شبهة فساد في تعيينات هيئة مكافحة الفساد: التشريع على قياس أشخاص


2021-02-15    |   

شبهة فساد في تعيينات هيئة مكافحة الفساد: التشريع على قياس أشخاص

صدر قانون مكافحة الفساد في القطاع العام رقم 175 في 8/5/2020، وقد تضمّن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهي هيئة أعطيت دورا هاما في ضمان الشفافية أو مكافحة الفساد. وإذ ما زلْنا منذ ذلك الحين ننتظر تكوين هذه الهيئة، نُفاجأ بمقترح تعديل مواصفات ثلاثة من أعضائها أي نصفهم ضمن مقترح قانون الموازنة العامة لسنة 2021 والذي أعده وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني. فبعدما كان القانون يشترط حيازة أعضاء الهيئة الخبراء في المحاسبة والأمور المصرفية أو الإقتصادية وشؤون الإدارة العامة أو المالية العامة (وهم ثلاثة) على شهادة ماجستير وما فوق في اختصاصهم بالإضافة إلى ما لا يقلّ عن 10 سنوات خبرة، أتى المقترح التعديليّ ليحذف شرط الحصول على شهادة ماجستر مع الإكتفاء بأي إجازة جامعية بالاختصاص إضافة إلى خبرة لا تقلّ عن 20 سنة. وقد تم تبرير التعديل المقترح وفق ما جاء في الأسباب الموجبة المرفقة بمقترح الموازنة أنّه يهدف لمنع “حرمان أصحاب الخبرة والكفاءة والمناقبيّة حاملي الإجازات والذين سخّروا كافة أوقاتهم لخدمة الدولة على حساب رفع مستواهم الأكاديميّ ومصلحتهم الشخصية من إمكانية اختيارهم”. 

يستوجب هذا المقترح الملاحظات الآتية:

أولا: إنّ تعديل المعايير القانونية لنصف أعضاء هيئة مكافحة الفساد يُعتبر مسألة لا تتّصل من قريب أو من بعيد بالموازنة العامة وهو يعدّ تاليا من فرسان الموازنة والذي يشكّل إدراجه فيها مخالفة دستورية وفق قراراتٍ عدّة للمجلس الدستوري. ومن هذه الزاوية، فإنّ تضمينه في المقترح رغم عدم دستوريّته إنّما ينمّ عن مسعى لتمريره من ضمن تشعّبات الموازنة وتحت غطائها من دون أن يحظى بأي انتباه خاصّ وهو مسعى يزيد من الريبة حياله،

ثانيا: إنّ اقتراح تعديل مواصفات أعضاء هيئة مكافحة الفساد قبل تعيينهم إنّما يُشكّل شبهة على مسعى لتعديل المعايير القانونية تمهيداً لتعيين شخصٍ أو أشخاص محددين لا تنطبق عليهم المواصفات الحالية. ومن شأن هذا الأمر أن يُشكّل مخالفة دستورية أخرى قوامها تسخير التشريع لخدمة مصالح فئوية أو شخصية، بما يتعارض مع مبدأ المساواة ومع كون القاعدة القانونية قاعدة عامة يفترض أنها تجسّد الإرادة العامة،

ثالثا: إنّ السعي لتعديل المعايير القانونية لتعيين شخصٍ بعينه إنّما يُعزّز من مخاوف إعمال المحاصصة في تعيين أعضاء هيئة مكافحة الفساد وتاليا من مخاوف استتباعهم، وهي مخاوف تعزز من المخاوف التي كانت أثارتها المفكرة القانونية عند إقرار هذا القانون. ومن البديهي أن من شأن إخضاع تعيينات هذه الهيئة للعبة المحاصصة أن يعطّل أيّ دور مرجو منها ويجعلها بمثابة مُزيل لشبهات الفساد أو مقبرة لها أكثر ممّا هي أداة للتحقيق فيها. وما يزيد من هذه المخاوف هو تجاوز الحكومة الأجل المحدّد قانونا لتعيين أعضاء الهيئة (والذي انتهى منذ 8/8/2020)، مما يشكل مؤشرا آخر على إخضاع هذه التعيينات للعبة المساومات الاعتيادية، بمنأى عن أي نية في تفعيل أداء هذه الهيئة،

رابعًا: تتعزز المخاوف على استقلالية الهيئة أكثر فأكثر من خلال تضمين مقترح قانون الموازنة العامة بندا آخر قوامه إدارج موازنة الهيئة ليس ضمن باب خاص إنما ضمن باب رئاسة مجلس الوزراء، أي رئاسة السلطة التنفيذية التي انوجدت هذه الهيئة لمراقبتها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، المرصد القضائي ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، لبنان ، مؤسسات عامة ، محاكم دستورية



لتعليقاتكم