طريق الإيالة الطويل نحو الكومسيون المالي


2023-12-14    |   

طريق الإيالة الطويل نحو الكومسيون المالي

أعاد النقاش حول الميزانيّة في تونس، بالنظر إلى تأسّسها على فرضيات نموّ متفائلة وعلى جزء هامّ من موارد الاقتراض مجهولة المصدر، ومواصلتها في سياسة الاقتراض الموجّه لتسديد خدمة الدين، المخاوف حول سيناريو التخلّف عن السداد. وتثير هذه المسألة في تونس حساسيّة خاصّة، بالنظر إلى ارتباطها تاريخيّا بفقدان السيادة الماليّة كلّيا سنة 1869، لصالح لجنة مالية يتحكّم فيها ممثلو دول المقرضين، والتي مهّدت للاستعمار الفرنسي المباشر في 1881. ننشر هذا المقال الذي يعود إلى هذه المرحلة المفصليّة في تاريخ البلاد، ليس فقط لفائدته التاريخيّة، ولكن أيضا بالنظر لتأثير تمثّلات “الكومسيون المالي” على النقاش العامّ والخطاب الرسمي في تونس، من دون أن نقصد بذلك إسقاطها على الواقع الحالي أو مقارنة بين المرحلتيْن (المحرّر).

إنها السنوات الخمس الأخيرة من ستينيات القرن التاسع عشر. ما لبثت الإيالة التونسية تنهي لملمة جراحها الغائرة بعد قمع ثورة علي بن غذاهمباي الأمّة، التي كانت سياسة التداين أحد أسبابها المباشرة، ليخيّم فصل قاتم من التاريخ على البلاد، وكأنّ المصائب لا تأتي فرادى. تواترت الأزمات، بين إفلاس ماليّ وتراجع في المحاصيل بسبب الجفاف وتنامي أعمال النهب وانتشار الأوبئة. فكانت سنة 1867 بالذات أكثر تلك السنوات عبوسا، حيث عمّ البؤس مساحات شاسعة من البلاد ونُهبت بعض مخازن الحبوب في باجة والكاف. ثم ما لبث وباء الكوليرا أن انتشر في منطقة الساحل، حيث أودى بحياة 300 شخص في مدينة سوسة لينتشر إلى حاضرة البلاد وباقي أراضي الإيالة خلال الصائفة مزهقا أرواح أكثر من 25 ألف تونسي وتونسيّة. في تلك الفترة العصيبة بالذات، بدأت تتّضح النوايا الإستعماريّة بشكل جليّ. وكان تعبيد الطريق نحو ذلك قد مرّ عبر سياسة معقّدة من شبكات التداين: أطرافها طوائف من السماسرة والمضاربين بل وأحيانا من المغامرين، تخفّت وراءها أيادي سياسية تراقب التطوّرات وتوجّهها من بعيد.

قرضا 1863 و1865: بداية المشاكل

كان قرض سنة 1863 الانطلاقة الجليّة لمسلسل التداين الخارجيّ الذي رزحت تحته الإيالة التونسية لما يقارب العقدين. هذا القرض الذي نُظر إليه على أنه الحلّ، أمام تنامي المصاريف العامة وشحّ الموارد لم يكن إلا عاملا لمزيد تعكير الوضع الاقتصادي. اتجهت أنظار الأطراف الحاكمة آنذاك إلى سوقين ماليّين دوليّين متنافسين: باريس ولندن. كانت سوق لندن مثلا، عاملا مهمّا في نهوض اقتصاديّ بالقارة الأوروبية حيث ساهمت في تمويل خطوط للسكك الحديديّة في غرب أوروبا والولايات المتحدة، وأحيت مناطق صناعيّة ومنجميّة في الأراضي الألمانيّة والسويد، لتتوسّع بعد ذلك إلى المستعمرات البريطانية وعلى رأسها الهند. أما فرنسا، التي لم تكن تملك أسبقية بريطانيا في هذا المجال، فقد حاولت التمدّد في بعض الأسواق في أوروبا، إيطاليا وإسبانيا أساسا وكذلك في بعض الدول الأمريكية مثل البيرو والمكسيك. وفي سنة 1862 قدّم البارون دي بونمان عبر القنصل البريطاني بتونس ريتشارد وود عرضا لإقراض البلاد التونسيّة مبلغا بقيمة 20 مليون فرنك فرنسي وبفائض 12% سنويّا. وهو قرض كان يراعي بشكل ما التوازنات الماليّة داخل الإيالة. إلاّ أن جملة من العوامل الداخليّة يُضاف إليها تدخّل القنصل الفرنسي بتونس ليون روش، كانت كفيلة بوأد المبادرة في مهدها. ليتمّ الالتجاء إلى السوق الفرنسيّة وإبرام قرض سنة 1863 مع مجموعة من المصرفيّين على رأسهم إميل ديرلانجي[1].

بلغت قيمة هذا القرض الإسمية قرابة الأربعين مليون فرنك. وقد شاب هذا القرض العديد من عمليات التلاعب الخطيرة جدا من تزييف للحسابات وتلاعب بالسندات من طرف ديرلانجي، إضافة إلى تقديم عمولات ورشاوي للمسؤولين التونسيين ومن بينهم أساسا مصطفى خزندار والقايد نسيم إضافة لبعض السماسرة الأجانب. حيث لم يصل إلى الخزينة من القيمة الأصلية للقرض إلا النزر اليسير الذي لا يكفي لإعادة الحياة إلى الدورة الاقتصاديّة المعطوبة في الإيالة. كان من نتائج هذا القرض مضاعفة ضريبة المجبى كحلّ تم اقتراحه لسداد الدين، مما أشعل فتيل انتفاضة 1864 مثلما هو معروف، إلا أن مسلسل الأزمة لم يكُن إلا في بدايته.

كان لقمع الانتفاضة ثمن باهظ، لم يقتصر فقط على إزهاق أرواح التونسيين بعد أن نكّلت بهم الفاقة. إذ ضُخّ ما تبقى من أموال القرض لتغطية مصاريف الحملات العسكرية التي جابت تـراب الإيالة طولا وعرضا، كما توقّف استخلاص الضرائب لفترة طويلة. تفتّق ذهن مصطفى خزندار حينذاك عن حيلة جديدة، تتمثّل في بيع المحاصيل مُسبقا. إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من امتداد الأزمة راهنا وتواصلها مُستقبلا. فكان العودُ إلى ذلك الحلّ القديم المتجدّد: الاقتراض. ومثلما كان الأمر بالنسبة للقرض السابق، تمّ التوصل إلى اتفاق مع ديرلانجي وموربورغو-أوبنهايم سنة 1865 حول قرض ثان بقيمة 36 مليون فرنك، لم تتحصّل البلاد من قيمته سوى على مبلغ 20 مليون فرنك فقط. كما تمّ التحيّل على الخزينة بطرق شتى، كبيعِ بعض القطع العسكريّة البحريّة والمدافع غير الصالحة للاستعمال[2]. فاقم كلّ ما سبق من المآزق التي باتت تحيط بالإيالة التونسية، ليسعى مصطفى خزندار أمام الأزمة إلى قرض ثالث مع أطراف ماليّة أخرى من بينها مجموعة “روتشيلد” بضمان الموارد الغابيّة ومناجم الإيالة. إلا أنّ المهمّة لم تكلّل بالنجاح بسبب الأزمة المالية التي مرّت بها الأسواق الأوروبيّة في ذلك الحين.

كل هذه العوامل، إضافة إلى عوامل داخليّة ذكرناها في مقدّمة المقال، أنتجت وضعا اقتصاديّا واجتماعيّا متردّيا بشكل كارثي. يصفه جان غانياج في كتابه “أصول الحماية الفرنسيّة على تونس” بالقول: “كان البؤس رهيبا في تونس في آخر السنة (1866)، فالخبزة تُباع بريال وثلاثة أرباعه إلى ريالين ونصف ريال، في حين لم يكن دخل العامل يتجاوز ثلاث ريالات نحاسيّة يوميّا. كان رطل الزيت في أوائل ديسمبر يُباع بخمسة ريالات. وقد فكّر قنصل إيطاليا في إجلاء العائلات الصقليّة مجانا بسبب الفقر المُدقع الذي كانت عليه[3]“.

التدخّل الخارجي وإرساء الكومسيون المالي

لم تكن القوى الاستعمارية غافلة بالتأكيد عن التقاط اللحظة وهي التي كانت تُراقب، بل وتساهم، في إنضاج الأوضاع لتبرير التدخل الخارجيّ المُعلن. حيث كان الثلاثيّ الماليّ الفرنسيّ ديرلانجي-أوبنهايم-بينار فاعلين رئيسين في نقابة ماليّة وضعها الدائنون الفرنسيون لإحكام قبضتهم على الماليّة التونسيّة عبر نوع من التنسيق مع وزارة الخارجيّة الفرنسيّة. بدأت تختمر في تلك الآونة عديد الأفكار حول احتلال البلاد التونسيّة، بين الاستيلاء على مناطق معيّنة من البلاد مقابل جزء من الديون، وفي سيناريوات أخرى، إرسال قوّة فرنسية إلى الموانئ والتحكّم في الموارد الجمركيّة لاستعادة أموال الدائنين الأجانب. إلا أنّ الخطة التي تمّ تبنيها أخيرا من قبل الماركيز دي موستيي وزير الخارجيّة الفرنسيّة في رسالته إلى قنصل فرنسا في تونس دي بوتميليو بتاريخ 15 جانفي 1868، فقد تمثلت في تشكيل لجنة تكون غالبية أعضائها من الفرنسيين برئاسة ممثل عن الدائنين الرئيسيّين للقيام بأعمال الرقابة العامّة على مداخيل الإيالة المرصودة بغرض تسديد الديون ومكافحة عمليات التهريب.

لم تكن تلك الخطّة الفرنسيّة لتمرّ دون معارضة من منافسين أوروبيّين آخرين، ونخصّ بالذكر هنا قنصليْ بريطانيا وإيطاليا اللذيْن بلغتهما أصداء هذا المشروع. فتحرّك القنصل البريطاني ريتشارد وود لإعداد مشروع لجنة منافسة يترأسها وزير الماليّة البريطاني، تتم عبرها مراعاة مصالح بقية التجار الأوروبيين. كما شرع القنصل الإيطالي من جهته في حبك عدد من المناورات للتضييق على الفرنسيّين. إلاّ أن القوى المتنافسة ما لبثت أن اتّفقت، إثر نقاشات دامت 15 شهرا، على تدويل اللجنة وإجراء تعديل على الخطة الفرنسية الأصليّة ثم التأثير على محمد الصادق باي للقبول بهذا العرض.

كان المشروع الفرنسيّ ينبني أساسا على تقسيم اللجنة أو “الكومسيون” المالي إلى قسميْن متمايزين: قسم للعمل وقسم للمراقبة والتدقيق. حيث يضمّ قسم العمل عضوين فرنسيّين ومتفقّدا ماليّا يعيّنه الإمبراطور الفرنسي. أوكلت لهذا القسم بالأساس مهمّة حصر الديون التونسيّة والمداخيل المخصّصة لسدادها ثم البحث عن كيفيّة توزيع المداخيل. ممّا يعني الوصاية على كلّ ما يدخل خزينة الإيالة من موارد. أما القسم الثاني المتعلّق بالتدقيق فيتركّب من عضوين فرنسيّين في علاقة بقرضيْ 1863 و1865 وعضويْن بريطانيين وعضويْن إيطاليين، وتكون مهمّة هذا القسم الفصل في ما اتخذه قسم العمل من إجراءات.

وعلى إثر سلسلة من الضغوطات، أذعن الباي لهذه الخطّة، مُصدرا أمرا[4] يوم 5 جويلية 1869 تُحدث بمقتضاه اللجنة المالية الدوليّة، التي ترأسها خير الدين التونسي كممثل لإدارة الباي. ولكن الدور الرئيسيّ فيها كان لمتفقّد المالية الفرنسي فيكتور فياي الذي بات يُعرف لدى عديد الأوساط بـ”الباي فياي” كناية عن الصلاحيات الواسعة التي أصبح يمتلكها داخل الإدارة التونسيّة. لا شكّ بأن عمل هذه اللجنة في جزء كبير منه قد أسهم في تحديد دقيق للديون، والأهم من ذلك توحيد الدين التونسي، فضلا عن تعصير ملحوظ للإدارة الجبائيّة. غير أنّ عملها الحقيقي لم يتواصل بشكل جديّ إلاّ على مدى سنتين في أقصى تقدير، بعد تحقيق الدائنين الفرنسيين الرئيسيين ديرلانجي وبينار لمصالحهما الرئيسيّة. وبذلك أُسدل الستار على فصل مهمّ من السيادة المالية التونسية، لتتلوه أصناف أخرى من التدخّل السياسي والعسكري والسيطرة الاقتصادية الخارجية التي مهّدت الطريق مبكّرا لجحافل القوة الإستعماريّة سنة 1881.

[1] صيرفي فرنسي من أصل ألماني وهو من أبرز الصيارفة في الساحة المالية بباريس ولندن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. يُعتبر مخترع الديون ذات المخاطر العالية التي ستتضاعف في الساحات المالية الأوروبية إلى حدود فضيحة القروض الروسيّة.

[2] إريك توسان، المديونية: السلاح الذي مكن فرنسا من السطو على تونس، ترجمة محمد أسامة الأخزوري ومختار بن حفصة، نشر في موقع cadtm بالعربية، في 19 جوان 2016.

[3] جان قانياج، أصول الحماية الفرنسيّة على تونس، ترجمة عادل بن يوسف ومحمد محسن البواب، برق للنشر والتوزيع، تونس 2012، ص 231.

[4] إيريك توسان، سبق ذكره.

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية