شوارع لا تكذب: لماذا شكّلت فلسطين قضية تعبئة دائمة في تونس؟


2023-10-18    |   

شوارع لا تكذب: لماذا شكّلت فلسطين قضية تعبئة دائمة في تونس؟
تصوير أحمد زروقي

حَالي حال أغلب أبناء جيلي، كانت أوّل مظاهرة شاركَت فيها، وأنا بالكاد أبلغ الأربعة عشر عاماً، مظاهرة من أجل فلسطين. حدَث ذلك مطلع القرن الحالي، حين خرجت الجموع غاضبةً في بلدتي الصحراوية البعيدة، بعد أن انتشرت في وسائل الإعلام صورة الطفل الفلسطيني الغزاوي محمد الدُرة، محتمياً بجسد والده النحيل خلف برميل، ولم تَسلَم روحه من فراق جسده الصغير برصاص الاحتلال. تعَاهدنا أنا وزملائي على الصراخ “فلسطين عربية”، عند اللحظة التي ستنتهي فيها إذاعة النشيد الوطني التونسي صباحاً في ساحة المعهد. لم أنسَ يوماً دوي تلك الصرخة. عندما أتذكر ذلك الصباح الخريفي تُصيبني قشعريرة، وأشعر أن الدماء تتدفق داخل شراييني ساخنةً، مثلما حدث تماماً في تلك اللحظة. القبضات مرفوعة في السماء، والشعارات الحماسية تَطرق الأسماع. تدفّق التلاميذ كالسيل وفتحوا بقوة بوابة المعهد الحديدية الضخمة، فيما كان المدير يزرع الساحة، محاولاً عبثاً، هو وأعوانه تطويق الحشد. لكن المظاهرة التي سلكَتْ طريقها لكي تلتحم بمظاهرة أخرى خرجت من معاهد أخرى، لم تتفرّق سوى بهراوات البوليس، وشعارات معادية للسلطة مدمَجة بشعارات ساخرة من الأنظمة العربية المتخاذلة. لنجد أنفسنا ضيوفاً، ولأول مرّة، في مركز الشرطة.

تحتفظ فلسطين بسحر لا ينفذ. يمتلك إيقاع الكلمة وشكلها وترتيب حروفها مغناطيس جذب، قادر على نحو دائم على لفت نظرك وسمعك. في الجزائر وليبيا وأغلب الدول العربية يحافظ هذا الوهج الفلسطيني على نفسه و لا يزيده الزمن إلا وهجاً. وربما نجد تفسيراً موضوعياً لذلك، إذ تلعب روابط الهوية الدينية واللغوية والثقافية دوراً كبيراً في ذلك. في دول المشرق العربي تُوجد مخيمات فلسطينية وفصائل مقاومة وثقافة وطنية فلسطينية شبه مترابطة مع ثقافات وطنية أردنية ولبنانية وسورية، وكذلك الروابط العرقية بينها وبين فلسطين أكثر عمقاً. وتوجد تجارب احتلالات صهيونية دامية، وتجارب صراع واحتكاك مباشر، كما في مصر ولبنان. في الجزائر، يُخيّم خيال الثورة دائماً، ومن خلاله يرى الجزائريون عالمهم. لذلك نجد حباً جزائرياً لفلسطين وقضيتها، وهو انعكاس نفسي وتاريخي للكفاح الوطني الجزائري ضد الإرادة الاستعمارية الفرنسية الإلغائية المُشَابهة في أوجه عديدة للإرادة الصهيونية الإلغائية القائمة في فلسطين. لكن في تونس، يحار المرء أحياناً في تفسير الارتباط الوجداني للشعب التونسي مع فلسطين. ربما يكون الأمر مرتبطاً باحتكاك مباشر مع القضية الفلسطينية خلال فترة وجود قيادة الثورة الفلسطينية في تونس بين 1982 و1994، أو ربمّا بسبب الاحتكاك المباشر مع العدو الإسرائيلي في وقائع كثيرة بدايةً من القصف الصهيوني لتونس في 1985 وصولاً إلى اغتيال المخترع التونسي محمد الزواري في 2016، مروراً بعمليات اغتيال نفّذها الموساد ضد قيادات فلسطينية على الأرض التونسية. إلى جانب روابط الدين والقومية يمكن أن يفسّر عامل الاحتكاك المباشر بالقضية والمحتل هذه العلاقة، بدايةً من ثمانينات القرن الفائت. لكن قوة العلاقة الشعبية التونسية بالقضية تعود إلى ما قبل الثمانينات، وتحديداً إلى النكبة وما قبلها قليلاً.

القضية والنظام

كان لافتاً الموقف الاستثنائي الذي اتّخذه الرئيس التّونسي قيس سعيد، في أعقاب انطلاق “طوفان الأقصى”. ربما بمراجعة سريعة لمواقف الأنظمة الحاكمة في تونس، يكون هذا الموقف الأكثر استثنائيةً والأعلى صوتاً في دعم القضية الفلسطينية. ارتبط النظام الحاكم في تونس، منذ ولادة الدولة المستقلة عام 1956، بالمعسكر الغربي. حيث ربط الحبيب بورقيبة بلاده بالولايات المتحدة الأمريكية، عكس ما كان جارياً في المشرق العربي وفي ليبيا والجزائر، حيث ارتبطت الأنظمة التي صبغت على نفسها اسم “الثورية” بالمعسكر الشرقي. ليس ذلك فقط، بل شَرَع بورقيبة، باكراً ومنذ الاستقلال، في نسج علاقات سرية مع إسرائيل. ثم بدايةً من عام 1965، طَرح رؤيته “الشاذة” عربياً لحلّ الصراع، على أرضية قبول قرار تقسيم فلسطين والاعتراف بإسرائيل ونبذ مسار الكفاح المسلح. وتحت ذرائع العقلانية والواقعية، كان بورقيبة يسعَى للبروز كحاكم عربي مُعتدل في نظر الغرب. وقد حقّقَ له ذلك الموقف استمرارية مديدة للدعم الأمريكي لنظامه، رغم أنه لم يكن يختلف في سلطويّته بشيء عن بقية الأنظمة العربية الحاكمة.

ورغم أنّه ساند الموقف العربي في مقاطعة مصر بعد توقيع الرئيس أنور السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل نهاية السبعينات، وشارك قبل ذلك بوحدات عسكرية في حرب 1973، ووافق على استضافة مقر الجامعة العربية، إلا أن موقف بورقيبة حافَظَ على “عقلانية صارمة” في مقاربة الصراع، ونَبذ شبه مزاجي لخيارات الكفاح المسلح، منطلقاً من ذريعة اختلال موازين القوى، لكنه كان في العمق معجباً على نحو نرجسي بتجربته في التخلّص من الاستعمار الفرنسي. كان بورقيبة واقعاً في فخ المماثلة بين الاستعمار التقليدي والاستعمار الصهيوني في فلسطين، وهو الموقف الذي عبّر عنه في مذكرة موقف مكتب المغرب العربي من قضية فلسطين، والذي كتبه وقدمه بنفسه إلى وفد لجنة التحقيق الأنجلو-أمريكية في مارس 1946. وقد حافظ لاحقًا على هذا التحليل للصراع، فلم تغيّر التطورات التي حصلت عام 1948 تحليله، متجاهلًا الطبيعة الجديدة لهذا النوع الجديد من الاحتلال. بل ولم تُغير التطورات الجذرية للصّراع على مدى عقود من موقفه ذلك[1].

خريف عام 1982، تغيّرت علاقة النظام التونسي بقضية فلسطين على نحو كبير، عندما وافق الرئيس بورقيبة على المشاركة في خطّة أمريكية لإبعاد المقاومة الفلسطينية من دول الطّوق، حيث دَفعَ الحصار الإسرائيلي لبيروت قيادة منظمة التحرير الفلسطيني للموافقة على مقترح المبعوث الأمريكي فيليب حبيب بالخروج في اتجاه تونس. شكّلَت تلك الخطة الخطوة الأولى في تمهيد الطريق نحو التسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتي ظهرت في عام 1993 بعد توقيع اتفاقية أوسلو. لكنها شكّلَت أيضاً إعلان نهاية خيار الكفاح المسلح. رأى بورقيبة في ذلك نصراً رمزياً له وموقفه الذي عَبّرَ عنه باكراً منتصف الستينات، كما وجدَ ياسر عرفات في منفاه التونسي وفي بورقيبة نموذجاً يمكن أن يعمَل من خلاله ضمن مساره الجديد وهو القبول بالتسوية. فقد أصبحت أفكار بورقيبة حول مرحلية النضال والقبول بالحدّ الأدنى لتحقيق الحدّ الأقصى تجد لهَا صدى لدى قطاع من النخبة السياسية الفلسطينية، لا سيما في قيادة حركة فتح وخاصة عرفات.

عكس ما كان جارياً في المشرق والجزائر وليبيا، لم يرفع النظام الحاكم في تونس شعارات الدفاع عن فلسطين، ولم يستعمل القضية كأداة لتوطيد شرعية حكمه ولا لترسيخ علاقات الولاء بينه وبين السكان. فقد أسّس بورقيبة منذ البداية نظامه على فكرة الانعزالية القُطرية، بوصف تونس أمة مستقلة بذاتها، لذلك كان همّه الوحيد هو عزلها عن أي قضايا خارجها، رافعاً وأنصاره دائماً شعارات “تونس أولاً”. وربّمَا لم يشذّ سلفه زين العابدين بن عليّ كثيراً عن هذا الطريق، رغم أنّه لم يكن يغلّف سياسته المنعزلة بغلاف إيديولوجي، ودشن بن علي بوابة التطبيع مع الكيان بداية من منتصف التسعينات حتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000، ثم مُحاولته استئناف العلاقات مع إسرائيل من خلال القمة العالمية للمعلومات عام 2005.

لكن في مسارٍ موازٍ كانت الأمور في الشوارع وفي الوجدان الشعبي تَسير على نحو معاكس تماماً.

من يحرّر من؟

بالضدّ من النظام الذي كان في الوجدان الشعبي مهادناً ومنحازاً للغرب، كانت الحركة الشعبية منحازة بقوة للقضية الفلسطينية. كانت دوافع الأجداد الذين سلكوا طريقهم للقتال ضد العصابات الصهيونية عام 1948 تُحركها النخوة القومية والشعور الديني. أما دوافع الأبناء والأحفاد فكانت أعمق من ذلك تجاه فلسطين. شكّلَت فلسطين في الحدّ الأدنى بالنسبة للحركة الشعبية، المُكوّنة من طيف واسع من الأحزاب والمجموعات والنقابات والاتحادات الطلابية والنسوية والحقوقية، دائماً الملاذ والذريعة والمسَاحة للصراخ في مواجهة النظام الحاكم. على العكس تماماً مما كان يعيشه السوريون والمصريون والعراقيون والليبيون والجزائريون، كانت القضية الفلسطينية بيد الحركة الشعبية لا بيد النظام.

بعد ساعاتٍ قليلةٍ من الهُجوم الإسرائيلي ضد سوريا ومصر وسيطرتها على الضفة الغربية وقطاع غزة في 1967، خرجَ التونسيون في مظاهرة حاشدة للمرة الأولى منذ سيطر بورقيبة على المجال والسكان في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 1962، إذ “نزل الطلاب من الجامعة رافعين شعارات معادية للولايات المتحدة الأميركية محمّلين إيَاها مسؤولية الهجوم الاسرائيلي الخاطف. وقد توجَه المتظاهرون نحو المركز الثقافي الأميركي الذي كان يقع في وسط المدينة، والذي لم تتمكَن عناصر الشرطة القليلة التي أرسلت بسرعة إلى المكان من الحؤول دون تخريبه وحرق العلم الأميركي للمرّة الأولى في تاريخ تونس”.[2] لقد كانت تلك المظاهرة بداية مرحلة من العصيان المديد للنظام، سيزدَاد قوةً في عقد السبعينات. ولكنها كانت أيضاً صرخةً قويةً ضد انحيازات النظام، التي لم تكن متاحةً خارج الاستعانة بقضية فلسطين كدافع شرعي للنزول إلى الشارع، الذي كان مُحرّماً آنذاك. سيزداد هذا الالتصاق بالقضية رُسوخاً وقوةً بعد القصف الذي تعرّضت له تونس من طرف الطائرات الإسرائيلية، مستهدفاً مقر منظمة التحرير الفلسطينية في الأول من أكتوبر 1985.

هذا النموذج من استعمال التونسيين لفلسطين لتحرير أنفسهم من حالة الطاعة المفروضة، سيتكرّر أكثر من مرة على مدى العقود الفاصلة بين هزيمة 67 وسقوط زين العابدين بن علي في 2011، وخلال الانتفاضة الأولى نهاية الثمانينات وخلال انتفاضة الأقصى بداية القرن الحالي. كما ستُشكّل خطوة التطبيع مع الكيان التي أقدم عليها بن علي في عام 1996 أداة إضافية للمعارضة للتشكيك في شرعية النظام. سيتعزّز هذا النهج، الذي يُحوّل فلسطين إلى أداة لتحرير الذات من ربق الطاعة، خلال العشرية الأولى من القرن الحالي، حيث استعانت الحركة الديمقراطية الحزبية والحركة الشعبية الطلابية والنقابية بفلسطين بوصفها فرصة لافتكاك ساحات الاحتجاج، وأداة لكسر احتكار حقّ التجمّع الذي كان بيد النظام من دون شريك. ظهر ذلك بوضوح في الاحتجاجات التي قادتها المعارضة ضدّ الزيارة التي كان سيقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، أرييل شارون إلى تونس، لحضور مؤتمر دولي لتكنولوجيا المعلومات عام 2005، والتي نجَحت في إفشال الزيارة وإحراج النظام، خاصة بعد تسرّب أخبارٍ عن لقاءات سرية عقدت بين وزيري خارجية إسرائيل سيلفان شالوم وتونس عبد الباقي الهرماسي ومسؤولين تونسيين لتجديد العلاقات التي انقطعت خلال انتفاضة الأقصى. ثم بلغ أوجَه في الاحتجاجات الشعبية التي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة بين ديسمبر 2008 ومنتصف جانفي 2009  -تزامنت مع انتفاضة الحوض المنجمي الداخلية سنة 2008- التي أدّت بشكل منهجي إلى تأثيرات مضاعفة على مشاهد الاحتجاج التونسية[3]، ومهّدت الطريق إلى احتجاجات نهاية عام 2010، التي تحولت في وقت قصير إلى انتفاضة شعبية نجَحَت في دفع بن علي إلى الهروب. لقد شكّلت تلك المظاهرات الداعمة لفلسطين، والتي حاول النظام أن يؤطرها ويحّتكرها دون أن ينجح في ذلك ساحة تدريب لتلك الحشود على كسر حظر التجمع والتظاهر، وكذلك على توفير الحد الأدنى من التقاطعات والقضايا المشتركة بين مختلف الأطراف السياسية والنقابية، كي تخرج بعد شهور ضد النظام دون التخفي وراء فلسطين وأعلامها.

رغم سقوط النظام حافظت فلسطين على حضور قوي في الوجدان التونسي، بسبب كونها أصبحت راسخةً بفعل الزمن أولاً، وتنامي سياسات الاحتلال العنصرية والقمعية ثانياً، وكذلك انفتاح التونسيين على نوافذ تلقّي المعلومات على نحو أوسع وأكثر عقماً بسبب تطورات التكنولوجيا. كما شكّلت سنوات ما بعد الثورة، سنوات احتكاك حقيقيّ بين التونسيين والفلسطينيين، من خلال زيارات شعبية وسياسية حرة بعيداً عن أي رقابة وتأطير سلطوي. أما اليوم فيستفيد قيس سعيد من دروس أسلافه. ويعي جيداً قوة هذا الوجدان التونسي تجاه فلسطين. ربما تقوم سياسته على “نوايا صادقة” في دعم فلسطين، لكنه قطعاً يستفيد بشكل كبير مما يجري ومن المواقف الاستثنائية التي تصدر عنه، في ترسيخ حُكمه  وتعزيز شعبيّته. 


[1] الحبيب بورقيبة – تونس والقضية الفلسطينية (1937 – 1965)، ص 24 – كتابة الدولة للأخبار والإرشاد – تونس 1966.

[2] – SOPHIE BESSIS -Cette matinée incandescente qui a scellé le destin des juifs de Tunisie – Orientxxi -15 JUIN 2017

[3] Larbi Chouikha et Vincent Geisser, « La fin d’un tabou : enjeux autour de la succession du président et dégradation du climat social », L’Année du Maghreb [En ligne], VI | 2010http://journals.openedition.org/anneemaghreb/922 ; DOI : https://doi.org/10.4000/anneemaghreb.922

انشر المقال

متوفر من خلال:

فئات مهمشة ، مقالات ، تونس ، حراكات اجتماعية ، فلسطين ، الحق في الحياة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية