شهادة صاحبة عمل لبنانية: هكذا أردت التبليغ عن عاملة “مفقودة”


2014-02-28    |   

شهادة صاحبة عمل لبنانية: هكذا أردت التبليغ عن عاملة “مفقودة”

جاءتنا من مواطنة الشهادة الآتية التي ننشرها كاملة لأهميتها في الإضاءة على جوانب عدة من عمل الضابطة العدلية والنيابات العامة في التعامل مع عاملات المنازل (المحرر).

بتاريخ 26-2-2014، فُقدت العاملة الاثيوبية ت.غ. التي تعمل في منزل عائلتي بعد ان كانت قد توجهت الى احدى شركات لتحويل الاموال التي تبعد ما يقارب العشر دقائق عن المنزل. وبعد عملية تفتيش مضنية، توجهت الى أقرب مخفر للدرك لتقديم بلاغ عن مفقود لان كل دلالات الحادثة حسبما أعرف تبين ان مكروها حصل للعاملة وخصوصا انها غير متمكنة من المنطقة وشوارعها. وعند وصولي الى المخفر، بصحبة ابنة عمي، بدأ “مسلسل كوميدي” هو أقرب الى المهزلة. فأول ما دخلنا الى المخفر استقبلنا أحد المعاونين فيما ظل المعاون الاخر مستلقيا على احدى الكنبات يستمع للاغاني عبر هاتفه ومن خلال التلفاز بصوت عال جداً لدرجة انني اضطررت ان أطلب منه ان يخفض الصوت الا انه اجابني بكل فظاظة “ولوو هيدا فيديو من المانيا بدي اسمعو”. وطبعاً اضطررت الى الصراخ في الجزء الاكبر من وجودي في المخفر لكي يسمع زملاؤه شكواي. المهم، بدأت أروي القصة بان العاملة لدينا “ضايعة” واننا في المنزل قلقون من ان مكروها قد أصابها، فقاطعني أحد اشخاص الضابطة العدلية هناك قائلاً ” قصدك هربت”. فأكدت لهم انني لا اعتقد أبدا أنها أرادت ترك البيت خصوصا ان العاملة غير ضليعه بشوارع المنطقة ولا تعلم الى اين ستتجه اذا غادرت ولا أصحاب لديها ولا معارف لمساعدتها. فيقاطعني احدى زملائه الاخرين  الموجودين في المخفر (كان المجموع ما يقارب الستة رجال، شارك ما يقارب الاربعة في آرائهم “النيرة”) سائلاً “ما بتروح تحكي بالسنترال؟”، فأجبته بنعم.. فرد ” شفتي هاي هيي، أكيد متعرفه على حدا ولعبلا براسها”. ثم سألني اخر” شو اخذت معاها، سرقت شيء؟” فاجبت ” ولا شيء ابداً بس جواز السفر والاقامة”. فيقاطعني مرة ثانية” خلص بيّنت”. فاوضحت ” لا، لا، هودي دائما معها وبيطلبوهن منها لاجراءات تحويل معاشها، البنت بسيطة وعلى قد حالها ما معقول تفل”. يرد زميله بوقاحة “انت البسيطة، لك هول كلن مثل بعض بيجو تيشتغلوا على الساعة”. صراحة، اصبت بالذهول من هذه الافكار المسبقة المترسخة في أذهان رجال الامن هؤلاء وعدم أخذ هذه الحادثة على محمل الجد في ظل خطر قد يكون شديدا وكبيرا يترصد بالعاملة وحياتها. ولكنني مع ذلك بقيت مصرة على فتح محضر “للتبليغ عن مفقودة” الا اني فوجئت بالجواب “يجب ان نسأل النائب العام اذا بالامكان فتح المحضر”. لم افهم هذا التلكوء غير المبرر في البداية الا بعد ان قال أحدهم لي “بكون بدو يشوف اذا احسن تقدمي شكوى بالنيابة العامة هيك بحولها للامن العام”. وحيث انني على علم ان الامن العام يعني توقيف العاملة وحبسها والادعاء عليها بجرم الفرار، فثرت قائلة “يا عمي كتبلي هل بلاغ ما بدي ادعي بشي على البنت بدي دورية تفتش معي بهل الليل عليها”. وهنا وصلت المهزلة أوجها حيث توالى النصح لي بان اعود الى منزلي ولا اقلق لانهم متأكدون بان العاملة “فرت”، داعمين استنتاجهم بروايات عن عاملات اجنبيات انتحرن او هربن من المنازل فيما رب المنزل لم يقصر بحقهم ابداً. فقال لي احدهم ” هودي بيجو مريضين ومش طبيعيين او بيجو وحاطين براسن يهربوا ويشتغلوا برة”. وعلى هامش ذلك، كنت اسمع صراخا وضجيجا يأتي من غرفة في الداخل فظننت ان الضباط يتمازحون، فسألت أحد المعاونين “شو هل اللعب العنيف؟!خ” فأجاب لذهولي “لاء هيدا ضرب، عم يضربو مسجون”. في هذا الوقت كان المدعي العام في بعبدا “ج.ع.” قد اعطى قراره، المستهجن وغير المفهوم، بان لا يفتحوا محضر للبلاغ عن مفقودة وانما اعطى تعليماته بان اذهب في اليوم التالي الى النيابة العامة في بعبدا وأقدم شكوى بالعاملة امامها. هكذا دون اي تبرير ومع غياب اي تعليل لهذا القرار، بل فقط مضيفاً ” اصلاً المعلومات يلي معك عن العاملة غير كافية، بدنا اسم والدها او والدتها.. صوري باقي الباسبور”. وعندما اجبت ان اوراق العاملة الرسمية كانت تبقى معها وليس لدينا صور عنها اجاب ” ايه ما فينا نعملك شيء، كان لازم يضلو معكن”. فاجبته ” انت هلق ما بتقبل تعمل محضر، وبعدين اذا صار شيء انت نفسك حتقلي ما رفعت المسؤولية عن حالك وقدمت بلاغ اذا صار شيء مع العاملة، شو هل منطق؟!!” طبعاً، لا جواب من أحد. فقط كرروا “نحنا خلص اخذنا اشارة، ما فينا نساعدك هون”. ويضيف على فكرة “في مافيا بمخيم البرج للاثيوبيات، فاذا بتعرفي حدا جوا اكيد بساعدك تلاقيها”. في اشارة مرة اخرى، ان اختفاء العاملة ليس قسريا بل مقصود ومعروف السبب والتوجه، ودون الاعتراف بان” هذه المافيات” المعروفة من الدولة هي ببساطة “اتجار بالبشر”. وكان صراخ الموقوف في الداخل يتعالى فتوترت وتيقنت ان احدا لم يأخذ خطورة الحادثة على محمل الجد، فلملمت ما كان معي من اوراق وما تبقى لي من طاقة، وعدنا ادراجنا.

الصورة من ارشيف المفكرة القانونية

انشر المقال

متوفر من خلال:

فئات مهمشة ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مساواة ، عمل منزلي



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية