صرف المئات من الجامعة الأميركية في بيروت: لبنان يقترب من رقم المليون عاطل عن العمل


2020-07-21    |   

صرف المئات من الجامعة الأميركية في بيروت: لبنان يقترب من رقم المليون عاطل عن العمل
من صفحة الصحافي سلمان العنداري على تويتر


“عندي قلق كبير. بالنسبة لبكرا شو؟ ما بعرف يمكن للمجهول، أكيد قلقان وزعلت كتير. مرقنا قبل بكتير إيام صعبة وقت الحرب الأهلية والإجتياح الإسرائيلي بس ضلّينا صامدين. هيي لي ما بحياتها أخدت قرار متل هيدا بحق موظفينها ليه هلأ وبظرف شهرين بدها تأفلس؟” بهذه الكلمات عبّر أحد موظفي مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت عن حزنه الشديد تجاه قرار الجامعة الأميركية صرف حوالي 600 موظف وعامل لديها، هو الّذي أخلص في عمله لعقود، قبل أنّ يصبح خارج مؤسسته بحجة التحديات المالية الصعبة التي تواجهها نتيجة تردّي الأوضاع الإقتصادية في البلاد.

وأضاف الموظف الّذي فضل عدم الإفصاح عن إسمه: “لو عارفين ح نوصل لهون، ما كنا كفّينا، نحنا كنا عم نحافظ ع عمل المستشفى اللي مننتمي لإلها، بس هني بالنهاية صرفونا”. 

خرج الموظّف ومثله كثر من مؤسسة عمل فيها سنوات، مع بضعة ملايين ليرة لا تكفي لتأمين قوت أيامهم لأشهر قليلة مقبلة، في ظل غلاء الأسعار وانخفاض قيمة العملة الوطنية. وفور إعلامهم الخبر، تجمّع بعضهم على مدخل المستشفى في وقفة إحتجاجية وبعضهم الآخر فضل الانسحاب بصمت، فيما استعانت إدارة الجامعة بمؤازرة عسكرية تخوّفاً من أيّ رد فعل بعد إبلاغ الموظفين خبر صرفهم. وبهذا الإجراء، خسرت مئات العائلات مدخولاً أساسياً كان يعيلها والأسوأ أنّ لا فرص عمل متاحة راهناً ولا على المدى القريب حتى.

يقول الموظفون إنّ رسالة وصلتهم على بريدهم الإلكتروني أبلغوا فيها بضرورة الحضور إلى عملهم باكراً في 17 تموز/يوليو الحالي، وفي اليوم نفسه فصلت أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم عن شبكة الإنترنت.

وفي مستند من صفحة واحدة، أعطاه للمصروفين، قال المستشفى إنّه اتّخذ جميع الإجراءات القانونية سواء مع نقابة عمال ومستخدمي الجامعة الأميركية في بيروت أو مع الجهات الرسمية المعنية، وإنهم لجأوا إلى التحكيم النهائي في وزارة العمل الّذي نتج عنه رزمة تعويضات تختلف بحسب سنوات الخدمة.

ويوضح رئيس النقابة جورج الجردي لـ”المفكرة” إنّ “العلاقة بين النقابة والإدارة لم تكن جيدة في الشهرين الأخيرين. المفاوضات فشلت معها، فتمّ اللجوء إلى الوساطة في وزارة العمل لكن الأمر فشل أيضاً، ووصلوا في النهاية إلى التحكيم وصدر إثر ذلك القرار المسنود إلى المادة 50 من قانون العمل (التي تنظّم مسألة الصّرف التعسّفي)”.

ويضيف الجردي “تمكنّا من تحصيل بعض الحقوق للموظّفين المصروفين الّذين بلغ عددهم 623 موظفاً، بالتعويض عليهم من 6 أشهر الى 24 شهراً، وفق سنوات الخدمة. كما استطعنا الإبقاء على التأمين الصحي لمن فاقت خدمته في الجامعة 15 عاماً، والسماح لمن تخطّى الـ59 عاماً من العمر بأن يكمل أولاده تعليمهم في الجامعة الأميركية. ووضعنا بنداً أساسياً بأنّ ينفّذ قرار الصّرف لمرّة واحدة وأخيرة بحق الموظفين”، ما يعني أنّ لا مصروفين إضافيين في المستشفى والصرح التعليمي.

إلّا أنّ هذه المقاربة لم تلق ترحيباً من جميع الموظفين المصروفين الذين انتقدوا أداء النقابة، وقال أحدهم إنّه كان يفترض بها أن تدعو إلى مؤتمر عام تشرح فيه تفاصيل التفاوض مع الإدارة، لافتاً إلى الثغرة الكبيرة التي وقعت فيها النقابة وهي قيمة التعويضات المنخفضة جرّاء انخفاض قيمة العملة الوطنية.

واعتبرت نقابة الممرضات والممرضين في لبنان، في بيان أصدرته في اليوم نفسه لإعلان قرار الصرف، أنّ خطوة الجامعة الأميركية تنذر بكارثة، داعيةً إلى الحفاظ على الممرضين والممرضات الذين هم في خط الدفاع الأول عن المرضى ولا صحة من دونهم. 

ونفّذ عدد من مصروفي الجامعة الأميركية في بيروت وعدد من الداعمين والمتعاطفين مع قضيتهم، اعتصاماً بعد ظهر الإثنين في 20 تموز/يوليو أمام مدخل مستشفى الجامعة الأميركية في الحمرا. وانضمّت إلى المعتصمين مجموعة من رابطة أساتذة الجامعة وعدد من طلابها، إضافة إلى بعض المنظمات الشبابية الداعمة للمصروفين، مطلقين هتافات مندّدة بالقرار الّذي صدر عن إدارة الجامعة ودعوات لمحاسبة مسؤوليها مستغربين تقاعس الدولة عن اتخاذ موقف محدّد إزاء عملية الصّرف التي حصلت. بعدها توجّه المعتصمون في مسيرة نحو البوابة الأساسية للجامعة الاميركية في بيروت في شارع “بلِس” لاستكمال اعتصامهم، وسط هتافات تؤكّد حقوق العمال والموظّفين.

من جهتها قالت مدير عام وزارة العمل بالإنابة مارلين عطالله لـ”المفكرة”: “عندما تقدّمت إدارة الجامعة الأميركية بطلب تشاور لدى الوزارة، كان همّنا الأساسي خفض عدد الأشخاص الذين تنوي صرفهم والّذي كان كبيراً جداً، وتمكنّا في النهاية من فعل ذلك وكذلك تحصيل حقوق العاملين والعاملات وحصولهم على تعويض عادل”.

جو عام

مشهد صرف الموظفين في الجامعة الأميركية هو واحد ويتكرر يومياً في مؤسسات عدّة في لبنان، منذ بداية تردّي الأوضاع المعيشية والإقتصادية في البلاد التي دفعت آلاف المحتجّين إلى الخروج إلى الشوارع من الشمال إلى الجنوب وفي العاصمة بيروت، وقد أصبح هذا المشهد أكثر سوءاً بعد إغلاق البلاد نتيجة فيروس كورونا المستجد.

يقول أحد الموظفين المصروفين من أوتيل “غاليريا” (Galleria) لـ”المفكرة”: “باتت 60 عائلة في الطريق، بعد أن أوقفونا، أنا وموظفين آخرين (60 موظفاً)، عن  العمل بحجة الظروف القاهرة، وذلك عندما بدأت أزمة كورونا. أغلبنا عمل لديهم أكثر من 20 عاماً، وبعد كل هذا الوقت أرادوا الاستغناء عنّا وتعويضنا براتب أربعة أشهر”. ويضيف “لجأنا إلى وزارة العمل ويبدو أنّها لم تحقق شيئاً حتى الآن. ونناشد المعنيين إعطاءنا حقوقنا كاملة”.

يروي المحامي في المرصد الشعبي لمحاربة الفساد علي عباس لـ”المفكرة” كيف “كثرت شكاوى العمال والموظفين وطلب الاستشارة القانونية في الأشهر الماضية لدى المرصد، لاسيّما في فترة ما بعد إعادة فتح البلاد التي قُيّدت الحركة فيها بسبب كوفيد-19”. ويقول “بعض الناس يكتفون بتقديم طلب لدى وزارة العمل لفتح تحقيق، وبعضهم الآخر يرضون بتقاضي بدل أشهر الإنذار متنازلين عن حقوقهم، والغالبية تفضّل عدم اللجوء إلى المحاكم لأنّ القضايا تأخذ الكثير من الوقت إلى حين البتّ فيها”.

ويضيف: “اليوم باتت الغالبية المصروفة عاجزة عن دفع القروض لدى المصارف ومعرّضة لخسارة منازلها وسياراتها، لاسيّما أنّ مهلة عدم ملاحقة المتعثّرين في دفع القروض انتهت في 30 حزيران/يونيو الماضي ولم تتجدد. فيما وزارة العمل غائبة ووزارة الشؤون الإجتماعية المعني الأول بتلقّف حال هؤلاء ومساعدتهم على تخطي المرحلة غائبة أيضاً”.

وهنا يقول عباس “لا بدّ من تفعيل القضاء وتسريع المحاكمات من أجل استعادة ثقة الناس بالقضاء من جهة وكي لا يتمادى أرباب العمل في قضم حقوق الموظفين من جهة أخرى”.

ويشير عباس أيضاً إلى أنّ بعض المؤسسات لجأت إلى خفض أجور الموظفين لديها وتقليص حقوقهم أيضاً، وهم بذلك يستغلّون حاجة الموظف إلى العمل وعدم لجوئه إلى القضاء نتيجة انعدام الثقة فيه ما يجعله يرضى بالقليل. من جهة أخرى، هناك بعض المؤسسات التي تعثرت حقاً، وتدهورت أعمالها، ولأجل ذلك، لجأت إلى صرف الموظفين، لكن ذلك لا يلغي أنّ عليها الإلتزام بما نصّ عليه قانون العمل فيما يخص إعطاء كل موظف حقه”.   

وفي هذا السياق، تقول سارة التي تعمل في إحدى شركات المالية والتدقيق لـ”المفكرة”: “أتقاضى أقل من ربع راتبي، منذ بدء إجراءات تقييد حركة الناس بسبب فيروس كورونا المستجد. في البداية أخبرنا رب العمل بأن نعمل من المنزل وربما لوقت أقل من العادة. ولكن عودتنا للعمل إلى المكتب بدوام كامل لم تغيّر في الواقع شيئاً. كان راتبي ألف دولار واليوم أتقاضى 900 ألف ليرة لبنانية أي ما يعادل نحو 200 دولار أميركي وفق السعر المحدّد في المصارف”. وتضيف “راتبي هذا لا يكفي لدفع إيجار الغرفة التي أعيش فيها وأجرة المواصلات”، مشيرة إلى أنّها اضطرت للانتقال والعيش في سكن أقلّ كلفة عليها، وهي اليوم مهددة بخسارة حتى باقي راتبها إذا أراد رب العمل صرفها في أي لحظة.

وزارة العمل

من جهتها تؤكّد عطالله لـ”المفكرة” أنّ “عدد شكاوى العمال والموظفين تصاعد بشكل ملحوظ منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019، حتى الآن، إلّا أنّه ارتفع أكثر بعد إعادة فتح البلاد التي أغلقت بسبب فيروس كورونا المستجد”. وتضيف: “لقد تأثرت قطاعات كثيرة جرّاء الأزمة الإقتصادية في البلاد وفيروس كورونا حيث تمّ إنهاء أعمال الكثير من الأجراء، لاسيّما في قطاع السياحة والفنادق والمصارف والشركات التجارية والمستشفيات والمدارس الخاصة”.

وتتابع أنّ “عدد المصروفين في الأشهر القلية الماضية بلغ 6500 أجير وهذا الرقم لا يعكس حقيقة الواقع، إذ لا يلجأ البعض إلى وزارة العمل من أجل تحصيل حقوقهم ويقوم البعض الآخر بحلّ الأمر ودّياً مع المؤسسة التي يعمل لديها”.

ووفق عطالله “تقوم الوزارة عادة بالنظر في شكاوى الأجير، والسعي إلى حلّ المشكلة ودّياً والتوصّل إلى تسوية، وتحصيل حقوقهم، وفي حال كانت حجة أرباب العمل تردّي الأوضاع الإقتصادية فإن الوزارة تتحرّى صحة الأسباب التي أدّت إلى اتخاذ هذا الإجراء. أما في حال طلب أرباب العمل التشاور مع الوزارة لإنهاء العقود، تكون الأولوية لدينا تأمين استمرارية عمل أكبر عدد من الموجودين وتحصيل التعويضات للمصروفين”.

مليون شخص بلا عمل

مشهد صرف الموظفين والعاملين في الجامعة الأميركية، يعيدنا إلى ما قبل شهرين تقريباً، حين قال الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين “هناك توقعات بأن يصل عدد العاطلين عن العمل في لبنان إلى مليون تقريباً، مع حلول شهر أيلول/سبتمبر المقبل.

هذا السيناريو لا يزال قائماً، بحسب شمس الدين الّذي يقول لـ”المفكرة”: “منذ أعلنّا عن هذا السيناريو الّذي يعدّ الأسوأ، لم يتبدّل شيء، وما حصل في الجامعة الأميركية يؤكّد أنّنا ذاهبون إلى رقم المليون، إذْ لم تتوفر أيّة معطيات تشير إلى حصول عكس ذلك في لبنان”. ويضيف: “ظاهرة صرف الموظفين ستنسحب على قطاعات كثيرة مثل القطاع التعليمي والسياحي وتجارة السيارات في الفترة المقبلة”، لافتاً إلى أنّ انخفاض المداخيل يعني فقراً أكثر وارتفاع نسب الجريمة.

وبحسب المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين، فإنّ الشكاوى كانت مرتفعة مع بداية هذا العام  وبدأت بالانخفاض تدريجياً الى أن باتت شبه معدومة أثناء فترة كورونا. ويوضح المرصد لـ”المفكرة” أنّ أعداد الشكاوى المسجلة لدى وزارة العمل تعدّ منخفضة حتى لو أنّها تصاعدت خلال الأشهر القليلة الماضية، ما يعبّر عن أنّ الناس لا تذهب كثيراً باتجاه الحل القانوني. وقد بلغت في فترة 17 تشرين الأول/أكتوبر وحتى آذار/مارس 4230 حالة وتتضمن حالات طلب تشاور.

الانعكاسات

هذا الواقع من شأنه أنّ ينعكس سلباً على المجتمع والمستوى المعيشي والإقتصادي، بحسب الخبير الإقتصادي جان طويلة الذي يقول لـ”المفكرة” إنّ “صرف الموظّفين من شأنه أن يظهر مدى تأثر المؤسسات الخاصة في مختلف القطاعات بالظروف المالية الصعبة التي تمر بها البلاد، ما ينتج عنه بالطبع صرف عدد من الموظفين، لكن من جهة أخرى سيكون لهذا الصرف تبعاته الكبيرة إجتماعياً”.

وبحسب طويلة “سيؤدّي هذا الصرف إلى حصول الموظفين المصروفين على خدمات متردّية من تعليم وطبابة، فيما كان يفترض حصولهم على خدمات حكومية جيدة كي يتخطون المرحلة الراهنة، مثل معظم دول العالم”.

ويضيف: “صرف موظفين يعني فقراً وتفلّتاً وجريمة وحرماناً أكثر. ويتسبّب أيضاً بموجة جديدة من الهجرة الى الخارج ليس فقط من فئة الشباب الّذين يهاجرون طلباً للعلم أو فرصة عمل وإنما من قبل أصحاب الكفاءات الّذين سيهاجرون طلباً لحياة كريمة تكون أفضل، ما سيكون له تبعاته ليس فقط على المدى القريب وإنما المتوسط والبعيد أيضاً على لبنان”.

انشر المقال

متوفر خلال:

تحقيقات ، حقوق العمال والنقابات ، قطاع خاص ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *