهم. تستشهد بـالاستجابات السريعة في التحري والقبض على الجناة بقضايا أخرى كواقعة سحل وقتل فتاة في المعادي، بخلاف وقائع عنف لا يرون أنها تستحق مثل ضرب النساء والفتيات من أحد أفراد أسرتها أو التحرّش بها جنسيا.

يتجلى تقدير عدم الاستحقاق في حالة تحكي مي صالح عنها: تعرضت لتحرش جنسي في الشارع، ومن ثم توجهت للقسم مباشرة، وبالرغم من موافقة شهود على الذهاب معها، بالإضافة لوجود أهلها وإصرارهم على عمل بلاغ، وتصوير كاميرات الشارع للواقعة، لكنها اصطدمت بـ “حالة من التكاسل والاستهبال” على حد وصفها، على حس إنه “حرام عليكو، ليه صغيرة، ملوش لزوم، وكل واحد بكلمة”وفقا لها. وما كان من العاملين بالقسم إلا أن “لطعوهم ساعات طويلة جدا من غير نقطة ميا وفي عز الحر، حتى مقدروش يخرجوا من القسم طول الفترة دي لشراء الماء” كما تقول مي.

هذا ما تواجهه شاكية حظيت بكل هذه العوامل الداعمة للتبليغ عما تعرضت له، أما عن النساء اللاتي يتملكهن الخوف على مستويات عديدة، فتعقب لمياء لطفي[9] مدربة واستشارية بقضايا النوع الاجتماعي لدى مؤسسات نسوية غير حكومية “الست بتجلنا مضغوط عليها من قبل ما تبلغ مش من بعد ما بلغت، إنه اسكتي، ملوش لازمة”. لذا غالبية الحالات لا تصل إلى الشرطة أصلا لنتحدث عن استجابتها.

من حق التبليغ بالإنابة إلى حق الشاكية بالحماية ما هي قيمة الرسمية؟

بخلاف ذلك تتوقع الحالات الواردة لمنظمات المجتمع المدني أن هذه المؤسسات تستطيع الإبلاغ، من دون معرفة هوية الحالة؛ وهو ما تعتبره لمياء لطفي “مشكلة كبيرة” لانتفاء الصفة القانونية عن هذه المنظمات لتقديم البلاغ بالإنابة عن الضحية، وحتى في حال أبلغ محامي إحدى المؤسسات بالنيابة عن الحالة، لابد أن يكن لديه توكيل رسمي منها، وهذا التوكيل فيه إعلان لهويتها وبياناتها، التي تتخوف النساء من تسريبها عن طريق قسم الشرطة. لدى الشهود تخوفات مماثلة، لذا يعزفن عن الشهادة في حال طلبت منهم الشاكية. الخوف من تسريب البيانات يتضمن خوفا من أن يعرف أهالي الشاكية والشهود بأمر الشكوى في حال كانت الواقعة خارج نطاق الأسرة: “أنا شخصيا في الاستشارات اللي بقدمها بنصح اللي خايفة متقدمش بلاغ لو كان في خطر على سلامتها”.

استناداً إلى المادة (214) من الدستور[10]، يتمتع المجلس القومي لحقوق المرأة التابع للدولة، بصفة قانونية تغيب عن المنظمات غير الحكومية، وتُمنحه وحده صفة صاحب مصلحة، ليبلغ بدوره عن قضايا العنف ضد النساء، نيابة عنهن. في اعتقاد مجدي، يتحرك المجلس في إطار المتاح له من الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030. تعلن مايا مرسي، رئيسة المجلس، عن تقديم مكتب شكوى التابع لهم خدمات الدعم القانوني والاجتماعي والقانوني مجانا، وتقديم المساندة في حالات الشكاوى والتقاضي عبر محامين متطوعين، وينسق مع الجهات المختصة وفي مقدمتها وزارة الداخلية والعدل والتضامن الاجتماعي، للمتابعة والإشراف معه لصالح قضايا النساء.

من وجهة نظر هالة دومة ليس للمجلس أثر فعلي. تذكرها بذلك خبرتها من واقعة سابقة، طلبت منها فتاة المساعدة لإنقاذ صديقتها التي اختطفها أهلها من مسكنها في القاهرة، حيث تعمل، إلى منزلهم بإحدى القرى، وقطعت اتصالها بالعالم. وجهتها هالة إلى المجلس القومي، لكن الأخير رد “منقدرش نعملها حاجة، لازم هي بنفسها اللي تبلغ” برغم من أنه يملك صلاحية الإبلاغ بدلا من الحالة. في حين تقول لمياء أنه يقابل الحالات، ويحيلهن فقط إلى الشرطة، فيما تتحفظ انتصار على التعليق قائلة “لا أعمل مع المجلس ولا يمكنني تقييم عملهم، عليكم بسؤال أعضاء المجلس نفسهم”.

الانصراف عن اللجوء إلى المجلس القومي أو التفكير في طلب مساعدته هو الرابط بين جميع المتحدثين، سواء لضيق حدود اختصاصه في تقدير البعض، أو لعدم ثقة البعض الآخر مثل عزيزة الطويل التي ترى أنه حتى اختصاصاته لا يقوم بها مثل تقديم دعم قانوني للشاكية على سبيل المثال، وهو ما يعزز لديهم الشعور بانعدام جدواه. يبرز أداؤه في قضية الفيرمونت أمامها، إذ أن وعده الشهود بالحماية لم يحول بينهم وبين الحبس وإجراء فحوص شرجية وعذرية لهم.

في وقائع أخرى يطلب من الشاكية تحمل تكلفة توكيل المحامين، ولا يقدم لهن دعما نفسيا. كما شكت بعض الحالات من عدم تحريك الشكوى التي تقدمن بها إليه. تتساءل عزيزة الطويل: “إذن لماذا اللجوء له، إذا كان غير داعم؟” يماثل هذا رواية مي صالح عن عدم تكفله بالدعم القانوني المنوط به، لكنه يطلب من لجأت إليه بالدفع للمحامي/ة بنفسها، أو لا يبدي اهتماما بالتفاعل حسب ما نقلته مراكز الدعم والمساندة التابعة لمؤسسة المرأة الجديدة في المحافظات لمي صالح. لذا تفضل الحالات التواصل مع المؤسسات المدنية التي تملك آليات دعم، لأن الاستجابة تكون أسرع.

في المقابل، تُصدر الدولة خطابا يحثّ النساء على التبليغ عن العنف في وسائل الإعلام والمناسبات العالمية، أخرها كان في مارس الماضي حيث أطلقت وزارة الداخلية بالتعاون مع الأمم المتحدة، دليلا بعنوان “الاستجابة الشرطية الفعالة لجرائم العنف ضد المرأة”. وهو الدليل غير المتاح عبر الإنترنت، وبالتالي لا نعلم محتواه.

طوال بحث المقال، لم يسبق لأيّ من المتحدّثيْن العلم بوجود سابقة إدانة أو عقاب أي مسؤول بالتقاعس عن نجدة المعنفات أو تمكينهن من الحصول على حقوقهن بعرقلة تلقي البلاغات أو أي وسيلة أخرى. يشير المحامون إلى صعوبة إثبات ذلك، وتضيف انتصار السعيد رئيسة مجلس أمناء بمركز القاهرة للتنمية والقانون[11] أنه حتى في حال وجود سوابق كهذه، فسوف تظل مجهولة، لأنها قرارات إدارية يتم التداول فيها داخل المؤسسة الشرطية فقط. لن تعلن عنها من قبلهم أو تسمح بخروجها وتسريبها من خلال جهات أخرى.

[1] أجري الاتصال معه في سبتمبر 2020.

[2] أجري الاتصال معها بتاريخ 28/11/2020

[3] أجري الاتصال معها بتاريخ 28/11/2020.

[4] أجري الاتصال معها في سبتمبر 2019.

[5] أحري الاتصال معها بتاريخ 28-11-2020.

[6] أجريت المحادثات معها في يومي 17/11/2020 و18/11/2020.

[7]  أجري الاتصال معه بتاريخ 29/11/2020.

[8] جرى التواصل معها مرتين، الأولى في سبتمبر 2019، والثانية في 30/11/2020.

[9] أجري الاتصال معها بتاريخ 22/11/2020

[10] تنص المادة على: “يحدد القانون المجالس القومية المستقلة، ومنها المجلس القومي لحقوق الانسان، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، ويبين القانون كيفية تشكيل كل منها، واختصاصاتها، وضمانات استقلال وحياد أعضائها، ولها الحق في إبلاغ السلطات العامة عن أي انتهاك يتعلق بمجال عملها

[11]  أجري الاتصال معها بتاريخ 30/11/2020.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، تحقيقات ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حركات اجتماعية ، حريات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، محاكم مدنية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مساواة ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *