شجرة ميلادٍ مزيّنة بأسماء ضحايا تفجير آب والأهالي في حضرة ذكريات الأعياد الفائتة


2020-12-22    |   

شجرة ميلادٍ مزيّنة بأسماء ضحايا تفجير آب والأهالي في حضرة ذكريات الأعياد الفائتة

تجمّع أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت أمس الاثنين على الرّصيف المقابل لإهراءات القمح قرب تمثال المهاجر، لإضاءة شجرة ميلادٍ مزيّنةٍ بأسماء الضحايا. لم تكن تلك أبداً مناسبة للفرح، كانت مناسبة للحزن، أخرجوا ما في قلوبهم من حنق وقهر وزعل مع انتهاء الكلمات الرسمية ورحيل أصحاب البدلات: 

“الأزعر هو اللي ما بيفوت عند القاضي، النظيف بيفوت وراسه مرفوع”.

“ممنوع نسكت وإلاّ رح نضلّ بلا كرامة”. 

“انشالله لي كانوا السبب بيندفنوا تحت سابع أرض، ومثل ما نحن ضلّينا إيّام عم ندوّر على أولادنا، ما يلاقوا حدا يفتش عليهم ليلاقيهم”. 

“كنتوا بالقبل فاسدين هلّق إنتو مجرمين”

“رح تموتوا وتصيروا جيفة”

“ما بدنا يزيّنولنا شجرة ويضوّوها، شهدائنا هنّي النور هنّي بيضوّوا على الدنيا كلّها”.

” ليكي ملّا شاب، صرمايته بتسوى أكبر زعيم بهالبلد”.

“بدنا حقّهم يا زعماء، بدنا حقّهم ، يتّمتوا الأولاد حرمتوهم فرحة العيد” .

ليلة عيد الميلاد لا أمنيات لأطفال الشهداء   

رثى الأهالي ضحاياهم في كلمة باسمهم ألقاها إبراهيم حطيط شقيق الشهيد ثروت حطيط: “هنا بالأمس كان أحبابنا يعملون ويجدّون طلباً للقمة العيش الكريمة بعرق جبينهم، وفجأة، مدري شو لي صار، في لحظة غدرٍ رهيبةٍ دوى التفجير الذي غيّر وجه بيروت وغيّر معها آلاف الأسر التي نكبت بأملاكها وأرزاقها وأجسادها النازفة والتي رغم جراحاتها صمدت وبقيت على قيد الحياة، كل شيء يعوّض بشكلٍ ما إلّا الأحبّة”. وسأل إن كان من مجيب على تساؤلات أطفال وأولاد الشهداء الذين يبحثون عن معنى لغياب آبائهم وأمّهاتهم: “بماذا نجيب جوزيف الطفل وهو يقف أمام صورة والده الشهيد ويسأل والدته هل حقاً بابا مات ولن يعود؟ …. ماذا أقول لطفلتي الشهيد حمد العطار اللتين أصرّتا على إقامة عيد ميلاد والدهما من أسبوع وكتبتا على قالب الحلوى، عيد ميلادك يا بابا بالجنّة أحلى. لو أردت أن أسترسل لأسمعتكم ألف حكايةٍ وحكاية وألف الأف غصةٍ وألف دمعةٍ”.

ابن الشهيد محمد حسين السباعي

وتابع: “نحن اليوم في حضرة شهدائنا، لا نكرّمهم فحسب بل نعاهدهم بأن عوائلكم أمانة في أعناقنا”، واعداً بالاستمرار للوصول إلى الحقيقة ولكشف ما حصل في 4 آب بدون مماطلةٍ ودون تسييس، واعداً “القاصي والداني أمام العالم أجمع: لن نتهاون ولن يثنينا ترهيب ولا وعيد في سبيل الوصول إلى العدالة الكاملة ومعاقبة المتسبّبين بالمجزرة، ولا يتوهمن أحد بأنه يستطيع أن يحرف مسارنا لا سياسياً ولا طائفياً”. فـ”مت وحدّته الدماء والأشلاء سنبني عليه لاجتثاث الفساد الذي بنيتم عليه بسياساتكم الطائفية المقيتة” وختم حطيط كلمته بالجملة التي اتخذها الأهالي شعاراً لهم “هالمرة مش مثل كل مرة”.

زوجة الشهيد علي زين الدين

   بعد الشجرة.. نصب تذكاري..

كانت مبادرة إضاءة الشجرة الميلادية من جمعية “الإنماء الشامل” وأحيت المناسبة فرقة كورال الفيحاء وجرت برعاية وحضور محافظ بيروت مروان عبود الذي كانت له كلمة “بشّر” فيها أهالي الضحايا بأنّ البلدية ستنشئ نصباً تذكارياً للشهداء: “منذ الأسبوع الأول بعد التفجير، تشاورت مع أعضاء المجلس البلدي وتم التوصل إلى قرارٍ بإنشاء نصبٍ يخلّد ذكرى الشهداء في ذلك المكان، لأنّ ذكراهم يجب ألّا تمحى لا من قلوبنا ولا عن جبين هذا الوطن”.

وقال إنّه يقف إلى جانب أهالي الضحايا و”يتفهّم” مشاعرهم وإنّه يحزن كلّما وقع بصره على المرفأ وبأنّه يصلّي دائماً لأرواح الشهداء. وأشار عبود إلى أنّ “الأسماء التي وضعت على الشجرة محفورة في قلوبنا وفي ضمير كلّ من لم يقم بواجباته ليحول دون وقوع الكارثة”. ثم توجّه إلى الأهالي قائلاً “أولادكم وأبناؤكم وأخوتكم سيرسمون مستقبل هذا البلد، فرغم أنّهم ليسوا معنا بالجسد، إلاّ أنّ ذكراهم ستظل ترافقنا أبداً”، وختم عبود قائلاً “إنّ الوقت ليس للكلام، بل بالصلاة والتأمل والوقوف بجانب أهالي الضحايا بالفعل لا بالقول”. 

والدة الشهيد حمزة اسكندر

لا فرحة في البيوت هذا العام وحدها أسماؤهم هي العيد

تدور الكلمات، ويدور الأطفال والأهالي حول الشجرة في محاولةٍ للعثور على اسم شهيدهم. تبحث مريم الأمين عن اللوحة التي تحمل اسم زوجها الشهيد حسن شمص، تدفع بولديها للوقوف بالقرب منها، تتردّد لحظة، تأتي بابنها الرضيع الذي ولد بعد التفجير، تعطيه لشقيقته، تبحث عن صورة زوجها حسن تعطيها لابنها كي يرفعها عالياً، يكتمل المشهد، لكن أحداً لا يبتسم للكاميرا، فتلتقط الزوجة الثكلى صورة حزينة لأطفالها قرب اسم والدهم “نحن نزلنا كرمال الأولاد ليشوفوا إسم أبوهم، وبيعيّدوا معه لأن ما في عيد هالسنة بالبيت هيك”.

لا عيد إذاً هذا العام، كلّ ما في الأمر استعادة لذكريات العام الماضي. تستذكر مونيكا شقيقها الشهيد فارس كيوان في أول عيد ميلادٍ  يمر على غيابه قائلة ً”فارس كان هو يعمل المغارة بالكنيسة، كان يعمل زينة بيوت الضيعة، ويقدم كثير مساعدات”.

شقيقة الشهيد أمين الزاهد

أما والدة الشهيد إبراهيم الأمين فتقول إنّها في كلّ عام تقوم بتحضير العشاء للعائلة، “أنا إبراهيم ما بروح عمطرح، شاب صغير بعده وبيحبّ العيلة، السنة ما في شي، مين إله نفس يأكل ومين إله نفس يشرب… راحوا الغوالي”. ثم تضيف بحرقة: “بكرا عيد ميلاد إبراهيم. كان رح يطبّق الواحدة وعشرين، بدل ما ضوّيلوا شموع بقالب كاتو، ضوّيت شموع على قبره، بدل ما زيّنلوا البيت زيّنت التراب”. 

تعتبر والدة الشهيد النقيب أيمن نور الدين إضاءة شجرةٍ تحمل أسماء الضحايا مبادرة جميلة “لكن لا شيء يعوّض لي ابني”، وتجهش باكيةً “هيديك السنة مثل هالوقت كان عم يحضّر حاله رايح دورة على أميركا، كان معجوق بالثياب والأغراض، هالسنة بقيوا الثياب وراحوا أصحابها”.

وينتقد شقيق الشهيد بهيج مرهج امتناع النوّاب والوزاء الذين طلبهم القاضي فادي صوان للمثول أمامه قائلاً “النائب أنا اعطيته وكالة ليجكي باسمي، مش هوّي بدّو يشوف حاله عليه، هو بصوتي إجا مثل الكلب إجا لعندي عالبيت حتى صوّتلو، كان شحاذ، بيدفعوا ملايين الدولارات ليوصلوا عالبرلمان وبس يوصلوا بيصيروا أبطال، الحق علينا نحن”. 

البارحة كان الأهالي كثر، فعيد الميلاد لا يكتمل سوى بتجمّع العائلات، حضر الأولاد اليتامى والنساء الأرامل والأمهات الثكالى والآباء والأصدقاء، جاؤوا يبحثون عن فرحٍ صغير بين الأضواء وأسماء “الغيّاب” ولكن من دون جدوى.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، البرلمان ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، محاكم جزائية ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *