صمود الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في تونس رغم محاولات التهميش:


2015-06-24    |   

صمود الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في تونس رغم محاولات التهميش:

          تعد تجربة ارساء الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي بموجب القانون الأساسي عدد 13 لسنة 2013 المؤرخ في 02-05-2013 أول تجربة لادارة ذاتية للقضاء.  ويكون من المفيد الوقوف على التجربة للتحقق من ايفائها بما كان يعلق من آمال عليها خصوصا فيما تعلق بارساء قواعد موضوعية في ادارة مؤسسات القضاء والمسارات المهنية للقضاء. كما تصلح تجربة الهيئة الوقتية للقضاء العدلي وهي في عامها الأخير لدراسة نقدية تبين أسباب ما قد يعدّ ضعفا في أدائها لكي لا تورث هذه الأسباب قصدا أو جهلا للمجلس الاعلى للقضاء المؤسسة الدستورية التي تعسر ميلادها. وتفتح المفكرة القانونية فضاءها لنقاش التجربة في هذه المرحلة التي تتميز بقرب عودة مجلس نواب الشعب التونسي لنقاش مشروع قانون المجلس الاعلى للقضاء على ضوء قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين في عدم دستورية جانب من أحكامه. وكان من المهم في أول حلقات النقاش العام لحصيلة أعمال الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي الاطلاع على قراءة داخلية للتجربة تبين رأي أعضاء الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي في عملهم صلب هيئتهم. وقد تولت  العضو المنتخب بالهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي السيدة ليلى الزين كتابة مقال قيّم ونقديّ لعمل الهيئة التي تنتمي لها. وتتولى المفكرة القانونية نشره (المحرر).

يشترط في أي تقييم موضوعي أن يبيّن خصوصيات التجربة التي يتولى فحصها وشروط اضطلاعها بدورها. ويتعين في هذا الاطار وقبل انطلاق ما قد يعقب نهاية ولاية الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي من تقييمات لعملها طرح سؤال يجب أن يسبق البحث في التجربة من جهة نتائجها وهو "بأي أدوات سيّرت الهيئة ادارتها؟" وفي جواب سريع وغير منتظر على هذا السؤال، نقول:"تولت الهيئة ادارة امورها إدارة ذاتية، معتمدة على مجهودات أعضائها وايمانهم بضرورة إنجاح هذه التجربة مهما كانت الصعوبات.

فالقانون المحدث  للهيئة أسند لها في فصله الثاني اختصاصات واسعة جدا: احتصاصا مطلقا في النظر في المسار المهني للقضاةمن تسمية وترقية ونقلة وتأديب،واختصاصا استشاريا في إبداء الرأي في مشاريع القوانين المتعلقة بسير العمل القضائي وأساليب إصلاح منظومة القضاء العدلي،واختصاصا تلقائيا في تقديمالاقتراحات والتوصيات التي تراها ملائمة في كل ما من شأنه تطوير العمل القضائي. ورغم ذلك، لم يتضمن القانون نفسه عن قصد او ربما سهوا التنصيص على أنّ الدولة تضع على ذمّة الهيئة الموارد البشريّة والوسائل الماديّة اللازمة لحسن سير أعمالها مثلما نص عليه بالقوانين المحدثة لهيئات أخرى. وقد استغلت السلطة السياسية التي تدير موازنة الدولة هذا الفراغ التشريعي للحيلولة دون تركيز الهيئة رغم ما تمثله من دلالة في استمرارية مؤسسات الدولة خلال الفترة الانتقالية. 

وقد واجه أول رئيس للهيئة ابراهيم الماجري هذا التجاهل بدعوة أعضاء هيئته المعينين منهم والمنتخبين للاجتماع بقر محكمة التعقيب التي كان يرأسها، وذلك في 17 جويلية 2013. وتم خلاله انتخاب نائب رئيس الهيئة واختيار مقرر عام وناطق رسمي باسمها. وتكونت في نفس الجلسة لجنة  للقيام بالإجراءات اللازمة لتركيز الهيئة. وقد حرصت الهيئة على فرض مبدأ أن يكون لها مقر مستقل لما يعنيه هذا المقر من تواجد فعلي لها يمكن القضاة من التوجه اليها مباشرة ويعلن فعليا انها هيئة دستورية تدير شؤون القضاء. وتم توجيه مراسلات عديدة من الهيئة الى رئاسة الحكومة ووزارة أملاك الدولة بهذا الشأن. ورغم ذلك، بقيت الهيئة حبيسة قاعة الجلسة بمحكمة التعقيب الى غاية شهر ديسمبر 2014، حيث تم الاكتفاء بتخصيص الطابق العلوي للمجلس الدستوري ليكون أول مقر للهيئة. ويستفاد من ذلك ان الهيئة لم يكن بامكانها ان تطور هيكلتها قبل هذا التاريخ الا انها انجزت اعمالها بشكل يتجاوز امكانياتها.

أنجزت الهيئة أول حركة لها تتعلق بالسنة القضائية 2013-2014 في ظروف عمل غير ملائمة,متنقّلة بين محكمة التعقيب ومكتب السيد المتفقد العام حيث توجد قاعدة البيانات الشخصية والمهنية لجميع القضاة. وقد انتهت الى اعلان الحركة في 13 سبتمبر 2013 بعد اجتماعات يومية امتدّت أحيانا الى وقت متأخر من الليل في مقر ليس مقرها الأصلي وفي غياب ميزانية واطار اداري يسيّر أعمالها.

و في مرحلة ثانية، وضعت الهيئة قانونها الداخلي وانبثق عنها –بمقتضى هذا القانون- ثلاث لجان هي:

–       لجنة الحركة القضائية، وتتلقى مطالب النقل والترقيات والخطط وتقوم بتبويبها واعدادها ماديا للبت فيها،

–               لجنة الإستشارات والتشريع، تتولى القيام بالبحوث واعداد دراسات وتوصيات بخصوص انتداب القضاة وتكوينهم وتنظم ملتقيات ودورات تكوينية وأياما دراسية بالإشتراك مع المؤسسات والهياكل الوطنية والدولية ذات العلاقة بالشأن القضائي.

–               لجنة النجاعة والجودة، تقترح تطوير أساليب العمل القضائي وترصد الصعوبات التي تعوقه وتقدّم الحلول الكفيلة بتذليلها.
كما أعدّت الهيئة مشروع أمر للتنظيم الإداري والمالي مصحوبا بجدول تفصيلي لمشروع ميزانيتها. لكن هذا المشروع عطل كعادة الامور التي تتعلق بالهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي من قبل الحكومة. وقد اشترطت هذه الأخيرة في البداية ادخال تعديلات متعددة عليه. ثم اكتفت لاحقا ورغم الاستجابة لمطلبها بوضعه في رفوفها. ولم يرفع التجميد عن هذا الامر الا في 13 جانفي 2015  ليصدر الامر الخاص به ولتنطلق رحلة مصاعب تنفيذه.   

لم تتعاطَ السلطة السياسية التونسية مع الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي على أهميتها كما تعاطت مع الهيئات الدستورية المماثلة والتي تتمثل أساسا في هيئة الحقيقة والكرامة والهيئة العليا المستقلة للانتخابات. فقد ميزت الدولة بقية الهيئات بتوفير الامكانيات المادية والبشرية لتضطلع بدورها. ولا نبالغ اذا قلنا أن الهيئة الوقتية للقضاء العدلي جوبهت بالتهميش والحرمان من أبسط وسائل العمل التي تقتضيها الاستقلالية الإدارية والمالية التي اقرها لها القانون. لا بل أن وزير العدل الأسبق السيد نذير بن عمو  رفض صراحة عند أول اجتماع للهيئة توفير أبسط وسائل العمل لها من أوراق وأقلام بدعوى أن للهيئة استقلالها المالي. ويفسر رفضه هذا، ومن بعده التجاهل الطويل للحكومة للهيئة، بموقفه أمام المجلس الوطني التأسيسي حيث وصف الهيئة بأنها بناء فوضوي وجسم غريب عن القضاء.

ورغم التجاهل ومحاولات الافشال، فقد خططت الهيئة سير أعمالها والمشاريع التي تعتزم إنجازها لاصلاح المنظومة القضائية وتطويرها خلال مدة عملها وحققت ما استطاعت تحقيقه وخذلتها الإمكانيات المادية فيما لم تحققه. ويكشف استعرض عملها فيما يتعلق ببناء مؤسستها عن رؤيتها تلك وما توصلت اليه. ويمكن أن نفصّل المنجز في النقاط التالية:

الاطار الإداري
تضمّن الأمرعدد 761 لسنة 2015 المؤرخ في 13 جانفي 2015 والمتعلق بالتنظيم الإداري والمالي للهيئة الوقتية للقضاء العدلي احداث إدارة قارة بالهيئة تضم كتابة عامة ووحدتين وأربع مصالح ومكتب ضبط. وأعطي للكاتب العام صلاحية الاشراف على الكتابة العامة. كما تتألف الإدارة القارة للهيئة من وحدتين: وحدة الشؤون الإدارية والمالية والإعلامية، وهي تتركب من مصلحتين: مصلحة الشؤون الإدارية والمالية والمصلحة الإعلامية ووحدة التوثيق والأرشيف، وهي تتركب من مصلحتين: مصلحة التوثيق ومصلحة الأرشيف.

ولمزيد التفصيل، فان كل مصلحة والى جانب رئيسها تحتاج بدورها الى موظفين. غير أن هذا الأمر بقي دون تنفيذ لسببين:

–       أولا، صدوره متأخرا جداوهو ما حال دون تركيز الإدارة كما جاء بنصه.

–       ثانيا، وبعد أن تقرّر انتداب كاتب عام عن طريق الإلحاق لتسيير الفترة المتبقية من عمل الهيئة، لقي طلب الالحاق عزوفا مردّه قصر المدة المتبقية واستحالة إرساء هذه الإدارة الكبيرة للعمل لأشهر قليلة. فبقيت الهيئة تعمل في نفس السياق الذي بدأت به في 1772013 أي من دون تركيز ادارة ومن دون ميزانية ومن دون إدارة فعلية بل بمجهود أعضائها. فكان التسيير الإداري موزعا بين رئاسة الهيئة والمقرر العام لها وبالاستعانة أحيانا بأهل الخبرة من الإداريين، في حين تكفّل احد أعضاء الهيئة بتسيير إدارة العلاقات العامة مع المنظمات الأجنبية.

الإدارة الإعلامية
طمحت الهيئة منذ أول جلساتها أن يكون لها موقع واب متطور تنشر فيه جميع أعمالها وتتواصل من خلاله مع القضاة ويسهّل لها الاعداد للحركة القضائية. فاجتمعت مع أحد المختصين في الميدان واتفقت معه على رِؤيتها لهيكلية الموقع وعلى تكوين احد أعضاء الهيئة في التعامل مع الموقع وتسييره. ولكن انعدام الإمكانيات وعدم المصادقة على الأمر في وقته حال دون انجاز المشروع، فاكتفت الهيئة باحداث صفحة على الفايسبوك تنشر فيها بيانتها وقراراتها.

وخلال هذه السنة، وفي اطار التعاون بين الهيئة وبرنامج دعم اصلاح القضاء التابع للاتحاد الأوروبي، تم تركيز تطبيقة إعلامية خاصة بالاعداد للحركة من تبويب للمطالب طبق الخطط المطلوبة وطبق حاجيات المحكمة. وتم تكوين عضوين من الهيئة للتعامل مع هذه التطبيقة.

الأرشيف
ما بين وحدة الأرشيف والتوثيق التي أقرّها الأمر وبين الواقع اختلاف كبير ومؤلم.
فللهيئة ارشيف يشتمل في جزء كبير منه على طلبات القضاة خلال الحركات القضائية والمتعلقة بالنقل والترقية والخطط القضائية وكذلك في جزء آخر بيانات شخصية ومهنية للقضاة. كما يشتمل على مراسلات الهيئة سواء الموجهة منها الى مسؤولي المحاكم أو الى المؤسسات الحكومية المختلفة أم الواردة من هذه المؤسسات ومنها ما هو "سري".

ويشتمل الأرشيف أيضا على النسخ الاصلية من مقررات الهيئة المتعلقة بالمسار المهني للقضاة الى جانب محاضر الاجتماعات والبيانات والبلاغات. وبغياب المعالجة العلمية والمختصة، يبقى أرشيف الهيئة مرتبا حسب المحاكم الاستئنافية المعنية ومحفوظا في علب عادية في مقر الهيئة. وتبقى الوثائق السرية والمراسلات الواردة من المؤسسات الحكومية محفوظة لدى رئيس الهيئة. أما الوثائق الإلكترونية المتعلقة بمقررات الهيئة وبياناتها، فتبقى محفوظة لدى المقررة العامة.
 
تمويل نشاط الهيئة
رغم أن قانون المالية لسنة 2014 رصد للهيئة ميزانية خاصة، الا ان التصرّف فيها بقي معلّقا على إيجاد مقر خاص وعلى انتداب كاتب عام يتولى إرساء إدارة قارة للهيئة. وتبعا لما تقدم، لم تستطع الهيئة التصرف في الاعتمادات المرصودة لها. وقد لاقت صعوبات في مجابهة الحاجيات البسيطة لتسييرها العادي وأحيانا للقيام بواجب ضيافة زائريها من الخبراء الأجانب، فالتجأت في هذا الامر الى تمويل ذاتي ودوري من أعضائها.
 أما فيما عدا، ذلك فقد تولت بعض المنظمات الدولية تمويل الملتقيات العلمية التي أشرفت عليها الهيئة وتمويل زيارات أعضائها لمختلف محاكم الجمهورية، كذلك تمويل تركيز تطبيقة إعلامية وتوفير حاسوب وآلة ناسخة لمقر الهيئة.

 ختاما، وفي محصلة عامين من عمل الهيئة تمت فيها عرقلة تركيزها ومنعها من أداء مهامها ومحاولة الغاء دورها بالاستلاء على اختصاصها، بالامكان القول أن الهيئة نجحت في الصمود بارادة أعضائها  ورغبتهم بتركيزها كهيكل مستقل عن وزارة العدل، لتكون اللبنة التي تصلح كأساس للمجلس الأعلى للقضاء.

عضو الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية