طوارئ مخففة لاستيعاب الهلع في لبنان: الردع والقمع ضيفا شرف في القرارات الجديدة


2020-03-27    |   

طوارئ مخففة لاستيعاب الهلع في لبنان: الردع والقمع ضيفا شرف في القرارات الجديدة

وافق مجلس الوزراء بتاريخ الأمس على مرسوم جديد (رقم 6209) بتمديد المرسوم السابق بإعلان التعبئة العامة والذي كان أقره بتاريخ 15 آذار 2020 (رقم 6198)، لفترة أسبوعين إضافيين حتى 12 نيسان 2020، وذلك بناء على "إنهاء" (أي اقتراح) المجلس الأعلى للدفاع، والذي كان صدر في اليوم نفسه. كما شدد المرسوم على تفعيل وتنفيذ مرسوم التعبئة العامة والتعليمات التطبيقية له، مع تشدد ردعي من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة في قمع أي مخالفات عليها، بما يؤدي إلى عدم تفشي الوباء وانتشاره.

وبالتوازي مع الإعلان عن هذا المرسوم، أعلن رئيس مجلس الوزراء حسّان دياب في النهار نفسه عن سلسلة من التدابير الأخرى أهمها تعليق العمل من الساعة السابعة مساء إلى الساعة الخامسة صباحا باستثناء عدد قليل من المؤسسات. الأهم من ذلك، أن دياب ضمّن قراره منعا صريحا من "الخروج والولوج إلى الشوارع والطرقات" خلال الفترة نفسها سندا لقانون الدفاع الوطني. وهذا ما سارع البعض إلى اعتباره "منع تجوّل ليليّ".

ومن أهم الملاحظات على المقررات الجديدة، الآتية:

 

1- صوابية رفض إعلان الطوارئ العسكرية

نسجّل بداية وإيجابا أن مجلس الوزراء لم يستجِبْ لمطالب كثيرة بإعلان حال الطوارئ. وهو بذلك أصاب لسببين، الأول أن أيّا من أسباب إعلان الطوارئ (وهي حصول خطر ناجم عن حرب خارجية أو ثورة مسلحة أو أعمال أو اضطرابات تهدد النظام العام والأمن أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة) غير متوفر وأن كلفة هذا الإعلان على صعيد الحريات والحياة السياسية والاجتماعية هي باهظة جدا وتبقى غير متناسبة إطلاقا مع التحديات الراهنة. وفيما بدا واضحا أن ثمة حسابات سياسية تحفّز المطالبة بقانون الطوارئ أو تحفّز رفض الاستجابة لها، فإن رفض الإستجابة لها يبقى الموقف السليم من الناحيتين القانونية والاجتماعية.

 

2- تغليب لغة القمع والردع على لغة التشاركية والمواطنية

إذ اكتفى مجلس الوزراء بتمديد العمل بمرسوم "التعبئة العامة"، فإنه من اللافت أنه اعتمد لغة صارمة هيمنت عليها المقاربة القمعية ومعها الإرتكان للأجهزة الأمنية والعسكرية، وكأنه بذلك يستوعب المطالبات بإعلان الطوارئ العسكرية من خلال إعلان ما يجوز تسميته "الطوارئ العسكرية والأمنية المخففة". ومع التسليم بأهمية الصرامة والحزم، إلا أنه يقتضي التنبّه إلى عدد من المنزلقات التي كانت سبقت الإشارة إلى بعضها:

أولا، أن هذا التشدد يأتي من دون إيلاء أي إنتباه إلى مطلب توضيح الغموض والذي كنا أثرناه مرارا وتكرارا، ولا سيما لجهة "وجوب إلتزام المواطنين البقاء في منازلهم إلا في حالات الضرورة". فهل نحن أمام واجب قانوني أم مجرد واجب أخلاقي حسبما يتحصل من حرفية العبارة التي تؤشر إلى حصول إلتزام ذاتي أكثر مما هو إلزام بموجب القانون؟ ثمّ، كيف نعرّف الضرورة؟ وما هي آليات ضبطها أم أنها تُترك لتقدير عناصر الأمن مع ما يستتبع ذلك من مخاطر استنساب وتعسّف غالبا ما تصيب بالدرجة الأولى المواطنين الأضعف أو الأكثر تهميشا؟

ولا يرد على ذلك أن رئيس مجلس الوزراء أوضح هذا الإبهام والغموض بموجب قراره الصادر في اليوم نفسه، وذلك حين "منع الخروج والولوج إلى الشوارع والطرقات" (في ساعات الليل من السابعة مساء حتى الخامسة صباحا). فالتدقيق في هذا القرار إنما يؤدي إلى تعميق هذين الإبهام والغموض أكثر مما يؤدي إلى تبديدهما. وهذا ما نستشفه من استخدام القرار عبارة "الخروج والولوج" وهي عبارة لا نجد لها أي أثر ولا تعريف في أي قانون أو مرسوم آخر. فماذا تعني هذه العبارة؟ وهل هي تعني المشاة أم السيارات أم كلاهما؟ وما هي الإستثناءات على هذه القاعدة أو الضرورات التي تسمح بتجاوزها؟ وكيف يمكن السماح بفتح بعض المؤسسات ليلا كالأفران والمطاحن والصيدليات… إلخ من دون وضع أي استثناءات على الخروج والولوج إلى الشوارع؟ وما يزيد من قابلية هذا القرار للنقد أن دياب لم يسنده لقانون الأمراض المعدية (قانون 1957)، إنما لصلاحية الحكومة بالرقابة على النقل والإنتقال وتنظيمهما وفق قانون الدفاع الوطني، وهي صلاحية يصعب تفسيرها على أنها تشمل "المنع"، ومن باب أولى منع تجوّل المشاة. هذا فضلا عن أن هذه التدابير تتخذ وفق القانون المذكور بموجب مراسيم يتخذها مجلس الوزراء، بناء على إنهاء المجلس الأعلى للدفاع، فيما لا يشير القرار الصادر عن رئيس الحكومة إلى أي إنهاء في هذا الخصوص، مما يزيد التساؤلات حول عدم قانونيته.

يلحظ أخيرا أن حصر القرار في حظر "الولوج والخروج" في ساعات الليل إنما يؤشر إلى تشريع التجول والنقل والإنتقال في ساعات النهار، مما يبقي الغموض قائما حول طبيعة هذا الموجب والاستثناءات عليه، وفق ما أوضحناه أعلاه. 

ثانيا، أن المرسوم حصر تنفيذ هذه الإجراءات بالأجهزة العسكرية والأمنية، مبرزا دورها بضبط المخالفات وردعها وقمعها. وعدا عما يعكسه هذا الأمر من غلبة للمقاربة الأمنية، فإنه يغيّب أدوار الوزارات كافة في ضبط المخالفات. فأين هم مفتشو وزارات الصحة أو الشؤون الاجتماعية أو العمل أو الصناعة أو الاقتصاد أو الزراعة أو التربية … إلخ؟ ألا يستدعي ضبط المخالفات تفعيل أدوارهم إلى أقصى درجة ممكنة؟ أم أن التعبئة العامة تعبئ فقط الأجهزة الأمنية فيما تحرر بالمقابل الإدارات العامة وموظفيها من كامل مسؤولياتهم؟ نقول هذا لأن بعض الوزارات والإدارات العامة فسّرت للأسف التعبئة العامة على أنها تؤدّي إلى بقاء الموظفين (وفي مقدمتهم المفتشين) في منازلهم. وما يزيد من صوابية هذا النقد، هو أن غالبية المخالفات تتمثل، ليس في مخالفة قرار التسكير، إنما في مخالفة إجراءات السلامة العامة التي يتعين على أصحاب المصانع أو المتاجر توفيرها لأشخاص قلما تكون لديهم منعة تحصيل حقوقهم (عمال وأجراء ومستهلكين)، أي في مخالفات لا يتطلب ضبطها قوة توفرها القوى الأمنية إنما بالدرجة الأولى خبرة واختصاصا قلما يتوفران لدى هذه القوى.

وقد جاءت التعليمات التطبيقية الصادرة عن وزارة الداخلية لتعزز دور الأجهزة الأمنية، حيث أعطي "المحافظون" إمكانية تسكير الطرق الفرعية بعد الحصول على موافقة هذه الأجهزة. وتعكس هذه التعليمات بالواقع إنقلابا في الأدوار: فبدل أن يكون للمحافظ قدرة إعطاء أوامر للأجهزة الأمنية، تُعطى هذه الأجهزة (من دون تحديدها) الكلمة الأخيرة في اتخاذ قرارات من هذا القبيل، بما يمدها بسلطان غير مسبوق من دون أي سند قانوني.

ثالثا وأخيرا في هذا السياق، أن قارئ المرسوم يبقى مذهولا أمام النفس القمعي الذي تضمنه المرسوم الجديد، تحت غطاء مكافحة الوباء. فبدل أن تتوجه الحكومة لاستنهاض المواطنين والإدارات والمؤسسات للتعاضد والتآزر لمكافحة الوباء، ها هي تخرج عصا الأمن التي لن تتوانى عن استخدامها في مواجهة كل من يعصو قراراتها. وفيما يبقى استخدام الخطاب الزجري ضروريا لضمان تطبيق شروط السلامة، فإن الخطأ يكمن في طغيان هذا الخطاب وأحاديته. وللدلالة على ذلك، تكفي الإشارة إلى العبارات المستخدمة في المادة الثانية من المرسوم رقم 6209، حيث جاء فيها في أقل من أربعة أسطر تكرار كلمات تفيد المعنى نفسه وإن بدرجات متفاوتة: "تفعيل" و"تنفيذ" و"تشدد" و"ردع" و"قمع" وكلها عبارات تم قذفها في هذه المادة من دون ربطها في جملة مفيدة وفق ضوابط اللغة العربية.

 

3- الإمتناع عن وضع ضوابط قانونية للبلديات حفظا للوحدة الوطنية

كما يلحظ أن المرسوم لم يحدد ضوابط عمل البلديات، بما يتجاهل مجموعة من الأعمال الإنعزالية أو الإنفصالية الحاصلة هنا وهنالك، من قبيل إغلاق بعض البلدات وحتى في بعض الحالات إغلاق طرق رئيسية عابرة فيها. وهنا، نعود لنذكر أن قانون الأمراض المعدية (1957) يسمح بعزل المناطق الموبوءة عن سواها من المناطق، من دون أن يجيز بأي شكل من الأشكال عزل مناطق غير موبوءة بعضها عن بعض. وبالطبع، التصدي لهذه الممارسات يبدو ضروريا في إطار حماية وحدة أراضي الدولة في مواجهة أي مشروع تفتيتي أو منطق الإقطاعات والتطييف.

 

4- استمرار النهج الطبقي

فضلا عن ذلك، يستمر النهج الطبقي في مواجهة انتشار فيروس كورونا. ويتأكّد ذلك من خلوّ المرسوم الجديد كما السابق من أيّ التفاتة لوجوب حماية الفئات المهمشة اجتماعيا والتي تجد نفسها مرغمة على التخالط أو التجمّع القسري، كما هي حال السجناء والموقوفين أو المقيمين أو المودعين في دور الرعاية والعجزة أو مخيمات اللاجئين.

ولا يردّ على ذلك بأن مجلس الوزراء أقرّ مشروع قانون بالعفو عن المحكومين الذين أنهوا محكومياتهم من عقوبة الغرامة المفروضة عليهم، إذ أن أحكام هذا المشروع تؤدي في حال إقراره من مجلس النواب إلى إخراج 120 شخصا من السجن، فيما أن قدرة استيعاب السجون تصل حاليا إلى 185% مما يفرض الإفراج عن 3800 سجينا وموقوفا بالحد الأدنى ليصبح عدد القاطنين فيها معادلا لما صمّمت لاستيعابه من دون زيادة. هذا مع العلم أنه في أزمات كهذه يتوجّب أن يكون عدد السجناء والموقوفين أقل من الحدّ الذي يسمح للسجون استيعابه عادة درءاً لتفشي الوباء وانتشاره. وكانت "المفكرة" طالبت بشكل واضح بإقرار قانون يُعلّق العمل بأحكام التوقيف الاحتياطي في قضايا الجنح، وبعفو عامّ عن العقوبات السجنية في جرائم الجنح، بهدف الوصول إلى هذا الأمر، وعملا بمبدأ تخفيف المخاطر.

كما أن المرسوم خلا من أي إجراءات في اتجاه تنظيم مجالات العمل أو حماية حقوق الأشخاص الذين تعطلت أشغالهم أو الأجراء المهددين بخسارة رواتبهم، بنتيجة تعليق العمل في مؤسساتهم. ولا يرد على ذلك بأن الحكومة خصصت مبلغ 75 مليار ليرة لمساعدة الفئات الفقيرة، طالما أن هذا المبلغ لا يضمن أي حق مكتسب لأي كان وهو يبقى أقل بكثير من الحاجة الفعلية لهذه العائلات. ويخشى طبعا أن يؤدي توزيع هذا المبلغ أو مجرد التلويح بقرب توزيعه إلى إعادة تلميع نظام الزبونية وبخاصة في حال منح الزعامات دورا فيه من خلال هيئة الإغاثة أو وزارة الشؤون الإجتماعية أو سوى ذلك من لجان قد يتم تكليفها بهذه المهمة.  

 

5- التشاركية مع جمعية المصارف إلى حد التماهي

أخيرا، وبخلاف التشدد إزاء المواطنين، يرشح الأداء الحكومي عن تساهل لا يحتمل مع المصارف وتحديدا جمعية المصارف التي كانت أول من خالفت قرار التعبئة العامة بوجوب فتح فروعها يوميا، إلى درجة التماهي.

فبدل أن يستتبع ذلك ملاحقة لجمعية المصارف والمصارف المخالفة، لم يؤتَ على ذكرها في المرسوم الجديد، بل نُشرت تعليمات تطبيقية بناء على اقتراح وزارة الداخلية بأن فتح فروع المصارف ومواعيده أو شروط السلامة المتبعة فيها تحدد بقرار من جمعية المصارف. وعليه، بدل أن يتم ملاحقة هذه الجمعية على خلفية مخالفة مرسوم التعبئة العامة، جاءت السلطة التنفيذية لترفعها إلى مصاف الشراكة في تنفيذ شروط السلامة العامة.

وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد هو تصرف جمعية المصارف والمصارف على هذا الوجه إنما يؤشر إلى استغلالها لفرصة التعبئة العامة لتعميق حرمان المودعين من حقوقهم والإمعان في قهر كرامتهم، بما يتناقض مع ما كانت الحكومة وعدت به في البرنامج الذي نالت ثقة غالبية النواب عليه.

 

هذه هي أبرز الملاحظات على المرسوم رقم 6209 الذي أقره مجلس الوزراء أمس. وهي ملاحظات تهدف إلى التنبيه إزاء الهفوات التي من المرجح أن يزداد احتمالها بقدر ما يزداد الهلع. فلننتبه ولنراقب…

 

عن مقالات ذات صلة:

الهلع والقانون في زمن الكورونا

كيف نحد من تفشي الكورونا وتداعياته بشكل مستدام؟ (الهلع والقانون في زمن الكورونا 2)

تعبئة عامة في مواجهة "الكورونا" في لبنان: ملاحظات على قرارات مجلس الوزراء

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *