“شط أبو علي” متنفّس عام آخر في خطر


2023-04-27    |   

“شط أبو علي” متنفّس عام آخر في خطر

منذ أسبوعين يتوافد ناشطون وناشطات إلى شاطئ “أبو علي” في كفرعبيدا قضاء البترون لحماية متنفّسهم العام الوحيد الذي يخشون أن تكبر فيه التعدّيات ومن أي محاولات لاستثماره. ويطالب الناشطون بإزالة غرفة مبنيّة على الشاطئ، بدأت كشكًا صغيرًا وهي الآن غرفة كبيرة مع شبابيك وأبواب تنتصب على الشاطئ تمامًا كنذير شؤم على إمكانية وجود مخطط لاستثمار الشاطئ. وفي الأول من نيسان 2023، تعرّض الجدار التاريخي المحاذي للشاطئ لعمليات تحطيم قبل وقفها وإعادة الوضع إلى سابق عهده تحت وطأة الضغط الشعبي، كما بدأت أعمال ترميم السلّم الذي يربط إحدى المنشآت المدنية بالشاطئ ما يعيق الوصول الحرّ للناس إلى الشاطئ. 

وبحسب حملة “الشط لكلّ الناس” “تخالف هذه التعدّيات قانون البيئة 444 لناحية حجب النظر، وتخالف ضرورة تأمين الوصول الحر إلى الشاطئ. كما تخالف روحية القرار 1925 الذي يمنع البناء الدائم على الأملاك العامة، والذي يمنع قطع وحدة الشاطئ اللبناني، من شماله إلى جنوبه”.

ويشكّل كل ذلك استفزازًا لأبناء البترون، والمناطق المحيطة، حيث تنادوا لحماية الموقع الذي يشكل جزءًا من الذاكرة الجماعية لأبناء المنطقة وجاذبًا للمستجمّين من خارج المنطقة.     

محاصرة الشاطئ

عند الوصول إلى شاطئ كفرعبيدا، يلفتك طابور طويل من السيارات، تنظر إلى الأسفل، فتجد أعدادًا كبيرة من المستجمّين الذين هربوا من ضوضاء المدينة إلى سكون البحر وشمس نيسان الرقيقة. تبحث يمينًا ويسارًا عن المنفذ، فتجد عددًا كبيرًا من العوائق تحول دون بلوغ العموم الشاطئ. يشي الصدأ الذي يعلو السور الحديدي بأنّ محاولات تطويق “شط أبو علي” ليست جديدة. ولكن سرعان ما نكتشف طريقًا وعرة، و”قادومية” للمشاة، تقود نحو الأسفل باتجاه البحر. وهناك نعثر على بقايا غرف قيد الإنشاء تمّ هدمها، وكذلك مجموعة من الشاليهات البسيطة الواقعة مباشرة على الشاطئ، ناهيك عن جدار مهدوم، كان قُيّد له لو بقي، أن يحجب “شط أبو علي” كاملًا عن العموم.

نبلغ الشاطئ، فنجد بحرًا نظيفًا تتلألأ زرقة مياهه، تملأ شاطئه الكائنات البحرية الاسفنجية، والورود، بالإضافة إلى أناس يمارسون طقوس الاستجمام الخاصة بهم بحرية. هنا حبيبان يتهامسان، وهناك شابة تلتقط الصور للورود البرية، وشاب يجري مع كلبه، فيما يسابق آخرون الصيف ليكتسبوا بعض السمرة. وفي جهة مقابلة عائلة تشوي اللحم بعد انتهاء زمن الصوم، وأصوات أطفال تتناغم مع صوت الموج. 

في الجهة الخلفية للشاطئ، تنتصب غرفة بيضاء ذات شبابيك حديدية زرقاء موصدة بالكامل من كافة الجهات، هي التي يتوقّع رواد الشاطئ أنّها النواة والمنصّة لوضع اليد على “شط أبو علي”. تشير الناشطة ماغي نجم إلى أن هذا البناء “بدأ كشكًا صغيرًا قبل أن يكبر، ويتمدّد، ومن ثم شهد إضافة أرضية اسمنتية في محيطه، وارتفعت عوائق وحبال سميكة في محيطه”، واصفةً إياه بالبناء المعتدي على الملك العام بسبب وقوعه مباشرة على شاطئ البحر، وفي منطقة المد والجذر. تعتبر ماغي أنّ الغرفة تشكّل اعتداءً على الأملاك العامّة البحرية، فهي قائمة على أرض تابعة للدولة، ويتذرّع المستثمرون بوجود عقار خلف الغرفة، يحمل الرقم 78 – كفرعبيدا من أجل وضع اليد على الشاطئ، ومنع المواطنين من دخوله.        

أنقذوا أبو علي 

تداعى ناشطون حقوقيون وبيئيّون إلى تأسيس حملة “أنقذوا شط أبو علي”  Save AbouAli Beach، نسبة للشاطئ العمومي الواقع في بلدة كفرعبيدا. تكشف الناشطة ماغي نجم تزايد التعديات على الشاطئ في الآونة الأخيرة، ما ينذر بانطلاق مشروع استثماري خاص غير مرخص على حساب المصلحة العامة. وتروي “في الأول من نيسان، فوجئ روّاد الشاطئ بوجود عمّال يقومون بتحطيم حائط الدعم التاريخي للطريق العام، أي الطريق البحري القديم الذي يصل طرابلس ببيروت. عندها تحرّك أبناء المنطقة، واحتجّوا على الأعمال التي توقّفت بعد تدخّل شرطة البلدية التي تأكّدت من عدم وجود ترخيص”. 

تتابع ماغي “لنفترض أنّ الطريق بحاجة إلى ترميم، فهو يحصل بإشراف وزارة الأشغال العامة، وليس بجهد فردي”، مضيفةً: “زرنا وزير الأشغال الذي أكد عدم وجود أي ترخيص بأعمال الترميم، وتعهّد بعدم تشريع أي اعتداء إضافي على الأملاك البحرية في لبنان”. 

وتوضح ماغي: “هناك كلام عن شراء أحد المتموّلين للعقارات المجاورة للشاطئ، وهو يتّجه لإقامة استثمارات جديدة لاستقبال من يعتبرونهم ناس مرتّبين حسب تصنيفاتهم” على حد قولها. 

مخالفات مزمنة 

تؤكد ماغي نجم أنّ محاولات قضم الشاطئ ليست بجديدة، ففي السابق كان الزوّار ينزلون إلى البحر من خلال سلّم يربط شط أبو علي مباشرة بالطريق العام، ولكن أضيفت بوابة لمنع المرور، وكذلك سور حديدي لحجب الرؤية. بعد ذلك، اضطرّ الأهالي لسلوك طريق آخر، “تمسّكنا به رغم خطورته” حسب ماغي التي تتحدث عن إقامة مالكي العقارات المجاورة في عام 2018 جدارًا في الملك العام مؤلّفًا من ثلاث طبقات، ولكن الأهالي ضغطوا من أجل إزالته لاعتدائه على حق الناس في الوصول إلى الشاطئ والملك العام بصورة “وقحة”. كما قام صاحب الكوخ المعتدي على الشاطئ بصبّه بطبقة باطونية إضافية لترسيخ وجوده، وتحويله إلى ملك خاص، ومحجوب عن الناس.  

كما امتدت الاعتداءات إلى “البلاطة” وهي صخرة منبسطة كبيرة كان يستخدمها أبناء المنطقة للاستراحة بعد السباحة، أو القفز إلى المياه. وحسب المواطن شاهين، قام أحد النافذين في المنطقة بتثبيت عواميد حديدية، وتطويقها بالأسلاك الشائكة، كما وضع كلابًا وحارسًا لعزلها عن عامة الناس، ولكن مؤخرًا وبعد إثارة الموضوع في الإعلام، أزال مؤقتًا الشريط الشائك. 

“الشط لكل الناس” 

بدأ أهالي المنطقة مسار ضغط تصاعدي لرفع التعدّي عن “شط أبو علي”، وآخرها تجييش الرأي العام لمواجهة الاعتداء على “المتنفّس الأخير” لأبناء البترون ولبنان بشكل عام. فإلى أبو علي يأتي عشاق السباحة من كل المناطق، وقد التقينا بأشخاص جاؤوا من طرابلس، وآخرين من بيت شباب المتن، وكذلك شبان من بيروت. يشكّل هؤلاء عيّنة عن المواطنين الباحثين عن الاستجمام الصديق للبيئة والمجاني. كما أطلق هؤلاء عريضة شعبية للحفاظ على الشاطئ وإزالة كافة التعديات عنه.  

تقول ريتا طانيوس واحدة من الروّاد القدامى لـ”أبو علي”، إنّها تقصده بصورة دائمة منذ 40 عامًا، لتسبح وتلتقي الوجوه التي ألفتها. مع الزمن، نشأت روابط اجتماعية بين الزوّار، حيث أصبحوا عائلة واحدة، وبالتالي أيّ تغيير سيؤدّي إلى تشويه الشاطئ لن يسمحوا به. وتعبّر ريتا عمّا يدور في خلد “عائلة الشاطئ”: “لا أقبل بأن يأتي أحدهم ليقول ممنوع وضع منشفة للجلوس تحت الشمس، أو أنه حان وقت الإقفال عليك الرحيل، أو أنه مغلق بسبب حفلة خاصة. هذا غير مقبول لدينا، نحن نقصد الشاطئ يومياً خلال الشتاء والصيف”. وتتابع: “لقد وضعتم يدكم على كافة الشواطئ، اتركوا لنا هذا الشاطئ الذي يشكل متنفّسًا لنا خلال الأزمة، حيث لم يعد بإمكان الأهل اصطحاب أولادهم إلى المسبح الخاص، الجميع يأتون إلى هنا”. كما تلفت إلى جانب وجداني لدى أبناء شاطئ أبو علي “في بعض أيام الصيف، وتحديدًا خلال الذروة في تموز وآب، نؤخر نزولنا إلى الشاطئ لإتاحة الفرصة لآخرين للسباحة، لأنّ هناك عائلات محدودة الدخل غير قادرة على دخول المنتجعات الخاصة”، كما أنهم يتوّلون مهمّة تنظيف الشاطئ بصورة دورية، وإزالة البلاستيك، وإرسال النفايات إلى معامل الفرز.

كما تتطرق ريتا طنّوس إلى الأثر البيئي لأنّ “إقامة منتجع سياحي سيؤدي إلى تلويث مياه البحر بالمجارير، وكذلك المواد الكيميائية الخطرة، ناهيك عن ضرر بالبيئة البحرية بفعل إقامة المنشآت”. 

وتقول مي وهي مواطنة من عبرين التي تبعد 7 دقائق عن شاطئ أبو علي إنّها ترتاد الشاطئ منذ عقود، إنّ من حق المواطن “غير المقتدر على دخول المنتجعات أن يتمتّع بالبحر بحرية”. وهذا ما يكرره المواطن العبريني يوسف يوسف (رجل في العقد السادس من العمر)، فهو يقصد البحر منذ أكثر من ثلاثين عامًا، معتبرًا أنّ المشكلة الأساس تكمن في تقديم المصلحة الخاصة على العامة، وبالتالي لا بد من المواجهة للحفاظ على حق الجميع. 

حرّاس أبو علي 

مع السنين ترسّخت العلاقة بين “أبو علي” وزواره، وقد تجنّد هؤلاء لحمايته. وقد ظهر ما تعارف عليه “حرّاس أبو علي”. ويوضح الناشط طوني ناصيف أنه خلال الفترة القليلة الماضية تسارعت التعديات على شط أبو علي، لذلك يتناوب أبناء المنطقة على حمايته “وطمأنة بعضهم البعض يوميًا وكل أربع ساعات على سلامة أبو علي”، حيث يقوم البعض بتصوير أي تحرّك أو عمل مشبوه في المنطقة، وإبلاغ الآخرين به عبر مجموعة واتساب من أجل التحرّك لمنع ترسيخ المخالفات أو تشريعها. ويضيف ناصيف: “في لبنان عند قيام أي مخالفة تثبت بفعل قوّة الأمر الواقع”، مؤكّدًا أنّ حملة إنقاذ “شط أبو علي” تنتهج الطرق القانونية حصرًا من خلال مطالبة الجهات المختصة في وزارة الأشغال العامة والنقل بأداء واجباتها كاملة. 

يجزم طوني ناصيف “لولا وجود الضغط الشعبي كان المشروع قد أنجز”، مكرّرًا “مطالبنا واضحة وصريحة، هذه أملاك بحرية عامة، ولا نريد لأحد المساس بها تحت أي حجة”، مضيفًا “نريد الحفاظ عليها مفتوحة للجميع، حيث يأتون بصورة عفوية، لا نريد تجميله وفق معايير المستثمرين، فهو جميل كما هو وبناسه”.

الخطر يهدد كفرعبيدا 

تعزو الناشطة كلارا خوري (حملة أنقذوا شاطئ كفرعبيدا) اتّساع المخالفات والاعتداءات على الشاطئ إلى غياب السلطات الرقابية، وعدم قيام الدولة بقمع المخالفات في حينه، مما فتح الباب أمام خصخصة الأملاك البحرية. كما تعتقد أنّ تحوّل كفرعبيدا إلى وجهة سياحية، فتح شهية المستثمرين لجذب السياح، مستدركةً “مرحّب بالمستثمرين جميعًا ولكن شرط الالتزام بالقانون، وعدم التعدّي على الأملاك العامة البحرية التي يحدد القانون حدودها بآخر نقطة يصل إليها المد خلال فصل الشتاء. وبالتالي يمكنهم إقامة مقاهي مطلّة على الشاطئ على الطرف الآخر من الطريق، ويستمتع الزوار بالمنظر”. وتعرب عن رفض الحملة مبدأ “تسوية المخالفة عن طريق إبقائها في مكانها، لأنّه لا بدّ من إزالتها وإعادة الشاطئ إلى ما كان عليه دون أي اعتبار لمرور الزمن”.  

في المقابل، يؤكد الناشط سمعان إصرار أهالي البترون على بقاء الشاطئ للجميع، مشددًا على أنّ الحملة تقوم بما يجب أن تفعله الدولة بمنع التعديات على الأملاك العامة. ويطالب الدولة المبادرة لإزالة التعديات “حتى من دون حصول احتجاجات، واتخاذ قرار بمعالجة ملف الأملاك البحرية التي يمكن أن تؤمن مداخيل كبيرة للخزينة”.    

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، تحقيقات ، الحق في الحياة ، أملاك عامة ، لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية