ضحايا اليوم والأمس معاً في مواجهة الجاني نفسه: المعوّقون وأهالي المفقودين يطالبون بتطبيق القانون


2020-12-11    |   

ضحايا اليوم والأمس معاً في مواجهة الجاني نفسه: المعوّقون وأهالي المفقودين يطالبون بتطبيق القانون

تحتضن يسرى المحمود صورة بالأسود والأبيض لشابةٍ في العشرين من عمرها، هي صورة شقيقتها سامية المفقودة منذ الحرب الأهلية. الصورة حملتها والدة يسرى لسنوات قبل أن ترحل وتسلّمها إلى ابنتها لتكمل رحلة البحث عن مصير شقيقتها. ومثل يسرى، ولمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، احتضن المشاركون في المسيرة التي دعت إليها لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين في لبنان والاتحاد اللبناني للمعوّقين حركياً صور مفقوديهم وساروا جنباً إلى جنب مع معوّقين معظمهم من ضحايا الحرب الأهلية أضاف إليهم تفجير 4 آب معوّقون جدد، ليقولوا إنّ جاني الأمس وجاني اليوم واحد وهو أمراء الحرب الذين تسلّموا السّلطة بعد الحرب.  

قادت المسيرة سيّدتان من أكثر النساء في لبنان حضوراً في ساحات النضال هما وداد حلواني، رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين قسراً، وسيلفانا اللقيس، رئيسة الاتحاد للبناني للأشخاص المعوّقين حركياً، للقول بشكل واضح إنّ الظلم اللاحق بقضيّتيهما واحد من جهة لأنّ الفئتين أقرّ لهما قانونان لم يطبّقا ومن جهة أخرى لأنّ التمييز اللاحق بهما هو جزء من نهج تتبعه السّلطة من سنوات. وقد ألقت كلّ من اللقيس وحلواني خطابين ناريين وضعتا فيه الدولة أمام مسؤولياتها في ضرورة تطبيق القوانين والتوقّف عن تهميشهم وتجاهلهم وانتهاك حقوقهم.  

أين لبنان من حقوق الإنسان في يومها العالمي؟

“يولد جميع الناس متساوون في الكرامة والحقوق”، هذا ما تنصّ عليه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرّته الأمم المتحدة في العام 1948، وعلى الرّغم من أنّ لبنان كان من أوائل الدول التي تبنّت الإعلان وكرّست مقدّمة الدستور ذلك، إلّا أنّه لا يزال، من أكثر الدول انتهاكاً لهذه الحقوق نتيجة سياساته التهميشية والتمييزية التي تطال فئاتٍ مجتمعيةٍ عدّة، ونتيجة عدم تطبيق القوانين والأنظمة المقرّة فيه؛ فشرعة حقوق الإنسان تمنح الأفراد أكثر من 30 حقاً أبرزها: الحق في الحياة والتنقل والعمل والطبابة، كما وجاء في المادة التاسعة منه أنه “لا يجوز اعتقال أيّ إنسانٍ أو حجزه أو نفيه تعسّفياً”، وعملياً تُنتهك جميع هذه الحقوق في لبنان ويمثّل المعوّقون ومفقودو الحرب أبرز الفئات التي تعرّضت وتتعرّض حقوقها الأساسية للانتهاك. 

وانطلاقاً من هذا الواقع حملت مسيرة الخميس شعار “حقوقنا كل لا تتجزأ، القبول أو السكوت عن انتهاك حقوق أي فرد أو مجموعة هو إجازة مرور لانتهاك حقوقنا كأفراد وكمجتمع” ونُظّمت في مناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان. وسار فيها العشرات من “ضحايا” ظلم مؤسسات الدولة وطالبوا بإرساء دولة القانون والحق، والالتزام ببنود ومعايير شرعة حقوق الإنسان. 

انطلق الأشخاص المعوّقون من شارع إميل إده في الحمراء، منهم من سار مستعيناً بعكازات، منهم بكراسٍ متحرّكة، بعضهم يعاني من إعاقة سمعيّة، وبعضهم من نقصٍ في الأوكسيجين، إلاّ أنّهم – وعلى اختلاف إعاقاتهم – يعلمون بأنّ لديهم حقوقاً وهي مهدورة. عند وزارة الداخلية كان أهالي المفقودين والمخطوفين قسراً بانتظارهم، ومن هناك انطلقوا جنباً إلى جنب إلى ساحة رياض الصلح، طريق التظاهرة الحافل بالمطبّات والحفر يشبه الطريق الذي يسلكه الأشخاص المعوّقون وأهالي المخطوفين قسراً في حياتهم. 

وفي حين رفع الأشخاص المعوّقون شعاراتٍ تطالب بتطبيق القانون 220/2000 المتعلّق بحقوق الأشخاص المعوّقين، رفع أهالي المخطوفين شعارات تطالب بالكشف عن الحقيقة وتطبيق القانون 105/2018 الذي نصّ على إنشاء هيئةٍ وطنيةٍ للمفقودين والمخفيين قسراً في لبنان.

سيلفانا اللقيس

اللقيس: كفانا ضحايا كفانا تهميشاً 

في كلمتين ألقتهما أمام وزارة الداخلية وفي ساحة رياض الصلح، وصفت سيلفانا اللقيس الحكومات والوزراء المتعاقبين بـ”الكذابين المنافقين”، الذين يطلقون الوعود بدون تنفيذها، متحدثة عن حقوق المعوّق السياسية المهدورة، بحيث أدّت السياسات المتّبعة إلى حرمان العديد من الأشخاص المعوّقين من الإدلاء بصوتهم، فلا مراعاة لخصوصيّتهم “مثل أكياس البطاطا بيتعاملوا معنا بالانتخابات”، حيث يحمل الأشخاص المعوّقون على الأكتاف للوصول إلى أقلامهم للتصويت في مشهدٍ مسيئ للإنسانية، وذلك بدلاً من اتّخاذ إجراءاتٍ خاصّة تضمن حقهم في التصويت. 

ووجهت اللقيس تحيّتها إلى “بيروت الجريحة المنهكة بفساد زعماء السلم، هم أنفسهم مجرمو الحرب الأهلية، الذين لم يرف لهم جفن أمام مشهد الخراب والموت”، معتبرةً أنّ التظاهرة تمثل الفئات الأكثر تضرّراً وتهميشاً، وهي بمثابة وقفةٍ تضامنيةٍ مع بنات وأبناء الوطن من ضحايا الماضي والحاضر. واعتبرت اللقيس أنّ التفجير الذي وقع في الرابع من آب فتح جراحاً قديمةً لدى فئة الأشخاص المعوّقين التي كانت تنتظر إعادة الإعمار وفق بيئةٍ دامجةٍ تحترم حاجاتها، موجهةً أسئلة عدّة إلى المعنيين قائلةً: “نحن اليوم أمام ثلث مباني مدينة بيروت التي تحتاج إلى إعادة إعمارٍ وترميم فماذا أنتم فاعلون؟، محذرةً من ضرورة توفر التجهيزات الهندسية الملائمة وإلاّ سيكون الأشخاص المعوّقون وكبار السّن محرومين من حقّهم في التنقل، في خوفٍ من عدم عودة النسيج الاجتماعي كما كان عليه قبل التفجير، وأن يصبح الناس رهائن مساكنهم، مشددةً على ضرورة إشراك أصحاب القضية في كلّ ما يعنيهم من مراحل التخطيط والعمل ومراقبة نتيجة الورشة المزعم القيام بها “لأنّ بيروت لكلّ الناس وبدها تضلّ لأبنائها، هي مش لأصحاب الدولارات، هي للدكنجي وعامل النظافة”.

كذلك سلّطت اللقيس الضوء على المعوّقين الجدد الذين تضرّروا جرّاء تفجير المرفأ، منتقدةً القانون 196 /2020 الذي ساوى بين شهداء التفجير وشهداء الجيش من دون أن يساوي الجرحى المعوّقين بجرحى ومعوّقي الجيش اللبناني. ووجهت اللقيس نقداً لاذعاً إلى الزعماء الذين يريدون لجرحى الرابع من آب الذين استجدّت لديهم إعاقات أن ينضموا إلى طوابير ضحاياهم. في الختام أطلقت اللقيس صرخة الفئات المهمشة، مطالبةً بوضع خطة نهوض استراتيجية تشمل حقوق الأشخاص المعوّقين، قائلةً “كفانا ضحايا، كفانا تهميشاً”. 

حلواني: الألم واحد والصرخة واحدة والظالم واحد

صرخة اللقيس كانت امتداداً لصرخة حلواني التي أطلقتها من أمام السراي الحكومي في ساحة رياض الصلح ، حيث اعتبرت أنّ وجود أهالي المفقودين والأشخاص المعوّقين في تظاهرةٍ واحدةٍ ما هو إلاّ دليل ساطع على استقالة الدّولة من مسؤولياتها وتقاعسها عن القيام بدورها إزاء مواطنيها. وتحدثت حلواني عن القانون الذي كرّس حقّهم أهالي المفقودين في معرفة مصير أحبّائهم، والذي أبصر النور بعد معاناة تكبّدها الأهالي طيلة سنواتٍ، واليوم دخل القانون عامه الثالث لكنه لا يزال حبراً على ورق. فقد نصّ المرسوم التطبيقي الأول، والذي صدر في شهر تموز الفائت، على تعيين أعضاء الهيئة الوطنية المستقلة للكشف عن مصير المفقودين، لكن للأسف تقول حلواني ” لم نلمس أي تغييرٍ مع تعيين أعضاء هذه الهيئة سوى رؤيتهم على شاشة التلفزيون لمرةٍ واحدةٍ، فلم يقم أحد من اللجنة بالاتصال بنا أو طلب مقابلتنا كأهالي مخطوفين ومفقودين، وكان الأهالي قد انتظروا حوالي 38 عاماً كي يشهدوا ولادة الهيئة التي هي بمثابة خشبة خلاصٍ لعذاباتهم اليومية، ليقعوا من جديد في دوامة الانتظار بعدما استقال عضوان من أعضاء الهيئة دون أن يتم تعيين بديلاً عنهما”. ووجّهت حلواني أسئلتها وانتقاداتها للحكومة التي أصدرت المرسوم من دون استكمال الاجراءات اللازمة قائلةً، “كيف تباشر الهيئة العمل بشكلٍ طبيعي وهي لم تعط مقراً خاصاً يتلاءم وطبيعة المهام؟ كيف ستتمكن الهيئة من تنفيذ عملها إذا لم يتم تخصيص المساهمة المالية لها المنصوص عنها في القانون”.

وقالت حلواني إنّ الأهالي لن يرضوا بوجود هيئةٍ ممنوع عليها القيام بالعمل الذي أنشئت من أجله، “نحن أصحاب حقوق نطالبكم باستكمال تنفيذ القانون من دون أي تشويهٍ أو اجتزاء واستكمال تنفيذ قانون الأشخاص المعوّقين وسائر القوانين التي تعيد لكلّ صاحب حق حقه”.  

معظم بنود شرعة حقوق الإنسان منتهكة في شخص المعوّق

تختصر عطاف العرب (45 عاماً) من خلال رحلتها مع الإعاقة منذ كانت بعمر التسعة شهور حيث أصيبت بشلل أطفال، صعوبات الشخص المعوّق في لبنان. فمنذ إصابتها بدأت معاناة أهلها في تأمين الاستشفاء اللازم والملائم لحالتها، حيث حرمتها الأوضاع الاقتصادية السيّئة من تلقّي العلاج الكامل الضروري، كالعلاج الفيزيائي الضروري وتناول الأدوية اللازمة بشكلٍ مستمرٍ، الأمر الذي أدّى إلى تدهور حالتها الصحية. تعتبر عطاف أنّ حقّ المعوّق في الطبابة هو شبه معدوم في لبنان، وثمّة مستشفيات عدّة لا تستقبل المعوّق بناء على البطاقة التي تمنحها لهم وزارة الشؤون الإجتماعية. وكما حُرمت عطاف من حقّها في الاستشفاء، كذلك حُرمت من حقّها في التعلّم. فقد التحقت بالمدرسة منذ صغرها، وكانت لديها أحلامها الكبيرة ولم تتخيّل أنّ من سيحدّ من طموحها ومنعها من الترفّع في الصفوف هي كتل باطونية وأدراج طويلة. فبعدما أنهت عطاف مراحل الروضة واجتازت صفوف الأوّل والثاني والثالث، اضطرّت إلى ترك المدرسة بعدما أصبح صفّها التالي في الطوابق العليا للمدرسة، ووقفت عطاف عاجزة عن صعود الدرجات الكثيرة في ظلّ عدم وجود مصعد كهربائي. وتلك الجريمة التي ارتكبتها الدّولة بحق عطاف الطفلة، ترتكبها يوميّاً بحق غيرها من الأطفال المعوّقين الذين لم يجدوا مدارس دامجة تتوافق وأوضاعهم وقدراتهم المادية. عادت عطاف إلى المنزل فيما استمرّ أخوتها وزملاؤها بالذهاب إلى المدرسة والترفّع في صفوفهم، وعندما تخرّجوا انطلقوا إلى سوق العمل. أما عطاف، فبطبيعة الحال لم تسعَ للبحث عن عمل “مين بدّو يوظّف معوّقة عالكرسي المتحرّك ومش معلمة كمان”.

أهالي المفقودين يتوارثون صورهم والقضية

تروي يسرى المحمود كيف قاد طموح سامية إلى خطفها، فبعد أن أنهت دراستها الجامعية في الطب، قرّرت السفر إلى الخارج لإكمال تخصّصها، لم تنتظر ريثما تستقرّ الأوضاع الأمنية في لبنان، قررت الرحيل والسفر عبر مطار سوريا، جهّزت أغراضها ودّعت أمّها وأخوتها واستقلّت سيارة أجرة مع ثلاثة من زميلاتها. بعد ساعات عاد السائق ليبلغ العائلة أنّ أمن الكتائب اللبنانية أوقفه وخطف الفتيات. تقول يسرى إنّ والدتها ذهبت إلى مركز الكتائب للمطالبة بالكشف عن مصير الفتيات في حينها، إلّا أنّ المسؤولين هناك أبلغوها أنهم لا يعلمون شيئاً عن المسألة، وبأنّ عليها انتظار الشخص المسؤول من الجبل لمعرفة مصيرهنّ، إلاّ أنّ الشخص المعني لم يحضر بتاتاً وطُردت الوالدة من المركز ووُجّه إليها إنذار بعدم العودة مرة أخرى للمطالبة بابنتها. تقول يسرى إنّ والدتها خاضت رحلة طويلة من القهر والدموع لم تنته إلاّ بإصابتها بمرض الألزهايمر الذي أعادها إلى زمنٍ كانت فيه سامية لا تزال في المنزل تذهب وتعود إلى جامعتها. فكانت الوالدة مع اشتداد مرضها، تقوم فجأة لتحضير الطعام لسامية وتستفقدها قائلة “يا الله تأخّرت هالبنت ليه بعد ما إجت”. رحلت الوالدة من دون أن تعرف شيئاً عن ابنتها وسلّمت صورة سامية لشقيقتها يسرى. تبكي الأخيرة بحرقةٍ وهي تتحدث عن شقيقتها التي لا تفارق بالها لحظةٍ وتحتفظ بأغراضها وثيابها وبدفتر يومياتها والورود اليابسة التي وضعتها سامية داخله، بقيت أشياء الناس وهم رحلوا، تقول يسرى، ولا يكترث المعنيّون. تشارك في تظاهرات أهالي المخطوفين والمفقودين منذ سنوات، وتقول إنّها ستستمر حتى آخر يوم من عمرها وأنّها ستنقل صورة سامية إلى أولادها من بعدها ليكملوا رحلة البحث عن مصير خالتهم.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أطراف معنية ، اختفاء قسري ، البرلمان ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، عدالة انتقالية ، عدالة انتقالية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *