شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد لعاملات المنازل: تعطيل مبادرة جديدة للحدّ من ممارسات الاستعباد


2020-10-24    |   

شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد لعاملات المنازل: تعطيل مبادرة جديدة للحدّ من ممارسات الاستعباد
رسم رائد شرف

بتاريخ 14 تشرين الأول 2020، أصدر مجلس شورى الدولة قرارا بوقف تنفيذ قرارين صادرين عن وزيرة العمل لميا يمين: الأول اتصل بإقرار عقد العمل الموحّد الخاص بالعاملات والعمال في الخدمة المنزلية، والثاني بتحديد نسب الحسم من رواتب هؤلاء كتقديمات عينية، الصادرين تباعا في 8 أيلول و11 أيلول 2020. وكانت الدعوى قدمتها نقابة أصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل بتاريخ 21 أيلول 2020 على وجه السرعة، متذرعة فيها بأن القرارين يلحقان ضررا بليغا بقطاع استقدام العاملات. ويجدر التذكير هنا أن لمجلس شورى الدولة أن يوقف تنفيذ القرارات الإدارية “إذا تبين من ملف الدعوى أن التنفيذ قد يلحق بالمستدعي ضررا بليغا وأن المراجعة ترتكز إلى أسباب جدية مهمة”، وأنه عادة يفعل ذلك من دون تعليل على أساس أن القرار هو قرار إعدادي ومؤقت بانتظار انتهاء المحاكمة وأن من حقه الرجوع عنه في أي حين.

ويستدعي هذا القرار ملاحظات عدة، أبرزها الآتية:

– 

أولا، شورى الدولة يواصل إجهاض مبادرات الإصلاح: من يحمي الدولة؟

يأتي هذا القرار ضمن مجموعة من القرارات السلبية الصادرة عن المجلس بوقف تنفيذ مبادرات إصلاحية هامة سواء في الإدارة أو على صعيد الحقوق (منها قرار وقف تنفيذ قرار وزير التربية الوطنية بإنهاء تكليف ندى عويجان بمهام رئيسة المركز التربوي وقرار إبطال قرارات المديرة العامة للتعاونيات المتصلة بصندوق تعاضد الفنانين). ويظهر المجلس في هذه الحالات الثلاث الحاصلة كلها في الفصل الأخير وكأنه يتولى عملية إجهاض أي إصلاح في الإدارة أو في الحقوق التي تمنحها، وتاليا إحباط أي إرادة في هذا الاتجاه.

وما يزيد من قابلية هذا التوجه للنقد هو أن استجابة المجلس لطلبات وقف تنفيذ قرارات ذات طابع إصلاحيّ يوازيها في أحيان كثيرة رفض طلبات وقف تنفيذ قرارات تحتوي مخالفات فادحة للقانون وبعضها مدمّر لعناصر الطبيعة وصحة الناس، أهمها رد طلب وقف تنفيذ قرار السماح لشركات الإسمنت بإعادة تشغيل المقالع التابعة لها (صدر القرار في أيلول 2020 وأيضا من دون تعليل). ومن هنا، يجدر طرح السؤال الذي عنونت به “المفكرة القانونية” عددها الخاص عن مجلس شورى الدولة: من يحمي الدولة؟ أو بكلام أكثر تفصيلا من يحمي شرعية الدولة ووظائفها الأساسية في ضمان الصالح العام؟

ثانيا، من يدافع عن الدولة؟

كما سبق بيانه، لا يعلل مجلس شورى الدولة قرارات وقف التنفيذ التي يصدرها. لكن قبوله وقف التنفيذ إنما يعني أنه يعدّ أسناد الدعوى التي أدلت بها المستدعية (نقابة مكاتب الاستقدام) جدية وأن ثمة أرجحية لقبولها. وبمراجعة الملخص الوارد ضمن القرار لأسناد نقابة المكاتب، يظهر أنها تضمنت 10 أسناد استغرقت صفحتين ونصف منه، فيما أنه أشار في سطرين فقط إلى أن الدولة طلبت ردّ وقف التنفيذ لعدم توفر شروطه من دون أي تفصيل آخر. وهذا الأمر إنما يؤشر إلى أن هيئة القضايا (وهي الهيئة التي تمثّل الدولة في الدعاوى المقامة ضدّها) اكتفتْ بتقديم دفاع عمومي مُقتضب من دون مناقشة هذه الأسباب. كما لا يظهر في القرار أي إشارة إلى موقف وزارة العمل حيال الدعوى أو موقفها منها. ومن شأن هذا الأمر أن يُظهر مرّة أخرى قصوراً في دِفاع الدولة عن نفسها، وبخاصّة في المسائل الحقوقية أو العامة (أو بكلام آخر الإصلاجية)، أو بكلمة أخرى في المسائل التي لا يكون فيها لأي من القوى النافذة مصلحة ذاتية في االدفاع عنها. ومن هذا المنطلق، تجد أن ممثلي الدولة غالبا ما يدافعون بزخم عن القرارات التي تخدم مصالح فئوية وتحوم حولها شبهات فساد (كمراسيم إشغال الأملاك العامة أو رخصة بناء مبنى الإيدن باي مثلا)، فيما رصدت “المفكرة” مرات كثيرة انكفأ فيها هؤلاء عن الدفاع عن قرارات الإدارة العامة بحماية الصالح العام أي القرارات التي تدخل ضمن الوظائف الحقيقية للدولة. وهذا الأمر الذي دفعنا غالبا إلى التساؤل عمن يدافع حقيقة عن الدولة.

وما يزيد هذا التساؤل حدّةً هو أنّ هيئة القضايا أنكرتْ مرات عديدة صفة الجمعيات البيئية للطعن في القرارات التي تمسّ بالبيئة، كأنها تتنكر ليس فقط لدورها في الدفاع عن الصالح العام بل أيضا لدور أي كان في القيام بذلك.

ثالثا، تغليب مصالح مكاتب الاستقدام على درء مخاطر ارتكاب جنايات إتجار بالبشر:

أو تسفيه المخاطر العامة

الأمر الثالث الذي يستدعي التعليق هو نقص الحساسية الفاقع حيال ممارسات العمل القسري والإتجار بالبشر والاستعباد الحاصلة على قدم وساق في لبنان حيال هذه الفئة من العاملات، والتي وثقتها “المفكرة القانونية” في مقالات عدة كما وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية والدولية. وقبل المضي في تبيان ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسات ما كانت لتحصل وتستمر لولا ثلاثة عوامل: (1) استثناء العمل المنزلي من حماية قانون العمل سندا للمادة 7 منه، و(2) نظام الكفالة الذي يربط نظامية إقامة العاملة الأجنبية في لبنان بالعمل لدى شخص معين بمعنى أن وضعها يصبح غير قانوني ويتمّ ترحيلها في حال إنهاء عقد العمل لأيّ سبب من الأسباب، و(3) عدم توفر الحماية القضائية اللازمة لأسباب عدة أبرزها توقيف العاملة التي تترك العمل لأي سبب من الأسباب (ولو كانت معتدى عليها) واستجوابها وترحيلها قبل إحالة ملفها إلى القضاء أي من دون أن يتسنى لها حتى المثول أمامه. وهو أمر يؤدي إلى تحويل محاكمة العاملات إلى محاكمات غيابية، تغيب عنها روايات ما قد تعرضن له من معاناة.

وبفعل هذه العوامل، أشرنا مرات عدة إلى أن نظام الكفالة يصبح بمثابة امتياز إضافي يضيفه أصحاب العمل إلى سائر الامتيازات الواقعية التي يتمتعون بها في مواجهة فئة تتراكم فيها عوامل الضعف من دون أي حماية قانونية أو قضائية، وأنه نظام يؤدي عمليا ليس فقط إلى تسهيل إستغلال العاملة بل أيضا إلى ضمان إفلات ممارسات الاستغلال والإتجار من أي عقاب. وهكذا، وبدل أن تتدخل أجهزة الدولة لحماية الطرف الأضعف وإعادة بعض التوازن للعلاقة عملا بفلسفة قانون العمل، تراها تدخلت من خلال فرض نظام الكفالة إلى منح  الطرف الأقوى مزيدا من الامتيازات وعمليا سلطة مطلقة على كيان العاملة، مما أسهم في العديد من الحالات إلى توسيع ممارسات الإتجار بالبشر التي تشكل فئة من أخطر الجنايات.

وفيما سعى العقد الموحّد المطعون فيه إلى التخفيف من حدة هذا اللاتوازن من خلال تمكين العاملات من التمتع ببعض الحقوق الأساسية (القسم الأكبر منها بديهي كحق الخروج من المنزل أو يضمنه قانون العمل كالإجازة السنوية أو المرضية أو الحدّ الأقصى لساعات العمل)، وهي خطوة صغيرة ومحدودة للأمام، فقد جاء قرار مجلس شورى الدولة لينسف هذا الإنجاز رغم محدوديته ويعيد وضعية العمل المنزلي إلى نقطة الصفر.

وقد تبدّت لا حساسيّة المجلس من خلال سهْوه التامّ عن الواقع المعيوش. فهو لم ينظر أنه أمام عقد يسعى لدرء مخاطر ارتكاب جنايات كبرى غالبا ما تقترن بمواقف عنصرية وطبقية ولا إنسانية، بل غلب لديه الشعور بأنه أمام تدبير من شأنه الإضرار بمصالح قطاع مكاتب الاستقدام.

وقد تجلّى ذلك بداية في الاعتراف ضمناً بصفة نقابة مكاتب الاستقدام في الطعن في العقد الموحّد الذي يفترض أن ينظم العلاقة بين صاحب العمل والعاملة، وبخاصّة أن مطالب النقابة لم تقتصرْ على المطالبة بإبطال البنود المتصلة بها (وهي إثنتان فقط) بل توسعت لتشمل مجمل البنود الواردة في العقد الموحد.

وهذا ما نستشفه من اعتراضها على البنود المتصلة بوجوب تحديد ماهية العمل المنزلي الذي يشمله التعاقد أو فرض حدّ أدنى للأجور أو حدّ أقصى لساعات العمل أو مدة للراحة الأسبوعية (24 ساعة متواصلة) واليومية (9 ساعات متواصلة) والإجازات السنوية (15 يوما) والعطل ونهاية الخدمة (عدم جواز إنهاء العقد إلا بموجب إنذار قبل شهر). كما اعترضت المكاتب على إلزام صاحب العمل بدفع بطاقة السفر في حال فسخ العقد على خلفية خطأ مرتكب منه أو على اعتبار وفاة صاحب العمل سببا لإنهاء عقد العمل، وكأنها بذلك تعتبر العاملة جزء من تركة هذا الأخير. وقد رأت نقابة المكاتب أنّ فرض هذه الحقوق (وكلها مضمونة في قانون العمل وغالبها يشكل مسائل بديهية لمنع ارتكاب جناية العمل القسري) إنما يخلّ بالحرية التعاقدية للطرفين والمضمونة في قانون الموجبات والعقود، ويضرّ بها ضررا بليغا. وعليه، يتبدّى أنّ مجلس شورى الدولة اعتبر أن لمكاتب الاستقدام صفة للمطالبة بإبطال العقد الموحد، ليس على خلفية أنه يمس بوضعيتهم القانونية مباشرة، بل على خلفية أنه يرمي إلى تحسين شروط العمل المنزلي لصالح العاملة ويحدّ من امكانية استغلالها.

وهذا الأمر لا يمكن أن يفسر إلا بطريقة واحدة وهي أن المجلس اعتبر ضمنا ولكن بشكل أكيد أن القطاع يقوم على تأمين يد عاملة قابلة للإستغلال، وأن من شأن أيّ تحسين لأوضاعها أو مكافحة لامكانيات الاستغلال أن ينعكس سلبا على هذا القطاع وعلى الطلب على استقدام عاملات من الخارج. ولا نحتاج إلى الكثير من الجهد لنتبين أن قبول صفة المكاتب في هذا الخصوص إنما يعني في عمقه تسليما بمصالح لا يفترض أن تكون محمية قانونا، طالما أنها مصالح غير مشروعة، بما يناقض المادة 106 من نظام مجلس شورى الدولة التي تربط قبول الدعوى على توفر مصلحة مباشرة ومشروعة. وما يزيد من قابلية هذا الموقف للنقد هو أن المجلس أصدر العديد من القرارات برد صفة الجمعيات البيئية ومصلحتها في الطعن في قرارات بعضها تدميري للبيئة والآملاك العامة البحرية.

فضلا عن ذلك، نستشفّ نقص الحساسية لدى المجلس من اعتبار أسناد المكاتب المذكورة أعلاه جدية. فبذلك، يعلن المجلس أن حماية مصالح القطاع أبدى من حماية العمالة من الإستغلال الفادح والحد من مخاطر ارتكاب جنايات الإتجار بالبشر. وبذلك، يكون قد كبّر من المصلحة التجارية لهذه المكاتب وسفّه من الحقوق الأساسية للعاملات. تسفيه آخر للمخاطر العامة، يعادل في خطورته تسفيه الخطر العام الذي شهدناه من خلال تقاعس عدد كبير من إدارات الدولة عن اتخاذ أي موقف لدرء مخاطر الإفلاس المالي والاقتصادي أو مخاطر انفجار المرفأ أو مخاطر التلوث البيئي الحاصل في العديد من مناطق لبنان بما حولها أشبه بمناطق موت.

ولا يقلل من هذا تذرع المكاتب بأن وزيرة العمل اتخذت قرارها في فترة تصريف أعمال، طالما أن درء المخاطر وامكانيات ارتكاب جناية إتجار بالبشر أمر ملح وضروري في أي ظرف. كما لا يقلل من هذا تذرع المكاتب بأن وزيرة العمل اتخذت قرارا يدخل في صلاحية المجلس النيابي طالما أن لهذه الوزيرة صلاحية محفوظة لتحديد شروط الحصول على إجازة عمل، ومن بينها التوقيع على عقد عمل موحد.

بقي أن ندعو ختاما، وأمام خطورة هذا القرار ومنعا لمزيد من الاستغلال، إلى تشكيل أوسع جبهة حقوقية واجتماعية لمواجهة المكاتب أمام المجلس، في مواجهة باتت أكثر من ملحة: مواجهة ترمي في عمقها لإعلاء حقوق الناس ومنع تسفيهها.

 

للاطلاع على القرار اضغطوا هنا

 

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، حقوق العمال والنقابات ، عمل منزلي ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، قرارات قضائية ، قضاء ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مساواة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *