شكاوى من ظروف نقل المعتقلين من السجون إلى المحاكم بالمغرب


2019-01-19    |   

شكاوى من ظروف نقل المعتقلين من السجون إلى المحاكم بالمغرب

تجددت الشكوى من الظروف غير الملائمة التي يتم فيها نقل المعتقلين من العديد من السجون إلى المحاكم التي يحاكمون أمامها. فبعد شكاوى جمعيات المجتمع المدني في عدة مناسبات تم نقل النقاش خلال هذا الأسبوع الجاري إلى مجلس النواب بالبرلمان المغربي، حيث تمت مساءلة وزير العدل عن الظروف التي يتم فيها نقل السجناء إلى المحاكم قصد محاكمتهم وهي العملية التي قد تتطلب التنقل عدة مرات ما بين المرحلة الابتدائية للمحاكمة والمرحلة الاستئنافية بما تتطلبه من تجهيز للملف أول الأمر ومناقشة وسائل الإثبات المقدمة من النيابة العامة والمتهمين حسب نوعية وأهمية القضايا أمام المحاكم. فما هو جوهر المشكل في هذا الموضوع؟ وكيف يمكن التغلب عليه من وجهة نظر رسمية أو غير رسمية؟

سبب الإشكال وحله حسب وزير العدل

حسب وزير العدل المغربي محمد أوجار أثناء جوابه عن أسئلة النواب يوم 14-01-2019 ، فإن “نقل المعتقلين من السجون إلى المحاكم وإعادتهم تعترضه عدد من الصعوبات”. ويعود السبب في ذلك حسب رأي الوزير إلى “العدد الكبير للمعتقلين”، مستشهدا على ذلك بكون “مدينة الدار البيضاء لوحدها يتم نقل ما بين 400 و450 سجين يوميا من السجون إلى المحاكم، وهو رقم كبير”. إضافة إلى صعوبة النقل بسبب ضعف الوسائل اللوجستيكية وبُعد المؤسسات السجنية عن المحاكم، خاصة تلك التي تم تشييدها خارج المدارات الحضرية، مثل طنجة وفاس ومراكش والرباط.

وعليه، يرى وزير العدل أن التغلب على المشكل يقتضي توفير اللوجستيك من حافلات مناسبة وتخصيص موارد خاصة بهذه العملية، فضلا عن أن وزارة العدل وفي إطار الرقمنة وتحديث المؤسسات، ستعتمد تقنية الاتصال السمعي البصري بين المحاكم والمؤسسات السجنية. فقد سبق أن تم تجهيز عدداً من المؤسسات السجنية والمحاكم بكاميرات وشاشات، تمكن من التواصل المباشر بين المعتقل وهيئة المحكمة صوتا وصورة من دون الحاجة للتنقل الدائم للمحكمة من طرف المعتقل، وهي التقنية التي ستكمن من اقتصاد الكثير من الوقت والجهد وخاصة في مرحلة تجهيز الملف وإعداد الدفاع. ويقتصر إحضار المعتقل أمام المحكمة فقط عند مناقشة القضية احتراما لمبدأ التواجهية وحقوق الدفاع.

الاشكال من وجهة نظر غير رسمية …

يتجاذب موضوع ظروف نقل المعتقلين في المغرب عدة معطيات مرتبطة به بحيث لا يمكن اختزالها في معطى واحد هو توفر الوسائل اللوجستيكية من عدمها فقط. بل لا يمكن فصل هذا الموضوع عن إشكالية كثرة الاعتقال الاحتياطي في المغرب بسبب إشكالية السياسة الجنائية في أبعادها الثلاثة ( الوقاية من الجريمة وحكامة التشريع الجنائي ونجاعة أداء الأجهزة القضائية سيما النيابات العامة وقضاء التحقيق). وقد بلغت هذه النسبة وفق آخر تقرير صادر عن رئاسة النيابة المغربية إلى أزبد من 40،45% سنة 2016 ونزلت سنة 2017 إلى 37،09% وفق احصائيات رئاسة النيابة العامة [1]، ثم هناك مشكلة التخطيط والإدارة ( بُعد السجون عن المحاكم وعدم اتباع إجراءات مرنة للتغلب على المشكل بما فيها الرقمنة الشاملة ما بين السجون وجميع المحاكم في المراحل الأولى للملف)، فضلا عن اتخاذ بعض القرارات دون دراسة آثارها من جميع الجوانب. ومن الأمثلة على ذلك، ما كانت وزارة العدل قد أعلنت السنة الماضية من إصدار مرسوم بزيادة 13 محكمة جديدة دون توفير اللوجستيك المادي والبشري لهذه العملية الشيء الذي ترتب عنه وجود بعض المحاكم في النصوص القانونية دون تشغيلها على أرض الواقع إلا في مراحل لاحقة وبمدد زمنية متباينة، مع أن المفروض أن يتم توفير اللوجستيك والموارد البشرية أولا[2].

وقد حصل في بعض المحاكم الجديدة المحدثة، ومنها مدينة صغيرة تسمى تنغير بالجنوب المغربي، أن تم تحويل مركزها القضائي[3] إلى محكمة ابتدائية دون أن يتم الاخذ بعين الاعتبار أن مدينة تنغير التي يتواجد بها المركز القضائي لا تتوفر على سجن محلي. وبالتالي يتعين نقل السجناء في كل مرة إلى مدينة ورزازات مقر الدائرة الاستئنافية البعيدة عنها بحوالي 160 كلومتر مع صعوبة الطريق من حيث التضاريس والجبال.

وبعد وقوع هذا الإشكال، يتم التفكير الآن في بناء مؤسسة سجنية محلية وفق مصادر للمفكرة القانونية. ولكن كل هذا كان يمكن تجاوزه لو تم التخطيط لتوفير كل المعطيات والموارد قبل اتخاذ قرار استحداث محكمة جديدة.

 


[1] – تراجع هذه الاحصائيات في الموقع الالكتروني لرئاسة النيابة العامة بالمغرب على الرابط الآتي : http://www.pmp.ma/?page_id=1362

[2] سبق للمفكرة القانونية أن نشرت موضوعا بهذا الخصوص : مرسوم حكومي بتغيير الخريطة القضائية في المغرب: استحداث محاكم قبل تأمين الموارد الضرورية –  https://legal-agenda.com/article.php?id=4085

[3] – المقصود بالمركز القضائي هو فرع يتبع للمحكمة الابتدائية  يوجود بمدن صغيرة  ويتواجد به قاض واحد دائم ولذلك فالتسمية الرسمية هي ” مركز القاضي المقيم” وتنتقل اليه هيئة مرة كل 15 يوما أو شهر حسب الأحوال ، وجرت العادة في القضايا الجنحية أن قضيا المتهمين في حالة اعتقال يكتفى بالبت فيها بالمحاكم الابتدائية وليس المراكز لعدم توفر  السجن بتلك المراكز غالبا .

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، محاكمة عادلة وتعذيب ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية