صورة بيروت المتهالكة في “خندق الغميق” بعد تفجير المرفأ: المبالغة في الحرمان تخنق أحياءها


2020-08-25    |   

صورة بيروت المتهالكة في “خندق الغميق” بعد تفجير المرفأ: المبالغة في الحرمان تخنق أحياءها
شباك في أحد منازل خندق الغميق وقد استعيض عن زجاجه بالنّيلون

تلقّت منطقة الباشورة سهماً من تفجير مرفأ بيروت، والضربة الأكبر تلقّاها خندق الغميق ومتفرّعاته. وبينما صدّع التفجير بعض مباني الخندق وحطّم زجاج نوافذ بيوته، خسِر أهالي الحي أحد أبنائهم، العامل في مرفأ بيروت علي اسماعيل، تاركاً ذكرى “رجل طيب وآدمي” كما يصفه أبناء هذه “القرية” الصغيرة. ويبقى الخطر الأكبر الذي تواجهه الباشورة أحد أكثر أحياء بيروت حفاظاً على الطابع القديم، أن يكون تفجير بيروت مبرراً جديداً لمستثمري العقارات الّذين سبق أن تمددوا في أحياء الباشورة على حساب النسيج الاجتماعي والسكاني للمنطقة وأهلها.

الخندق قلب الباشورة

يقع “خندق الغميق” عند بداية الباشورة ناحية جسر فؤاد شهاب، في مواجهة مرفأ بيروت مباشرة، وكان بالإمكان رؤية الأرصفة البحرية للمرفأ من الحي إلّا أنّ الأبنية الشاهقة في وسط بيروت التي نهض جزء منها على أنقاض الأحياء السكنية التي هُدمت بعد الحرب اللبنانيّة، تحجب المرفأ عن الخندق.

ويفصل جسر فؤاد شهاب بين المنطقتين الذي يُشكّل المرور أسفله للدخول إلى “الخندق” انتقالاً بين نقيضين  لا يبعد بينهما سوى خطوات معدودة: الوسط وأبنيته المرممة والحديثة، والباشورة التي وإن كانت أبنيتها لا تزال تُحافظ على جزء من تاريخ المدينة إلّا أنّ مُعظم أبنيتها تظهر عليها معالم اهتراء وفقر عدا عن طرقها المحفّرة.

لا تزال الباشورة شاهدة على محطات تاريخية هامّة من السيرة الذاتيّة لمدينة بيروت، فهي تحوي على أقدم مقبرة للمسلمين في تاريخ بيروت والتي أنشئت سنة 1887 (تفصلها عن السور الروماني الذي اكتشف أثر للجزء الجنوبي منه في عقار خاص قبل سنوات يجري تفكيكه اليوم بهدف إعادة دمجه مع مشروع تجاري).  ووفقاً لما جاء في مشروع بحثي أعدّه “استوديو أشغال عامّة” سنة 2016 عن منطقة الباشورة، فإن المنطقة تضمّ “كنيسة السريان التي بُنيت عام 1887 في حي خندق الغميق، و29 مبنى مصنّف أثرياً، و8 أخرى مصنّفة أثرية لكن مهجورة”. ويُشير بحث “أشغال عامّة” إلى أنّ الباشورة كانت تستقطب مشاريع بناء الفيلات والبيوت المحاطة بالبساتين للعائلات الميسورة، ذلك في أوائل القرن العشرين وفي بداية الانتداب الفرنسي للبنان. وفي الخمسينيات ظهرت، بالتزامن مع النزوح من القرى، الأحواش المكوّنة من غرف متلاصقة محاطة بمساحات وباحات مشتركة لا يزال بعض منها صامداً حتى اليوم. وكان سكان الأحواش من العاملين في المرفأ أو في وسط البلد.

التحوّلات التي طرأت على الباشورة مع مرور السنوات أدّت إلى عزلها عن جوارها، عبر إنشاء أربع أوتوسترادات فصلتها عن محيطها في الوقت الذي كانت فيه امتداداً طبيعياً لوسط بيروت، والأتوسترادات هي “سليم سلام، شارع بشارة الخوري، جسر فؤاد شهاب وجسر البسطة”. وفي البحث نفسه، تُظهر بيانات “أشغال عامّة” أنّ 74 بالمئة من مباني الباشورة هي من النسيج القديم وبُنيت قبل العام 1992، يقابلها 26% بُنيت بعد العام 1992. يُضاف إلى ذلك، 13 بالمئة هي أبنية مهجورة. وترجّح في هذا الصدد المهندسة المعمارية والباحثة المدنية والمخططة الحضرية جنى حيدر أن تكون هذه المعطيات تغيّرت بفعل تمدّد شركة “بيروت ديجيتال ديستريكت” (منطقة بيروت الرقمية) في استثمار المباني في الباشورة، وهي تتمد منذ العام 2012 من أطراف الباشورة إلى داخلها وبطريقها أخلت عدداً من الوحدات السكنيّة.

“يتحّدر مُعظم سكّان خندق الغميق من قرى جنوبية، فأسلافهم كانوا عمالاً نزحوا إلى المنطقة في الستينيات بهدف العمل في مرفأ بيروت والبلدية فاتخذوا لأنفسهم في بداية الأمر سكناً في الأحواش ولاحقاً في الأبنية”، وفقاً للمختار عادل مطر. يؤكد مطر لـ”المفكرة” أنّ “منطقة الباشورة عاش فيها المسيحيون ومنهم الأرمن قبل حرب الخمسين، وهؤلاء خرجوا من الخندق تدريجياً إلى مناطق خارج بيروت ومنهم من هاجر منذ زمن بعيد ولم يعد إلى الباشورة”. ويُضيف، “الناخبون المسجلّون في الباشورة اليوم يتخطّى عددهم 23 ألف ناخب، غالبيّتهم من السنّة بينما لا يتعدّى الشيعة ألفي ناخب، لكنّ على خلاف هذه الأعداد فإن معظم سكّان الخندق حالياً هم من الشيعة الجنوبيين، إذ أنّ معظم البيارتة خرجوا من مدينتهم إلى ضواحيها وغالباً إلى عرمون”.

وعلى الرغم من عزلة خندق الغميق إلّا أنّ الحي يضمّ بعض المحال التجاريّة كالدكاكين ومحل لبيع المياه ومنشرة والملاحمومقهى صغير على طرف الرصيف يستقبل زوّار الحي من ناحية جسر فؤاد شهاب وإلى جواره مباني “منطقة بيروت الرقميّة” التي تتوسع تدريجياً على أطراف المنطقة.

يقول المختار إنّ سكّان الخندق كانوا في البداية من العائلات الميسورة قبل الستينيّات حين بدأ تدفّق العمّال إلى الحي.  وتميّز الخندق في  تلك الفترة  بالتنوّع الطائفي والطبقيإذ كان سكّانها من المسحيين والدروز والمسلمين.أمّا اليوم فيؤكد مطر أنّ “السكّان معظمهم من الفقراء ومنهم فئة كبيرة من العاطلين عن العمل”. ويُمكن لزائر هذه المنطقة أن يستمد حقيقة البطالة من روايات شبّانها الّذين يتخذون زوايا الطرقات مكاناً للالتقاء، إذ يؤكد كثر منهم معاناتهم منذ فترة طويلة من انعدام فرص العمل. ويؤكد أحد الشبّان للمفكرة أنّه “لو كان الشبّان يعملون لما وجدتهم يقفون على زوايا الطرقات”.

تلكّؤ وإهمال

يشكو أهالي “الخندق” من تلكّؤ الدولة في الدخول إلى المنطقة والنظر إلى حاجات أهلها، فأهالي الخندق معظمهم فقراء، غالبية من المستأجرين القدامى الذي ينتشرون في عشرات المباني المأهولة والأحواش فيما يوجد فيها مبان كثيرة مهجورة. عدا عن شكواهم من إهمال بلديّة بيروت للمنطقة كلها خصوصاً وأنّ التصدّعات في الأبنية التي خلّفها التفجير قد تكون مؤشّراً على خطر وشيك. والبلديّة بالنسبة لهم غير موجودة كونها تتعامل مع “الخندق” وكأنها حذفته من خارطتها ولم يشهد على أي من مشاريعها.

يُشار إلى أنّه لا يوجد إحصاء لأعداد المستأجرين القدامى في لبنان، سوى إحصاء واحد صادر عن إدارة الإحصاء المركزي عام 2004 والذي أشار حينها إلى وجود أكثر من 12 ألف من المستأجرين القدامى في الباشورة، وهي أرقام لا يمكن الاستناد إليها اليوم بسبب مرور 16 عاماً عليها.

وتلفت المعماريّة جنى حيدر إلى عدّة عوامل لإهمال الباشورة، منها أنّها محاصرة من أربع أوتوسترادات أضعفت حركة المرور في المنطقة إضافة إلى أنّها فصلتها عن محيطها، وبالأخص وسط المدينة الذي كان امتداداً طبيعياً لها قبل إنشاء جسر فؤاد شهاب. عامل آخر في إهمال الباشورة على خلاف المناطق المحاذية مثل “مونو” هو عدم وجود خدمات عامّة في المنطقة مثل المستشفيات والجامعات. يضاف إلى ذلك “عدم وجود أي دور للمواطنين للمشاركة في وضع الخطط المستقلية لمناطقهم، سواء على صعيد الخطط الإقتصادية أو المُدنية، فلا يوجد إطار قانوني يسمح للسكّان التدخّل في صنع القرار”. وهنا يظهر تمدد “منطقة بيروت الرقمية” كنموذج لتهميش آراء أهل منطقة الباشورة من الموافقة على وجود نشاط اقتصادي في منطقتهم لا يزيد على أحوالهم شيئاً بل يُقصيهم أكثر عن محيطهم. فتجمّع الشركات هذا الذي استثمر مبانٍ تراثية ورمّمها وحوّلها إلى مكاتب هو منطقة مستقلّة تماماً لديها مواقف السيارات الخاصة بها وكلّ ما يحتاجه الموظفون من مطاعم ودكاكين ومقاهي وحتى حديقة، وكل ما تجذبه الشركات يبقى داخل مكاتبها والمباني التي استثمرتها من دون أي تأثير على المنطقة المحاذية أي خندق الغميق. وبالتالي تصنّف “منطقة بيروت الرقمية” من الأنشطة الاقتصاديّة التي تعيد النفع على الشركات فيها فقط وهو عكس الأنشطة الاقتصاديّة التي تُبنى على حاجات السكّان والتي يحتاج إليها “خندق الغميق تحديداً” لتطوير الاقتصاد المحلي للمنطقة بشكل يؤمّن خدمات لسكانّها.

ويُصادف اليوم أنّ  المنطقة تحيي عاشوراء وهي لا تزال تُلملم جراحها وما خلّفه تفجير مرفأ بيروت، وقررت حسينية الباشورة  إحياء مجالس العاشوراء هذا العام عبر الإنترنت، على ما يقول الصوت الذي يصدح من مكبر الصوت التابع لمسجد “الإمام علي بن أبي طالب”: “التزاماً بالضوابط الوقائية وحفاظاً على سلامة المؤمنين والمؤمنات… ستبث المجالس عبر صفحة فيسبوك، وسيقتصر الحضور على قارئ العزاء وخدّام الحسينيّة”. المنبر نفسه استخدمه إمام المسجد الشيخ محمد كاظم عيّاد مرّة أثناء التظاهرات التي انطلقت في 17 تشرين الأول 2019، لردع شبّان من خندق الغميق ومن مناطق أخرى استنفروا على أثر انتشار فيديو لشاب يُسيء لرموز سياسية ويتكلّم بلغة طائفية.

وخلال الانتفاضة 17 تشرين وصمت هذه المنطقة بأنّها منطقة “الشبيحة” بعد “غزوات” من شبّان كانوا يأتون من ناحية الخندق للاعتداء على المتظاهرين وخيمهم في ساحتي الشهداء ورياض الصلح. وهو تعميم يرفضه أهالي الخندق الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من هذه الوصمة التي جعلت كثيرين يخشون الدخول إلى الحي. وتؤكّد فاطمة وسكّان آخرين في المنطقة لـ”المفكرة” إنّ “الشبّان الّذين كانوا يخرجون من المنطقة على الدراجات الناريّة هم ليسوا أبناءها، بل أتوا من مناطق مختلفة وأساؤوا إلى صورة المنطقة وأزعجوا سكّانها”.

بعد التفجير: “لم تأتِ الدولة لتسأل عن حالنا”

على غرار الإهمال اللاحق بالمنطقة تاريخياً، يُجمع كلّ من قابلتهم “المفكّرة القانونية” في المنطقة على أنّ: “الدولة لم تأت لتسألنا عن حالنا” بعد التفجير. حسين الزين وهو أحد شباب المنطقة حيث عاش طيلة حياته، يُمضي مُعظم وقته منذ التفجير في مساعدة الصحافيين الّذين يقصدون المنطقة ليتنقلوا بين أحيائها ويرصدوا الأضرار في مبانيها، وفي الوقت عينه يُساعد الناشطين المبادرين لتأمين المساعدة للوصول إلى المتضررين. ويقول لـ”المفكرة” إنّ “أهالي الخندق شربانين زوم المر من الكواع، مُعظمهم فقراء والدولة همشتهم كما تهمشهم كل يوم بلديّة بيروت من أي مشاريع تنموية”. ويُضيف، “بعد التفجير لم يأت أحد إلينا، فقام شباب الحي بتنظيف الطرقات ونقل نحو 120 جريح إلى المستشفى هذا غير مساعدة الناس وتلبية حاجاتهم. وبعد يومين بدأت تأتي المساعدات الغذائية، لكن لا تزال درجة الاهتمام متدنية نسبة لحاجة المنطقة”.

ويقول عدد من السّكان إنّ بعض الجمعيات جاءت إلى الحي وسألت عن الأضرار وصوّرت البيوت وكأنّها استوديو، وبعد مرور أكثر من أسبوع على هذه الزيارات لم تعُد أيّ من هذه الجمعيات لمساعدة الناس. تقول فاطمة: “مش عم نلحق تمسيح وتعقيم من الدعس”، وتخبر عن جمعية تركيّة أتت لتُسلّمها مساعدات غذائية: “فتحت لهم الباب وإذ بهم يطلبون منّي أن أقف ليصوّرونني فيديو وأنا أستلم الإعاشة، فرفضت وأقفلت الباب بوجههم بدلاً من هذا الذل”.

وتحدّث كلّ من قابلتهم “المفكرة” عن أنّ المساعدات اقتصرت على مواد غذائية ومواد تنظيف من جمعيات غير حكوميّة ومن حركة أمل، وهي مُساعدات تُعدّ بسيطة أمام حاجتهم إلى ترميم ما تحطّم في منازلهم. ويتكلم بعض أهالي الحي عن أنّ المرجع الديني العراقي علي السيستاني أرسل مبلغ مليون ليرة لكل بيت، ووصل المبلغ لعدد من البيوت المتضرّرة في الباشورة أكثرها في خندق الغميق.

وإزاء هذا التقاعس والإهمال تداعت مجموعة من الشبّان والشابات تطوعوا لتقديم بعض خدمات النجارة وتركيب الأبواب والشبابيك التي انخلعت بسبب التفجير.

علي اسماعيل، شهيد خندق الغميق: “رحل الآدمي”

بعد من يوم التفجير أُعلنت وفاة الشاب علي اسماعيل (23 عاماً) في مرفأ بيروت، وهو من سُكّان “الخندق”، ولديه زوجة وطفل عمره عامين. عاشت عائلة اسماعيل طوال حياتها في الخندق وهي بالأصل من بلدة كونين الجنوبيّة، وفقاً لما يقول أحمد الأخ الأصغر لعلي، لـ”المفكرة”. وتشي معرفة جميع من سألناهم في الخندق بعلي بقوّة الروابط التي تجمع العائلات التي تحوّل “الخندق” إلى ما يشبه القرية. ويجمع هؤلاء على وصف علي بصاحب السمعة الطيبة والآدمي. يروي أحمد لـ “المفكرة” اللحظات الأولى للتفجير: “سمعت صوت دويّ انفجار ولكني في تلك اللحظة لم أُفكر أنّ أخي سيكون في الدوام إلى أن تلقّيت اتصالاً من أحد أفراد العائلة يُخبرني أنّ علي في المرفأ، فهرعت للبحث عنه، وطالت مدّة البحث حتى اليوم التالي حيث وجدنا جثّته في إحدى المستشفيات في بيروت”.

يلفت أحمد إلى أنّ علي “هو معيل زوجته وطفله، وأيضاً معيل والديه”. ويُضيف، “كما هو حال أي شاب لبناني يسعى بكل طاقته لإعالة أسرته، أخي عمل في وظيفتين، في النهار كان يعمل مع شركة ديليفري، وليلاً في مرفأ بيروت”. ويتحسّر أحمد على رحيل شقيقه في المرحلة التي كان فيها يُحقق طموحه باقتناء منزل في بلدة والدته جبشيت في الجنوب، ويقول: “لا يزال يدفع أقساط المنزل، ومنذ أسبوع فقط استلم مفتاحه”.

“زاروب الحرامية” وشبابيك النيلون

يتفرّع من خندق الغميق شارع يأخذ إلى “زاروب الحراميّة”، وهو زاروب طويل وقديم العهد، مُعظم سكّانه قدموا من الجنوب إلى بيروت قبل سنوات طويلة، غالبيتهم من آل ترحيني من قرية عبّا. وبحسب حيدر تعود تسمية الزاروب إلى مرحلة ما بعد إنشاء دولة لبنان الكبير، إذ “يُقال إنّ الحرامية كانوا يهربون من الدرك ويتوارون عن الأنظار سالكين الزاروب إلى الأحواش”.

تتفرع عن “الزاروب” ثلاثة أحواش، بحسب “أشغال عامّة” هي أحواش مطر والعتر والحنبلي. ويتألّف الحوش من الداخل من غُرف متلاصقة ومنفصلة عن بعضها، وحمام ومطبخ ودار مشتركة لكلّ مجموعة من الغرف. هنا عاشت العائلات لسنوات طويلة، أنجبت أطفالاً كبروا، منهم من انتقل إلى العيش في مناطق أخرى ومنهم من بقي وبنى له عائلة في الحوش.

وتُشير حيدر إلى أنّ “الأحواش أُنشئت استغلالاً لحاجة العمّال في الخمسينيات للسكن على مقربة من مكان عملهم، في المرفأ أو في بلديّة بيروت، ورغم الحاجة للسكن لم تشهد المنطقة أي تدخّل من قبل الدولة لتأمين السكن وتُرك الأمر للمصالح الفرديّة”.

نجلاء ترحيني عاشت 60 عاماً من عمرها في غرفة في حوش العتر، مقابلها قريبتها التي تعيش في غرفتين تزوجت فيهما وربّت 5 شبّان. تروي نجلاء لـ”المفكرة” أنّ “يوم التفجير كنت في الجنوب ووصلني اتصال من قريبتي تقول إنّ زجاج غرفتي تحطم، حين أتيت وجدت أنّ متطوّعين بادروا إلى تغطية النوافذ بالنيلون، فيما انتشر الزجاج على الأرض”. تشرح نجلاء أنّها وضعت مستنداتها لدى مختار الباشورة لأجل الحصول على التعويضات من الهيئة العليا للإغاثة، وهي في الوقت عينه لا تتوقع أن تصل التعويضات قريباً.

كلفة التصليح تتخطى قدرات أهالي “الخندق”

شقة حسن عواضة (أبو علي)، وهو أستاذ موسيقي ستيني، متضررة بشكل كبير في النوافذ والأبواب. وأبو علي تربّى في الشقة التي تقع في مبنى يعود تاريخ إنشائه إلى خمسينيّات القرن الماضي، وهو مشيّد في منتصف التلّة التي تقع عليها الباشورة، واستمر بالسكن فيها حتى بعد زواجه. ومن شرفة الشقة يُمكن رؤية امتداد البحر بسبب علوّها، وتتميز الشقة بسقفها العالي وأبواب ونوافذ الأباجور المتجانسة والواسعة والتي تسمح بدخول الهواء ونور الشمس بسخاء إلى الشقة. “كل الزجاج تحطّم في الغرف الستّة في المنزل وانهارت بعض الألواح الخشبيّة إضافة إلى تفسّخات في الجدران، وقد وضعت النيلون مكان الزجاج لكن سُرعان ما مزّقه الهواء القوي”، يقول أبو علي. وفي الوقت نفسه يتمشى أبو علي في المنزل لعرض آلات الدرامز التي يعزف عليها في فرقة الفنان السوري جورج وسّوف، ويشرح لـ “المفكرة” أنّ خوفه الأول كان على عائلته من أن يُصيبهم مكروه، وخوفه الثاني هو على آلاته الموسيقية التي لا يعرف العيش دونها، وهي مصدر رزقه. لكن الرجل بعد التفجير وبسبب شدّة الأضرار التي طالت نوافذ وأبواب منزله، انتقل وعائلته إلى منزل مؤقت في ضواحي العاصمة، مشيراً إلى أنّ “الترميم في وقت سريع غير متوفر، فقد اتصلت بالقزّاز الذي قال لي إنّ كل البضاعة التي لديه محجوزة لشهرين، هذا غير الكلفة العاليّة التي يتطلبها تصليح الزجاج وخشب الأباجور”.

تكلفة الزجاج اليوم تتخطى قدرات المواطنين الّذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانيّة، فيما سعر متر الزجاج المصنّع مع التركيب بحسب القزاز صلاح إبن خندق الغميق يصل إلى 25 دولاراً وسعر الدولار، ويحدد حسب السعر في السوق السوداء والذي يصل اليوم إلى 7000 ليرة. صلاح الذي بسبب وجوده وحده في مشغله تمكّن من تأمين خدمة تصليح الزجاج لنحو ثمانية زبائن فقط،  يتواجد في مشغله بعض شبابيك الأباجور ذات الطراز القديم، إذ تتميز منطقة خندق الغميق بهذه الشبابيك التي تم تركيبها في المنشآت السكنية التي تعود إلى حقبات زمنية بعيدة. يتكلم عنها صلاح مؤكداً أنها متينة، وتظهر هذه المتانة بالمقارنة بينها وبين الشبابيك الجديدة التي تُصنع اليوم من الالومينيوم والتي لم تحتمل هول الانفجار فخُلعت بالكامل، بالمقابل يؤكد أنّ إمكانية تصنيع شبابيك الأباجور اليوم مكلف جداً خاصة أنها تحتاج إلى خشب “باب أوّل”.

مخاوف من أن يُستغلّ التفجير لمزيد من الجشع العقاري

نظرياً، عادة ما تكون الكوارث دافعاً وراء الابتكار ووضع الخطط التي تلبّي حاجات المجتمع، بينما في الحالة اللبنانية تتخوّف حيدر من أن “تكون كارثة تفجير المرفأ التي أدّت إلى أضرار هائلة بالأبنية التراثيّة، فرصة ليستغلها التجّار لإمكانيّة الاستثمار في المباني التراثية بغرض بيعها”.

بالنسبة لحيدر فإن ما هو مطلوب اليوم لحماية الأماكن السكنية وخاصة الأبنيّة التراثية هو أن تتدخّل الدولة وتضع حداً لافتراس الشركات العقاريّة. فالواقع أنّ بعض الأبنيّة التراثيّة هي في الأساس أبنيّة متصدّعة وتحتاج إلى ترميم، ومن المرجّح إمّا أن يُعطي ذلك أسباباً لأصحاب الملك لبيع العقار أو أن يُضعف موقفهم أمام التفاوض على بيعها”، بحسب تعبيرها.

لذا من الضروري بحسب حيدر، هو “ضبط موضوع البيع والشراء في هذه المرحلة”، إضافة إلى “وضع خطّة لاستخدام الأبنية غير المأهولة، لأن الحفاظ عليها هو باستخدامها وليس بتركها فارغة”. وتقصد حيدر باستخدام الأبنية هو بتحويلها إلى مباني قابلة للسكن، مع الحفاظ على “شخصيتها”.

وتلفت حيدر إلى أنّ “هناك مبادرات من المجتمع المدني تتبلور لأجل الدفاع عن الأبنية التراثية لأجل منع هدمها والتصدي لبيعها واستثمارها، إلّا أنّ هذه الخطوات لن يكون لها الأثر الكاف إذا لم يحصل تغيير على مستوى السياسات، وهي السياسات التي تعتمد على الاقتصاد الريعي بدل الاقتصاد المنتج”.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، تحقيقات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مجزرة المرفأ