طقوس الموت داخل السجون المصرية: بين الإهمال الطبي وحقوق المتوفي


2020-09-23    |   

طقوس الموت داخل السجون المصرية: بين الإهمال الطبي وحقوق المتوفي

منذ بداية سبتمبر الجاري، توفى 4 سجناء سياسيين في أقل من 72 ساعة إثر تدهور حالتهم الصحية وذلك إما بسبب إهمال طبي من إدارة السجن أو بسبب الظروف المعيشية المتردية داخل السجون المصرية. وهنا تجب الإشارة إلى المناشدات الحقوقية المستمرة التي تطالب مصلحة وإدارة السجون المصرية بتوفير الرعاية الطبية للسجناء، ولكن لا يتم الاستجابة لها، والدليل استمرار أخبار الوفيات داخل السجون.

ويلقي هذا المقال الضوء على الوفيات داخل السجون المصرية، متسائلا عن أسباب الموت، وتعامل سلطات السجن مع السجين المتوفي.

 انتهاكات بدنية وإهمال طبي وانتحار: كيف يموت السجناء؟

ينص الدستور المصري في المادة 55 على حق السجين في المعاملة الجيدة بما يحفظ كرامته، ولا يجوز تعذيبه ولا ترهيبه، ولا إكراهه ولا إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، ولا يكون حبسه أو حجزه إلا في أماكن مُخصصة لذلك لائقة إنسانياً وصحياً[1]، ولكن نلاحظ أن إدارة السجن لا تلتزم بهذه الحقوق. فمنذ وصول السجين تبدأ ما يعرف ب “التشريفة” وهي ضرب السجين كنوعٍ من الترهيب والخوف من السلطة الجديدة أي سلطة السجن أو كما تسمّيها الباحثة بسمة عبد العزيز بالصدمة التي تحدث للسجناء والذي ينتج عنها حالة طاعة وإخضاع [2].

بعد ذلك، تبدأ إجراءات بيولوجية لفحص جسده، حيث يقوم طبيب السجن بالتأكد من عدم وجود تشوّهات أو آثار تعذيب على الجسد. ثم تأتي عدد من الإجراءات القانونية كالتفتيش الذاتي بواسطة المُخبرين لمنع دخول مخالفات مثل مواد مُخدرة أو آلات حادة أو هواتف محمولة، وغير القانونيّة، حيث يذهب السجناء إلى مبنى يُعرف باسم الإيراد وهو مجموعة من الزنازين الضيقة تستقبل الوافدين الجُدد لمدة 11 يوماً، ويدخل السجناء في البداية ويخلعون ملابسهم ويديرون ظهورهم تجاه المُخبرين ويقعدون للتبرز ومن ثمّ يفرز المُخبرون برازهم بواسطة عصا للتأكد من عدم تخزين أي مخالفات في فتحة الشرج.

 ثَمّ يتم إعطاء رقم للسجين حتى الوصول إلى تسكينه في زنزانة ليست آدمية، حيث يكون نصيب السجين فيها عدداً من السنتيمترات كمساحة للعيش فيها. ومع مرور فترة من الزمن قد تقصر أو تَطول تتدهور حالة السجين على المستوى الصحي والنفسي، ومنهم من يفقد حياته عن طريق عدة طُرق كَتدهور حالته الصحية نتيجة الإهمال الطبي أو التعذيب الجسدي أو الانتحار.

خلال 6 سنوات، تحديدا منذ يوليو 2013 إلى نوفمبر 2019.، رصدت منظمة committee for justice  في تقريرها  “بدون محاسبة” عدد الوفيات في السجون المصرية والتي قدّرته ب 958 حالة وفاة بين سجين جنائي (وهو العدد الأكبر المُتمثل ب 678 بنسبة 70.77%) وسجين سياسيّ (بنسبة 29.33% بعدد 260). وجاءت أسباب الموت بالترتيب: نتيجة الإهمال الطبي بعدد 677 ثم الموت جرّاء التعذيب بعدد 136 ومن ثم عن طريق الانتحار بعدد 65 وتبقى عدد 80 سجين متوفى نتيجة سوء أوضاع الاحتجاز المعيشي ولأسباب أُخرى.

نلاحظ، أن الإهمال الطبي على قائمة أسباب الوفاة، حيث يتسبب الإهمال الطبي وعدم توفير إدارة السجون المصرية الرعاية الطبية حتى الآن في موت المئات من السجناء. وتوصي الكثير من المنظمات الحقوقية مراعاة ذلك وتلبية احتياجات السجين من سرعة استجابة أطباء السجن للمرضى ودخول العلاج لهم أثناء الزيارات والنظافة الشخصية ونظافة الزنزانة والمرافق الصحية ومساحات التهوية والتغذية الجيدة[3]. وذلك نتيجة شكوى عدد من السجناء الدائمة من سوء الرعاية الطبية أثناء محاكمتهم. مثال على ذلك: طلب د. عصام العريان، في مايو 2017 في إحدى جلسات محاكمته، توفير الرعاية الطبية له وقدرا آدميّا من العيش واصفا طريقة حياة السجناء أنهم يُقتَلون بالبطيء، لَيفقد العريان حياته بعد ثلاثة أعوام يوم 13 أغسطس من العام الجاري. كذلك نذكر وفاة الفنان المصري الشاب شادي حبش يوم 2 مايو الماضي، نتيجة تدهور حالته الصحية مؤخرا حسب رواية زملائه، فضلا عن تناوله خطأً مادة كحولية بدلاً من المياه أدخلته في حالة إعياء شديد ولم تأتِ تدخلات طبيب السجن بفائدة حتى مات حبش.

طريقة أُخرى للموت وهي حفلات التعذيب التي ترسمها سلطات السجن على أجساد السجناء كنوعٍ من التأديب. حيث يحكي لنا إسلام (اسم مستعار) وهو سجين سابق لمدة 3 أعوام في عدة سجون مختلفة من بينها برج العرب وسجن جمصة قائلاً: “حفلات التعذيب غالبا بِتكون للسجين الجنائي. لعدة أسباب منها مشاجرات السجناء الجنائيين مع بعضهم بشكل دائم، بينتج عن تلك الخناقات ضرب مبرح وأوقات كتير تعوير بآلات حادّة. وده شيء مُحرّم لدى سلطة السجن. أو حتى مخالفات غير أخلاقية للسجناء. حفلات التأديب، في شيء اسمه الفلكة بيتفلّك (بيتربط) عليه المسجون بالساعات في الشمس بالشورت الداخلي فقط، ويضرب بعصاية على ظهره، بعد كدا يروح التأديب. أو يدخل أوضة ويفضل يضّرب من مجموعة من المخبرين[4]

تتحكّم سلطة المؤسسة العقابية في جسد سجينها، ليس فقط في منع حريّته ووضعه داخل زنزانة، بل حتى في مظهر جسده. فهي تجرّده عند الدخول من أي علامات قد تميّزه كلبس الخواتم والدبل والساعات في الأيدي والسلاسل في الرقبة وحلاقة شعر الرأس للجميع. بل تحظر السلطة أيضاً رسم السجين على جسده، كما يحب أن يفعل ذلك بعض السجناء الجنائيين في الغالب من رسم وكتابة اسم حبيبته أو زوجته على رقبته أو يده، كَنوعٍ من الوجدان معه في عزلته طيلة سنوات. أيضا تُراقب السلطة جسد سجينها وتحافظ على وجوده، فَنوبتجي الزنزانة (مسجون برتبة رئيس الزنزانة) دائماً ما يراقب السجناء لاسيما من يأخذ تعليمات بمراقبتهم ويحاول التجسس على ما يقولون أو يفكرون به، لاسيما الحديث عن فكرة الانتحار والتخلّص من الحياة فيُبلّغ إدارة السجن أو ضابط المباحث، حتى تقوم إدارة السجن الفعل بعقابه أو تأديبه على هذه الفكرة[5].

مع زيادة الانتهاكات وسوء أحوال المعيشة وغياب الرعاية الصحية، تسوء حالة المريض النفسية ممّا تجعله يفكر ويقوم بالانتحار. تتعدد أيضاً طرق الانتحار حيث يحكي لنا إبراهيم (اسم مستعار) وهو سجين سابق كان يعمل مُسيّراً للعنابر داخل السجن ما شَهِدَهُ بشأن الانتحار قائلا: “للإنتحار طرق كثيرة، قطع الشرايين بالآلات الحادة (موس أو قطعة إزاز) اللي المسجون استطاع يهربها ويحتفظ بها داخل الزنزانة. شاهدت من قبل سجين كسر إزاز التلفزيون علشان يقطع شرايينه بيه. الشنق طريقة معتادة وغالبا بتحدث في غرف التأديب. يعلق السجين نفسه عن طريق ربط سيل البطانية اللي معاه في مكان عالي. أو حتى رمي الجسد من مكان عالي. السجين يذهب إلى مبنى زي المطبخ أو المكتبة أو المستشفى ويقفز[6]

انتهاك حقوق المسجون بعد الموت

يحكي لنا إبراهيم [7] (اسم مستعار) ماذا يحدث فيقول: “إن كان الموت نتيجة تعب أو مرض أو تدهور حالة صحية حتى الوفاة. تأتي إدارة السجن تأخذ جسد المتوفى، ويكتب طبيب السجن تقرير الوفاة وفي الغالب بيكون مات نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية”. ما أكدته أيضاً قصص أُخرى عن المتوفين داخل سجون وزنازين التأديب في سجن برج العرب وسجن القناطر رجال، فبعد كتابة التقرير تأخذ إدارة السجن جسد السجين المتوفي وتضعه في المشرحة التابعة للمحافظة سواء مشرحة زينهم إن كان في سجون القاهرة أو حتى في مشرحة مستشفيات الحمّيات التابعة للمحافظة أو المركز التابع لذوي السجين الذين يذهبون إلى هناك ويأخذون الجسد لدفنه.

أما إن كان المتوفي قد انتحر سواء شنقا أو بذبح شرايين يده أو رقبته بواسطة الآلات الحادّة. فتأتي إدارة السجن مسرعةً ولا تلمس الجسد حتى يأتي طبيب السجن المُختص ويقوم بفحص الجسد ليراه إن كان ما زال على قيد الحياة أم أنّه توفي، ومن ثمّ تأتي النيابة العامّة لترى تقرير طبيب السجن وتقرر تحويل جسد المتوفى للطب الشرعي لفحص الجسد وكتابة تقرير آخر يُبيّن تفصيلياً سبب الوفاة وفتح تحقيق لمحاسبة إدارة السجن أم تُصرّح بالدفن ومن ثَمّ استلام الأهالي الجسد لدفنه.

تتم تلك الإجراءات بحذرٍ شديد، حيث لا يسمح للسجناء في هذا اليوم الخروج للتريّض في الأوقات المعتادة. ولا يخرج من الزنازين إلّا عدد قليل من المُسيّرين والعاملين من السجناء في مطبخ ومخبز وورش تصنيع السجن. فيوم موت أي سجين تفرض حالة الطوارئ داخل السجن، وذلك للسيطرة على السجناء خاصة في حالة موت السجين منتحراً أو إثر تعذيب أحد الضباط له، حيث توجد احتمالية لهتاف السجناء ودقهم على أبواب السجن وتجمهرهم واعتراضهم، بالإضافة إلى حرص إدارة السجن على حماية أفرادها في حالة اتهام أحدهم من الطب الشرعي بالإهمال الطبي أو تعذيب السجناء.

خاتمة

السجن المصري كفضاء عقابيّ لا يترك جسد أو نفس السجين إلّا متشوّهاً، ينتج هذا التشوّه من خلال نظرة السجن للسجين وتطبيق قوانين على نفسه وجسده بحيث تشكّل إنساناً جديداً لا يشعر بعدها أنّه إنسان له حق العيش كآدميّ. يساعد في هذا أيضًا عمران السجن المُتاح، فَمساحة السجين للعيش داخل الزنزانة عدة سنتيمترات، فلا يستطيع حتى النوم أو الجلوس بشكلٍ طبيعي ومُريح.

 

 

 

 

 

[1] تنص المادة 55 من الدستور المصري على: “كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه أو ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنياً أو معنوياُ، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيا وصحيا، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوو الإعاقة. ومخالفة شيء من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون…”

[2] بسمة عبد العزيز – ذاكرة القهر- دراسة حول منظومة التعذيب – ط 1 عام 2014 – دار التنوير للطباعة والنشر – القاهرة – ص 282

[3] راجع/ي تقرير. مصر: تفشٍ محتمل لفيروسكورونافي السجون. صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش. يوليو 2020

[4] مقابلة أجراها الكاتب مع سجين سابق في عدة سجون وأماكن احتجاز لمدة 3 سنوات. في 12 سبتمبر 2020

[5]  راجع/ي “حلقات عن تشريعات السجون المصرية (5): الفصل الثامن: تأديب المسجونين“، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، نُشر في 21-05-2017

[6] مقابلة أجراها الكاتب مع سجين برتبة مُسيّر لعدة سنوات في أحد السجون المصرية. في 15 أغسطس 2020. والمسيّر هو سجين يساعد إدارة السجن في إدارة أمور السجن والسجناء. كخروج السجناء إلى الزيارة وتسكينهم والتمام عليهم كل يوم والتبليغ في حالة وجود مخالفات مقابل بعض الامتيازات التي تعطيها له إدارة السجن. كتسهيل دخول زيارته ومعاملة ذويه بشكلٍ لائق غير الامتيازات داخل الزنزانة والعنبر

[7] مقابلة مع سجين برتبة مُسيّر لعدة سنوات في أحد السجون المصرية في 15 أغسطس 2020.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الصحة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *