شهور بعد التعديل: قانون حماية بيانات ضحايا التحرّش.. كأنّه لم يكن!


2021-01-29    |   

شهور بعد التعديل: قانون حماية بيانات ضحايا التحرّش.. كأنّه لم يكن!

الخميس 12 ديسمبر 2020، نشرت فتاة على موقع تويتر، تسمّي نفسها “بسنت”، تفاصيل تعرّضها للتحرّش الجنسي من قِبل العشرات في مدينة ميت غمر في محافظة الدقهلية. تحوّلت القضية سريعاً إلى قضية رأي عامّ بعدما قبضت الشرطة على سبعة متّهمين وأمرت النيابة بحبسهم 15 يومًا على ذمّة التحقيق.

نُشرت بيانات “بسنت” في بعض الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، فتلقّت، نتيجة ذلك، تهديدات بالقتل والحرق من قِبل أطراف على صلة بالمحبوسين. وقالت “‏أنا بطلب من أي حد عنده رأفة أو إنسانية يساعدني، أنا تعرضت لتحرش جماعي ولما فكرت أعمل بلاغ هددوني بالقتل والحرق بمياه النار، دلوقتي خدوا صوري الشخصية على اكاونت انستجرام اللي بالمناسبة برايڤت وقدموا بيها بلاغ وهتحبس، أنا ضحية ليه اتحبس”، في إشارة إلى البلاغ الذي قدّمه محامي المتّهمين بادّعاء تحريضها على الفسق والفجور، مستعيناً بصور شخصية للمجني عليها.

يُعدّ نشر بيانات ضحايا العنف الجنسي أحد أسباب إحجامهنّ عن الإبلاغ عن هذه الحوادث لِما يترتّب عليه من تتبّع المتّهمين للضحية، بالإضافة إلى الخوف من الوصمة المجتمعية.

تُلام الأنثى في حوادث التحرّش الفردي أو الجماعي باعتبارها السبب في إثارة الشباب ودفعِهِم إلى التحرّش فيها. ويُعدّ ما حدث مع “بسنت” عنفاً مضاعفاً، إذ هدّدتها أطراف على صلة بالمتّهمين، منهم محاميهم، بالقتل والتشويه، بالإضافة إلى نشر بياناتها على المواقع الصحافية.

تسريب بيانات وتهديد الضحية

كان يُفترَض أن تأخذ قضية “بسنت” منحى آخر عقب تعديلات قانون الإجراءات الجنائية التي تنصّ على حفظ بيانات وخصوصية الناجية. وأكّدت مديرة مكتب شكاوى المجلس القومي للمرأة أنّ قانون حماية البيانات الشخصية والمعلومات يحمي بيانات “بسنت” وأنّ المجلس يدعمها قانونيًا. رغم ذلك، انتشرت بياناتها بشكل واسع؛ إذ تسابقت المواقع الإخبارية على نشرها مع صورها، بينما أخفت هوية المتّهمين الذكور وأشارت إليهم بالأحرف الأولى. وصار معروفاً أنّ “بسنت” كانت تخفي هويّتها الحقيقية على مواقع التواصل الاجتماعي ولم تكشفها إلا للجهات الرسمية.

بثّ محامي المتّهمين هاني عبادة، عقب القبض عليهم في 15 ديسمبر 2020، ثلاثة مقاطع فيديو على صفحته على “فيسبوك”، هاجم فيها الفتاة وطالبها بالتنازل عن القضية ملقياً اللوم عليها ومعتبراً أنّ ملابسها المثيرة سبب التحرش. فقال: “خلقتي حالة على مواقع التواصل ليس لها معنى، ارجعي عن اللي في دماغك، وأهالي العيال مش هيتعرضولك بأي أذى”.

ظهر محامي المتّهمين في الفيديو ممسكًا بهاتف آخر ادّعى احتواءه مقاطع فيديو وصور لـ “بسنت” وامتلاكه، دون غيره، مقاطع فيديو أخرى، متابعاً: “الفيديو ده مش مع حد وارجعي للنيابة عشان انتي واحدة على الطريق وبتسافري”؛ في تهديد صريح لها.

مَن يحاسب محامي المتّهمين؟

يقول مدير مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية المحامي رضا الدنبوقي[1] للمفكّرة القانونية: يُعَدّ ما ارتكبه محامي المتّهمين في حقّ “بسنت” انتهاكاً لقانون حماية البيانات الشخصية الذي يجرّم نشر المعلومات الشخصية، إضافة إلى أنّه مؤتمَن، بموجب المادة 310 من قانون العقوبات[2]، على حفظ بياناتها سواء كانت ناجية أو ضحية أو شاهدة.

تتيح كل من المادة 52 من قانون المحاماة، والمادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية، لمحامي المتّهم الاطّلاع على أوراق الدعوى كافّة خلال إجراءات التقاضي، وذلك في أثناء ممارسة عمله وتكوين دفاعه لكن تمنعه من مشاركة هذه البيانات مع الإعلام أو ذوي المتّهمين. ويُعدّ إخلال المحامي بتلك الموادّ جريمة إفشاء أسرار يعاقَب عليها وفقاً للمادّة 310 من قانون العقوبات، كما أشرنا.

وترى الحقوقية سارة بيصر[3]، مديرة مركز زيتونة لحقوق الطفل ودعم المرأة، أنّ فعل المحامي مُجرَّم لأنّه أخلّ بمبدأ خصوصية وحماية البيانات الشخصية الذي يطبَّق على فئات كثيرة بما فيها الشهود والمجني عليهم.

وأضافت أنّ في أغسطس 2020 أضيفت مادّة جديدة (رقم 113 مكرّر) إلى قانون الإجراءات الجنائية تحظر الإفصاح عن بيانات المجني عليهنّ في جرائم التحرّش الجنسي وهتك العرض وإفساد الأخلاق إلّا لذوي الشأن، وهم المتّهمون ومحاموهم.

ويعلّق الدنبوقي على الانتهاكات التي ارتكبها محامي المتّهمين قائلاً إنّ النيابة العامّة والمجني عليها صاحبتا مصلحة، بالتالي بإمكانهما اتّخاذ خطوات قانونية ضدّه. وإنّ لدى نقابة المحامين دوراً تؤدّيه، لأنّه ينتمي إليها، لكنّها لا تهتمّ بقضايا العنف ضد المرأة، علماً أنّ فعله يحرّض على الكراهية ويعرّضه إلى جزاء تأديبي والإحالة إلى النيابة العامّة إذا ما فعّلت النقابة أدواتها. وإذا نشر أيّ صورة أو فيديو بدون إذن الفتاة يمكن أن يعاقَب بالحبس سبع سنوات.

مَن المسؤول عن تسريب بيانات الضحايا؟

“في مصر لا يوجد سرية بيانات” تقول سارة بيصر، وتؤكّد أنّ تسريب البيانات الشخصية سيستمرّ إن لم تتم المساءلة القانونية من قِبل المجني عليهنّ، أو مَن تضرّر، ضدّ الجهة أو الطرف الذي سرّب البيانات، ومقاضاة الجهة الأكثر إثارة للشكّ، مثل الشرطة أو وزارة العدل أو محامي الجناة. إذا لم تهتمّ المجني عليها بمشكلة تسريب البيانات “الموضوع هيستمر”، وفي الغالب هذا ما يحدث لأنّها “تكون مشغولة بحلّ مشاكلها المجتمعية التي ظهرت عقب الإبلاغ”.

تسريب بيانات القضايا بشكل عامّ ليس صعباً في مصر، إذ يقول الدنبوقي: “يستطيع محامي المتّهمين أن يطّلع على بيانات الضحية لأنّه صاحب صفة ويمكن أن تتسرّب البيانات من جهته، ومن جهة أخرى يمكن لأيّ شخص الحصول على المعلومات من سكرتير الجلسة، كما يمكن أن يحصل أيّ محام على صور طبق الأصل من أيّ قضية بعد تقديم طلب إلى قلم النسخ في المحكمة ودفع الرسوم المالية”.

لا ترى سارة بيصر الإشكالية في القانون إنّما في تطبيقه، فتقول: “القانون موجود والتعديل لن يوقف تسريب البيانات، بخاصّة بعدما انتشرت صور وفيديوهات ضحايا وشهود قضية الفيرمونت، بدون معرفة جهة التسريب. يوجد دائماً قانون يجرّم المشكلة، لكن لا أحد يتبع أو يطبّق القانون، ويرى البعض أنّ القانون ليس نصّاً مقدّساً. علاوة على ذلك، ليس ثمّة آلية لمنع التسريب، والضحية/الناجية تنشغل بمعالجة مشاكلها التي حدثت عقب الجريمة”.

في السياق ذاته، كشف مصدر حقوقي عمل على قضايا عنف ضدّ المرأة، فضّل إخفاء هويته[4]، للمفكّرة، أنّ المعلومات الشخصية تُسرَّب من جهتين؛ الأولى، جهة الضبط والإحضار (أي الشرطة)، حيث يسرّبها ضابط يريد الظهور في الإعلام فيشارك بيانات الشهود أو الضحايا الشخصية، وهذا يحدث في قضايا عدة؛ الثانية، تكون عبر أحد الأفراد في النيابة العامة. تشارك الجهتان المعلومات في النهاية مع الصحافي الذي يشترك في المخالفة بنشر تلك البيانات.

انتهاكات إعلامية

رصدت مؤسّسة نظرة للدراسات النسوية، انتهاك وسائل الإعلام الحقّ في الخصوصية في عشرات القضايا عبر نشر بيانات وصور الناجيات من العنف. وترى أنّ من شأن تلك الانتهاكات إجهاض أيّ محاولة من قِبل الدولة أو المنظّمات والمجموعات النسوية والمبادرات الفردية الإيجابية للنساء والفتيات في التصدّي لهذه الجرائم. وتشير إلى أنّ تلك الممارسات تتعارض مع ميثاق الشرف الصحفي والآداب المهنية وتشكّل جرائم في حقّ الناجيات تستوجب العقوبة طبقاً لقانون الصحافة رقم 96 لسنة 1996[5].

ويقول المصدر الذي فضّل إخفاء هويته[6]، في شأن نشر بيانات المبلِّغات عن العنف، إنّ معظم الأخبار المتعلّقة بتحرّش جنسي أو عنف ضد المرأة تنشر بيانات الضحية بالكامل، مثل ما حدث مع الفتيات اللاتي قُبض عليهنّ بسبب تطبيق “تيك توك” أو قضية “بسنت” الأخيرة. فقد نشرت غالبية المواقع الصحافية الاسم الثلاثي للفتاة وسنّها ومحلّ إقامتها ودراستها، وهي بيانات لا تتوفّر إلّا لدى جهتين، الشرطة والنيابة العامّة.

إضافة إلى نشر تفاصيل التحقيقات الذي يُعدّ مخالفة قانونية يهدّد كشفُ هويّة الناجيات حياتهنّ ويدمّر مستقبلهنّ ومستقبل ذويهنّ بشكل جدّي. وتنتهج وسائل إعلام عدّة سبل التشهير في قضايا العنف ضد المرأة، ممّا يعرّض الناجية إلى التهديد من قِبل أهالي المجرمين للتراجع أو التنازل عن السير في إجراءات التقاضي، وأحياناً تقع تحت تهديد ذوي السطوة والنفوذ.

يعلّق الدنبوقي على نشر الصحف بيانات الناجيات: الصحيفة والصحافي شركاء في الانتهاك، ونشر بيانات وصور الناجيات مخالف لقوانين العقوبات وميثاق الشرف الصحفي والإعلامي.

 

  1. محادثة على موقع التواصل الاجتماعي؛ 5 يناير 2021.
  2. تنصّ المادة 310 من قانون العقوبات على: “كل من كان من الأطباء أو الصيادلة أو القوابل أو غيرهم مودعاً إليه بمقتضى صناعته أو وظيفته سر خصوصي ائتمن عليه فأفشاه في غير الأحوال الذي يلزمه القانون فيها بتبليغ ذلك يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري”.
  3. مكالمة هاتفية؛ 6 يناير 2021.
  4. بناء على رغبة المصدر؛ مكالمة هاتفية؛ 7 يناير 2021.
  5. المادّة 18 من قانون 96 لسنة 1996، “يلتزم الصحفي فيما ينشره بالمبادئ والقيم التي يتضمنها الدستور وبأحكام القانون مستمسكا في كل أعماله بمقتضيات الشرف والأمانة والصدق وآداب المهنة وتقاليدها بما يحفظ للمجتمع مثله وقيمه وبما لا ينتهك حقا من حقوق المواطنين أو يمس إحدى حرياتهم”.
  6. المصدر السابق.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الخصوصية ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حريات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة تونس ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مصر ، مقالات



لتعليقاتكم